مرة أخرى نقلوني إلى مكتب شمس بدران ! !. . لقد عاد إلى الوعي بعد أن فقدته تحت سياط الزبانية . . فلا بأس من العودة إلى مكتب التعذيب . . مكتب شمس بدران ! ! . . نعم . حملوني على نقالة إلى مكتب شمس بدران ! ! كان شمس بين عصبة من أعوانه ، وبادرني عندما أجلسوني على كرسي أمام مكتبه : يا بنت الِ . . لم يعد بك أدنى احتمال لأدنى قدر من التعذيب ، فارحمي نفسك ، وإلا قسما برأس عبد الناصر أدفنك مع الفيومي وغيره .
وأضاف واحد من إلأذناب : اسمعي يا زينب ، ردى على سعادة الباشا، وفكري في مصلحتك ، لننتهي معك إلى حل . . واسترسل شمس بدران : تذكري جيدا، جاء إليك شخص من طرف فؤاد سراج الدين ، وطلب منك أن تتفقي مع الإخوان المسلمين ليتعاونوا مع الوفد لإزالة حكم عبد الناصر، وقال لك هذا الشخص بأن هناك رجالا في مكتب المشير عامر سيتعاونون معكم ومع الوفد . فقلت - وأنا أضغط على الكلمات من فرط دهشتي على قدرة هؤلاء الشياطين على التلفيق والتزوير- : هذا محض كذب ، إن فؤاد سراج الدين لم يرسل إلى أحدا في مثل هذا الأمر ولا في غيره . ولم ألتق بفؤاد باشا من حوالي إثتي عشرة سنة . . ولكي أكون دقيقة في شهادتي، فإن زوجي الحاج محمد سالم سالم كان في مزاد، والتقى-مصادفة- بمعالي فؤاد باشا سراج الدين ، فسأل زوجي عن صحتي وأحوالي ، وكلفه أن يبلغني سلامه وتمنياته . وهوت السياط الملعونة، كأنها ألسنة الأفاعي جائعة تصب زعافها أينما حطت ، أو كألسنة اللهب نشوى ما يصادفها . . وكانت قدماي لا تزالان ملفوفتين بالضمادات ، وجروحي لم تلتئم .
ويتساءل الزبانية وسياطهم تتصارع على قدمي وجسدي : فؤاد سراج الدين أرسل إليك أم لا؟
وأرد : لم يرسل إلى !
فيأمر شمس بدران بزيادة وطأة التعذيب ، فيغمى على، ويوقف الجلد وأنقل على نقالة إلى المستشفى! ! . . ثم تبدأ الدائرة من جديد، وأعود إلى مكتب شمس بدران مرة ثالثة . . ! ! ويقول شمس بدران ، وقد أخذته العزة بالإثم : افهمي أنه لا يقف أمامنا أي شئ . . إننا ندفن منكم كل يوم عشرين كلبا، وصحراء السجن الحربي بطنها مستعدة لمئات الألوف . . وقسما برأس عبد الناصر إن لم تسلكي كما نريد، لأدفنك مثل الكلاب التي أدفنها كل يوم . ولم أنظر إليه ، ولم يبد على أي أثر أو تأثير من سفاهته وجاهليته ، فاستشاط غضبا وقال : ردي على وإلا قتلتك وجعلت نهايتك تحت السياط . فقلت : لا إله إلا الله الفعال ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ، ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين .
فقال شمس بدران : هات الكلاب يا صفوت ؟! !
ويحضر صفوت كلبين من الكلاب المدربة، ويطلقهما على، فيهجمان على كما يهجم الوحش الجائع على فريسته . . إ!
وأستعيذ من أذى الوحشين بقولي : اللهم إني أعوذ برضاك من غضبك ، اللهم فادفع السوء عنى بما شئت وكيف شئت .
فقال حمزة البسيوني . يا باشا وجهها أصفر وأشرفت على الموت . وقال شمس بدران في غطرسة : أخرج الكلاب يا صفوت ، وخذوها . . ارموها تموت في المستشفى . وعدت إلى المستشفى على نقالة! !
وفى منتصف الليل . . في جنح الظلام ، ومرة رابعة إلى مكتب شمس بدران ! ! إنها الحقيقة . . الحقيقة المرة المؤلمة التي تجرع كأسها فريق من المواطنين إشباعا لشهوة الانتقام ، وخصيصا لهدم الدين الإسلامي بإبادة دعاته ، وحتى تنطوي، في زعمهم ، مظلة لا إله إلا الله . . محمد رسول الله ، وتنتشر مظلة الكفر وليعم تيار الإلحاد .
وما كادوا ينزلونني من النقالة إلى مقعد في مكتب شمس بدران ، حتى أغمى على فاحضروا عصير ليمون واسقوني إياه ، وحقنوني في ذراعي فارتد إلى الوعي . . !
وقال شمس بدران : يا بنت اتعدلي ، يا زينب أنت صعبانة علينا، إننا لسنا وحوشا كما تقولين . . والرئيس جمال عبد الناصر قلبه كبير وسيغفر لك إذا قلت الحقيقة . . اعملي لمصلحتك فقط . . قولي الحقيقة يا زينب . . فقلت : الحقيقة .. قولوا لعبد الناصر إنكم المغتصبون المعتدون علي سلطان الله. . توبوا إليه وارجعوا. . اخرجوا من باطلكم إلى الحق ، من ظلمكم إلى العدل ، ومن ظلامكم إلى النور. . إن الذين يؤيدونكم في باطلكم وتستعملونهم مخالب باطل وعدوان وجريمة ، قلوبهم مريضة ، وأنتم مرضى . وتساءلوا في دهشة مشوبة بثورة أو في ثورة مشوبة بدهشة : هي دي الرسالة اللي عايزانا ننقلها لعبد الناصر؟! ! فقلت بإصرار وبغيظ : إنني لم أقلها إلا لتنقلوها إليه ! !
وكان الجواب على "تطاولي" هذا إلهاب جسدي بالسوط منهم في استنكار وارتعاد: دي بكل تأكيد مجنونة . . مجنونة . . مجنونة. . في حاجة إلى علاج بالجلسات الكهربائية! . .
وما إن ينتهي المرتعدون الذين في قلوبهم هواء من استنكارهم (لتطاولي) على سيدهم ، حتى يعلو صوت المسخ المسمى شمس بدران : الكلاب اللي مجوعينها من إمبارح . . فين يا حمزة؟! ويردف حسن خليل بصوت تمثيلى : يا زينب حرام عليك ، إنت قريبة من الموت . . أتقذى نفسك ، محدش من الإخوان راح ينفعك ، كلهم عملوا لمصلحتهم وأنقذوا أنفسهم . . أرجو أن يسمح الباشا بإحضار على عشماوي ليذكرها بالشخص الذي جاء إليها من طرف فؤاد سراج الدين .
وقال شمس بدران : تذكري يا بنت الِ . . وإلا واجهناك بعلي عشماوي . . فقلت : علي عشماوي باع نفسه لطواغيت الباطل والجريمة بثمن بخس ، فخسر الدنيا والآخرة . . وقصة سراج الدين قصة مدبرة المراد بها أن تذلوا الرجال . . رجالا ذوى قلوب ، وضمائر ، ورؤوس مرفوعة . .
ودخل حجرة التحقيق ضابط يدعى سعيد عبد الكريم اشترك معهم ثم قال : يا زينب ، سأفكرك بشيء قد يساعدك في موضوع سراج الدين . . ألا تعرفين الحسيني عبد الغفار، كان في الإخوان المسلمين ثم انشق عنهم مع شباب سيدنا محمد، وتفاهمت أنت معه عدة مرات ليعود إلى صفوف الإخوان المسلمين ، لأنك حريصة على أن يبذل جهده داخل صفوف الجماعة؟
فقلت : حسبنا الله ونعم الوكيل ، الحسيني عبد الغفار هو أخي في الله ، وكان في الإخوان المسلمين كما كان في شباب سيدنا محمد، وتكلمت معه فعلا ليعود إلى صفوف الإخوان المسلمين ، ولكنه اعتذر عن ذلك ، وليس له علاقة بسراج الدين ولا بالوفد .. وكان رئيس شباب الأحرار الدستوريين يوما، وذلك يجعله مناوئا للوفد لا متفقا معه .
فقال حسن خليل : هذا صحيح ، لكن عندما تكون المسألة اتفاق الدستوريين والسعديين والوفديين والإخوان المسلمين تكون المسألة في طريقها الطبيعي ! ! فقلت : ليس هذا حقا، وهناك مسافة بين الإخوان وغيرهم الذين لم يدرسوا النظرية الإسلامية بتكتيكها الإلهي ، وأيدلوجيتها الربانية . وأشار شمس ونزلت على السياط ، وقال عبد الكريم : نرجوك يا باشا . . خليها تكمل . . قال عبد الكريم : كملي يا زينب . قلت : أما الإخوان المسلمون فيأخذون الإسلام عقيدة يبحثون في منابعها ويدققون في مصادرها، تلقوها من الله تعالى على يد رسوله صلى الله عليه وسلم . . بمعايشتهم للكتاب والسنة ، والأرض عند الإخوان لها وزنها وقدرها ما دامت أرضا للإسلام ، في سبيلها يستشهدون ، وعن حياضها يذودون ، يحررون الأرض لله كما يحررون البشر لله ، يعبدون الأرض لله كما يعبدون البشر لله . وعلى الأرض المعبدة لله وبالبشر المعبد لله تكون الأمة ويكون المجتمع المسلم.
ألم يحرر محمد صلى الله عليه وسلم . عند بعثته الأرض ثم يدعو الناس إلى التوحيد، ولم يدع ولم يناد بالإصلاح الاجتماعي ثم يدعو الناس إلى التوحيد، ولم يدع إلى تقسيم المال بالسوية ثم يدعو الناس للتوحيد، لم يدع لإصلاح جزئي، ولكن محمد صلى الله عليه وسلم . دعا إلى التوحيد فأسلم رجال وآمنوا بأنه لا معبود إلا الله ولا حاكم إلا الله ، ولا رازق إلا الله ، ولا ضار ولا نافع إلا الله ، وهو المحيي المميت ، ولا مدبر ولا مشرع إلا الله ثم كانت الهجرة إلى المدينة بالسابقين الأولين من المؤمنين.
ثم كانت بدر الأولى نداء لقيام الأمة، وتوالى نزول القران على محمد صلى الله عليه وسلم . قال شمس : هات الكلاب يا صفوت إ!
قفزت على الكلاب والوحوش البشرية تشبعني ضربا ونهشا والدماء تسيل هنا وهناك . . سارع الطبيب الواقف معهم بوقف جلدي ولكن هيهات . . هيهات . . انطلق آذان الفجر ينير سكون الليل فأحسست ببرد وسلام من هذه السياط التي لا تلين ولا تكف فتذكرت أمر الله ( يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ) الأنبياء : 169 .
تباركت يا رب وتعاليت ، فأنا حفيدة إبراهيم أول الموحدين وجد النبي صلى الله عليه وسلم . أن رحمتني من أبالسة يسؤوهم أن أقول : ربى الله لا أشرك به أحدا ( قل يا أيها الكافرون ، لا أعبد ما تعبدون . . ) . أفقت لأجدني في المستشفى ولا أدري ، وان كنت واعية تماما لما ينتظرني .