عقب رجوعي من سماع الأحكام طلبت من حمزة البسيوني أن يرسل لزوجي لأنني أريد مقابلته ، ولما لم يحضر كررت طلبي، فطلبوني في المكتب وسألوني عن سبب إلحاحي فقلت : لقد حكم على بالسجن 25 سنة وأنا أريد أن أبلغه أنني أعفيه من التمسك برباط الزوجية ليكون حرا بعد ذلك في تصرفه .
أجاب حمزة في غلظة : سيعملها جمال عبد الناصر، ما أعدمكيشي . لكن حا يموتك بالتدريج ! . . .
قلت : الله الفعال ، وعبد الناصر وأنتم والدنيا كلها مجتمعة لا تستطيع أن تسقط ورقة من شجرة إلا بإذن الله .
قال : نحن سنأتي لك قريبا بورقة الطلاق . خرجت وأنا أقول : أنتم وحوش .
وعدت إلى الزنزانة ، ومرت أيام قاسية ، وفى يوم كنت أصلى الفجر وأتلو القرآن فأخذتني سنة من النوم ، فرأيت فيما يرى النائم صورة زوجي في صفحة الوفيات وأنا أقرأ نعيه ، انتبهت وأنا أردد : اللهم لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه !
ووجدت حميدة تردد نفس الدعاء، دهشت لكنى كتمت عنها ما رأيت ، وتكررت الرؤيا .
ووصلتنا الجرائد صباح يوم جمعة فأخذت أتصفحها، وإذا بي أجد نعى زوجي . قلت : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد! رسول الله ، إنا لله وإنا إليه راجعون . في الجنة إن شاء الله يا حاج محمد! .
توفى زوجي . . ولقي ربه ، يحمل بين يديه سجلاً حافلاً بفجور الطغاة، يعرضه عليه سبحانه ، الحي القيوم ، الديان ، مالك السماوات والأرض . لقد حمله الطغاة، وهو على فراش المرض ومصابا بالذبحة الصدرية، إلى السجن ، وقد ساوموه على حريته نظير أن يدلي بأقوال معينة ضدي . . أنا زوجته ! ! فلما رفض نقلوه إلى سجن انفرادي، فيا للعار! ! لقد آثر أن يلقى سالم محمد سالم فوق إسفلت الزنزانة، وأن يظل كذلك حتى تهددت حياته بالخطر، وطلب طبيب السجن الحربي "دكتور ماجد" ضرورة الإفراج عنه لخطورة الحالة .
وقد شاء الله له أن يفرج عنه ، وأن يعيش ، حتى يسمع الأحكام التي تصم العهد بالوحشية والظلم والبربرية . . فعاوده المرض ولقي ربه ، يشكو إليه في أعلى سماواته ظلم الطغاة وفجورهم على أرضه .
ومرت أيام وجاءت الأسرة لزيارتي، ومنها علمت أن جمال عبد الناصر وجنده خيروا الرجل الطيب الإنسان الفاضل زوجي المرحوم الحاج محمد سالم سالم بين أمرين لا ثالث لهما: إما أن يطلق زينب الغزالي الجبيلي أو أن ينقل إلى السجن الحربي، وطلب منهم مهلة أسبوعين يفكر . فأصروا على الاختيار فورا، وكان معهم المدعو أبو الوفا دنقل يهدد الحاج محمد بتنفيذ أمر عبد الناصر، بل إن الفجور بلغ برجال المباحث أنهم أحضروا المأذون معهم ليجري الطلاق .
وقع زوجي على ما كتبوا له وهو يقول : اللهم اشهد إنني لم أطلق زوجتي زينب الغزالي الجبيلي .
كما قال لهم : أنا سأموت ، اتركوني أموت بكرامتي، أنا سأموت وهى على عصمتي، حصل ذلك ولأن زوجي مريض ، أصيب بعد سماع الأحكام بشلل نصفي، وكان من قبل مصابا بذبحة نتيجة استيلاء عبد الناصر على شركاته وأمواله وأرضه وبيته . . فحسبنا الله ونعم الوكيل .
ولم يطل به الأمر، فقد توفى رحمه الله بعد توقيعه على الطلاق . وسمعت الأسرة وقالت شقيقتي : إنها لما سمعت بما حدث غضبت ورفعت صورة للحاج كانت في حجرة الصالون .
وغضبت منها وطلبت أن تعاد الصورة . فزوجي كان أخي في الله قبل أن يكون زوجي، وبيتي سيبقى بيته مادمت على قيد الحياة. لقد جمعت بيننا العقيدة قبل أن يجمع الزواج ، والزواج عرض من أعراض الحياة ، ولكن الأخوة في الله باقية خالدة لا تزول ولا تقاس بها الدنيا وما فيها، وعرفت أيضا من الأسرة أنها قد حضرت منذ اللحظة الأولى للوفاة واشتركت في تشييع الجنازة والعزاء قامت بما عليها من واجب وأحسست بشيء من الراحة لذلك .
وحين خلوت إلى نفسي تذكرت رؤيا من الله على بها إذ رأيت حضرة الرسول عليه الصلاة والسلام ، وأرخت لها بين سطور المصحف الذي كنت أقرأ فيه ، وعدت إلى التاريخ فوجدته مطابقا لتاريخ حادث الطلاق .
نعم رأيِت حضِرة النبي عليه الصلاة والسلام يمشى بملابس بيِضاء وخلفه مباشرة حسن الهضيبي بملابس بيضاء وعلى رأسه طاقية . وأنا أقف ومعي السيدة عائشة ومعها عدد من النساء، وقع في نفسي أنهن وصيفاتها، وكانت السيدة توصيني بكلمات ، فلما أصبح الرسول عليه السلام في محاذاتنا نادى عائشة، وقال لها : صبرا يا عائشة، صبرا يا عائشة، صبرا يا عائشة، وكانت حقا عائشة رضى الله عنها تشد يدي كل مرة وتوصيني بالصبر! .
قمت وحكيت الرؤيا لحميدة ، وأخذت أسال الله أن يرزقني الرضا والاحتمال ، وتيقنت أن اختبارا جديدا في طريقه إلى ، فأخذت أضرع إلى الله أن يمنحني عونه وصبره وثباتا منه سبحانه وتعالى، إنه مجيب الدعوات .
وانضم إلينا جيران جدد وفى ليلة من ليالي الشتاء الباردة سمعنا ضجة وجلبة في الزنزانة المقابلة. وفتحت زنزانتنا ودخل صلاح التمرجي وطلب منا دواء ضد القيء كان قد أدخله لنا في الصباح ، وأعطيناه الدواء .
وعلمنا منه في اليوم التالي أن المسجون في الزنزانة المقابلة رئيس وزراء اليمن ومعه عشرون آخرون من رجال الحكم هناك ، وأن الشيخ الإريانى في الزنزانة المجاورة، لم ندهش لذلك ، فليس ثمة شيء يدهش ، وكما يقال من يعش رجبا يرى عجبا!!
هل حرر عبد الناصر اليمن بما فعل كما قالت أبواق دعايته ؟
هل سمعتم أن إنجلترا عندما استعمرت مصر، أخذت عشرات من رجالها إلى سجون لندن ؟ هل حملت بوارج بونابرت إلى سجون باريس رجال مصر بعد حملتها عليها؟