كان يوم 9 أغسطس سنة 1971يوما مشهودا ، إذ حمل صباحه إلينا أخبارا جديدا حين جاءت سجانة مهرولة تدعوني بسرعة لمقابلة المأمور في مكتبه . شدتنا المفاجأة وجعلتنا نذهب بفكرنا في الأمر . . ماذا يكون وماذا يدبر الطواغيت والظلمة؟ ! أهناك بلاغ كيدي بأننا ننشر الإسلام في هذا المكان ، أم هناك خبر عن الأهل والديار، أم هناك مخالفة ولا ندرى بها أم . . . . ؟! عشرات من علامات الاستفهام ؟؟ لم يخطر ببالنا ما تأتى به الأقدار، فذهبت إلى مكتب المأمور فوجدت أمرا بالإفراج عنى وحدي . وكان شيئا مذهلا فأنا صاحبة الحكم المؤبد بالأشغال الشاقة أخرج لتبقى ابنتي وحيدة في هذا المستنقع الآسن ، تقاسى ما تقاسى، فانزعج قلبي من أعماقه وسيطر على نفسي حزن عميق وحيرة بالغة وبدون شعور صرخت قائلة : لا . . لا. لن يكون هذا أبدا . . لن أخرج وأترك ابنتي، إنكم أصحاب فتنة وتخطيط مظلم ! . .
وثارت ثورتي وشعرت بتعب وإجهاد واضطراب في النفس والمشاعر .
وبعد دقائق قليلة وجدت ابنتي حميدة أمامي في حجرة المأمور . استدعاها لتهدئتي ولتخفف عنى ما أنا فيه ، كانت محنة هائلة قاسية كيف ذلك ؟ كيف أخرج وأترك ابنتي وحدها ووجهها المطمس المشرق لا يفارق قلبي وصوتها بكلماتها الندية يهز أوتار نفسي؟! كيف أتركها وحدها في هذا المكان المظلم الموحش ، تواجه بمفردها قسوة المعاملة . . ومشاعري في نفسي وفؤادها تصرخ بشدة : كلا . . كلا لن أتركها، ويطول في قلبي الصراع ويمتد وهى تدعوني : يا أماه يا أماه هذا فضل الله ورحمة منه والأمر كله لله والله لا ينسى عباده . وطال الموقف وامتد المشهد فقال المأمور لابنتي حميدة : اتفضلي سلمى عليها وارجعي إلى الزنزانة . وفى لحظات مضت كالبرق ، فريدة في نوعها، وحيدة في مشاعرها . تعانقنا والدمع يخط مجراه على الوجوه والقلب ينبض بسرعة والنفس يتردد، وكأنه يسابق الزمن وفى وسط لحظات خالدة من المشاعر وخلجات النفوس . وجدت نفسى وحيدة في حجرة المأمور الذي أتم إجراءات
الخروج وانفطرت نفسي وتمزق قلبي والدمع ينهمر، وأنا أخطو الخطوة الأولى إلى بيتي .