نَشöطت حركةُ الاستشراق في القرن الرابع عشر الهجري وبخاصة بعد سقوط الخلافة نشاطاً ملحوظاً... وتتلخصُ حركةُ الاستشراق هذه بأنها إحدى المحاولاتö والأساليبö التي اعتمدها الغربُ عَبْر العديد من مؤسساته وعلمائه للدس على الإسلام وإلقاء الكثير من المفتريات والأباطيل في محيط الإسلام وأفكاره ومصادره وتاريخه تحت مöظلةö البحث العلمي...ومن الأمثلة التي يمكن أن تُساق على المكر والدس الاستشراقي ما كتبه (جولد تسيهر) في كتابه (العقيدة والشريعة في الإسلام) حيث يقول: (فتبشير النبيö العربي ليس إلا مزيجا مُنتخباً من معارفَ وآراءٍ دينية عرفها واستقاها بسبب اتصاله بالعناصر اليهودية والمسيحية وغيرها, التي تأثَرَ بها تأثُّراً عميقا, والتي رآها جديرة بأن توقظ عاطفةً دينيةً حقيقيةً عند بني قومه) ولقد تسابقت الدول الأجنبية على تشجيع الظاهرة القومية في العالم الإسلامي لتكون بديلاً عن الإسلام..
ففي عام 1913م عقد مؤتمر سمي (المؤتمر العربي الأول) في باريس, شجعته السلطة الفرنسية وفتحت له القاعة الكبرى للجمعية الجغرافية ليعقد فيها جلساته(1) ... وفي هذا المؤتمر طرحت ولأول مرة طروحات مناقضة للدين حيث تجرأ رئيس المؤتمر (عبد الحميد الزهراوي) فقال (إن الرابطة الدينية قد عجزت دائماً عن إيجاد الوحدة السياسية. وأنا لا أرجع إلى التاريخ لأبرهن هذا, بل حسبي ما لدينا من الشواهد الحاضرة. أنظر إلى الحكومتين (العثمانية والفارسية) كيف لم تقدر رابطتها الدينية على إزالة اختلاف بسيط بينهما وهو الاختلاف المتعلق بالحدود...) وهكذا بدأت الفكرة القومية ترتدي الطابع العقيدي الاستعلائي العنصري, على نحو ما آلت إليه القوميات الأوروبية بل أشد وأعتى.. جاء على لسان (علي ناصر الدين) أحد رواد القومية العربية قوله (القومية بالنسبة إلينا نحن القوميين العرب دين له جنته وناره ولكن في الدنيا).
وقال عمر فاخوري (لا ينهض العرب حتى تصبح القومية العربية أو المبدأ العربي دينا يغارون عليه كما يغار المسلمون على القرآن الكريم والمسيحيون على الإنجيل الرحيم) من محاضرة للأستاذ محمد المبارك عام 1389هِ صفحة 85 أقيمت في رابطة العالم الإسلامي. فمن حملات الحركة الاستشراقية على القرآن الكريم زعمُها أنه من خيالö محمد وأنْ لا علاقة له بالوحي... ومن الحملات الاستشراقية على شخصية الرسول ( تجرؤهم عليه بالطعن حتى في عöرضه... ومن الحملات الاستشراقية على السُّنة, ترويجُ الزعم بتصادمها مع العقل والعلم, وبالتشكيك في علومها ومصادرها... ومن الحملات الاستشراقية على التاريخ الإسلامي, تزيفُهم لكثير من الحقائق, ورميُهم لكثير من الشخصيات الإسلامية فيه بالبهتان والكذب.
ومن الحملات الاستشراقية على الإسلام طعنُهم باللغة العربية وبعدم إمكاناتها التعبيرية, وبالدعوة إلى إحلال العامية بدل الفصحى, ليقطعوا الأجيالَ مع الزمن عن التراث الإسلامي الأصيل...
(وسرت روحُ الهزيمة في طائفة عريضة ممن تثقفوا بقشور الثقافة الإسلامية أمامَ الهجمات الاستشراقية, مما ولدَ عندهم الشعورَ بالمذلة في الانتماء الى الفكر الإسلامي أو التربية الإسلامية أو الأعراف والمفاهيم الإسلامية, وولد حبَّ التخلص من هذا الانتماء بأي وسيلة... ولا زال المستشرقون بما أشربت قلوبهُم بغضَ القرآن الكريم وبغضَ الرسول ( لا زالوا هم سفراءَ النصرانية العالمية في جامعاتنا ومعاهدنا اليوم, وهم المستشارون الثقافيون لسفارات كثير من الدول الإسلامية يرصدونَ ما يَجري على الساحة الإسلامية للتبليغ وإتخاذ اللازم(1) ).