مر ما يقرب من عام على اعتقالي ولم يسمح لي بالأكل من الخارج إلا قبل المحاكمة بثلاثة أشهر؟ خوفا من أن أموت قبل أن يحاكموني بأباطيلهم. وتلك كانت طريقتهم في الحياة : الخداع والبهتان .
أبشع من هذا ما عرفته بعد ذلك عندما زارتني أختي ووالدتي قبل المحاكمة بأيام وقالت لي : إن صفوت الروبي كان يطلب منهم في الأيام الأولى لاعتقالي أكواما من الطلبات من الأدوية والفاكهة والملابس . وكان يشترط أن تكون الملابس جديدة .
لقد كانت خطة مدبرة لاستنزاف قدراتنا - معاشر المجاهدين - بإرهاق أسرنا في الخارج . أرادوا أن يقولوا للناس الذين سيسمح لهم بدخول محكمتهم : إن معاملتنا للمتهمين على أحسن ما يرام بدليل أنهم بصحة جيدة وأن الأكل دخل لهم من الخارج وهكذا من
مفترياتهم التي لا تنتهي . .
أما التعذيب والتنكيل والتهديد فحدث ولا حرج ، لئن لم يكن فيما ذكرته الكفاية مما لقيت فإني سأضرب لك - أيها القارئ - بعض الأمثلة على ما كان يعانيه المسجونون من الجوع وخاصة المرضى .
ذات يوم دخل شاب من الإخوان ، جسمه ممزق من التعذيب ، وحضروا به إلى المستشفى لعلاجه وأخذ الطبيب يبحث عن قطعة سكر. ولكنه لم يجد في المستشفى وسمعت الهرج والسؤال عن قطعة السكر . فطرقت باب زنزانتي ولما فتحوا رجوتهم أن يأخذوا برطمانا صغيرا كان به عسل نحل جاءني مع الطعام من الخارج ، أخذ الممرض العسل وأمره الطبيب أن يعطى ملعقة للمريض . . وهذا يحدث بطبيعة الحال بعيدا عن أعين الزبانية؟ فمثل هذا من الممنوعات في المستشفى! ! .
ومرت الأيام . ووصلت بهم الحال إلى تعذيبنا بمنع الماء عن المريض . فيظل طوال الليل لا يشرب نقطة ماء – ونحن في أشهر الصيف – حتى أصبح الحصول على نصف كوب ماء من المعجزات ، كنت مريضة جدا وحالتي الصحية سيئة، فسمحوا لي بدخول بعض الماء، وكان بجواري أخ كريم في الزنزانة المجاورة فكنت أقسم معه هذا القليل من الماء ، ولن تصدق أيها القارئ إذا ذكرت لك الطريقة التي كنت أوصل بها الماء إليه ، لن تصدق أنني كنت أضع الماء في كيس نظارتي وأناوله إياه من فرجة بين الحائط الورقي
وجدار الزنزانة، ليطفئ ظمأه ولو قليلاً ! كان جسمه ممزقة من سياطهم وكان أحوج ما يكون إلى هذا القليل ! . .
لقد تفنن الظالمون في وساثل التعذيب . . لم تبق طريقة قديمة أو حديثة إلا استعملوها وأضافوا إليها . .