ومع تنامي الحركة الاستشراقية وامتدادها وغزوها للعالم الإسلامي ورجاله ومؤسساته ومعاهده أخذت ظواهر الانحراف والتشوه في الفكر الإسلامي المعاصر تبرز واضحة للعيان... ففي عام 1925م أصدر (الشيخ علي عبد الرازق) وكان قاضياً بمحكمة المنصورة الشرعية الابتدائية كتابه المملوء بالسموم الاستشراقية (الإسلام ونظام الحكم) وجاء في كتاب (الإسلام وسلطة الأمة) قوله: (إن هذه المسألة – أي الخلافة – دنيوية وسياسية أكثر من كونها مسألة دينية. وإنها من مصلحة الأمة نفسها مباشرة, ولم يرد بيان صريح في القرآن الكريم ولا في الأحاديث النبوية في كيفية نصب الخليفة وتعيينه وشروط الخلافة ما هي...)(2)
ويتابع قوله مستغربا: (إنه لعجب عجيب أن تأخذ بيدك كتاب الله الكريم, وتراجع النظر فيما بين فاتحته وسورة الناس, فترى فيه تصريف كل مثل, وتفصيل كل شيء من أمر هذا الدين (ما فرطنا في الكتاب من شيء) ثم لا تجد فيه ذكرا لتلك الإمامة العامة أو الخلافة إن في ذلك لمجالاً للمقال؟ ليس القرآن وحده أهمل تلك الخلافة, ولم يتصد لها, بل السنة كالقرآن أيضاً قد تركتها ولم تتعرض لها .)(3).
(ثم يقول عبد الرازق – أحد أول المتأثرين بالفكر الإستشراقي في صفحة 33 ما يلي). (فكيف وقد قالت الخوارج لا يجب نصب الإمام أصلاً, وكذلك قال الأصم من المعتزلة, وقال غيرهم كما سبقت الإشارة إليه. وحسبنا في هذا المقام نقضا لدعوى الإجماع أن يثبت عندنا خلاف الأصم والخوارج وغيرهم, وإن قال ابن خلدون أنهم شواذ..).
وقد قابلت الدوائر الاستعمارية والمراكز التبشيرية النصرانية كتاب (الشيخ علي عبد الرازق) بالترحيب والتصفيق لأنها في الحقيقة تخدم أهداف الاستعمار وأعداء الإسلام في تشويه الإسلام من جانب وفي السيطرة على الشعوب الإسلامية وإذلالها إلى الأبد.
وقد كشف المؤلف عن اتجاهه المنحرف هذا بنفسه في حديث مع مراسل صحيفة (البورص أجيبشيان) حيث سأله المراسل:
- هل يمكن أن نعتبرك زعيما لمدرسة؟
- قال: لست أعرف ماذا تعني بزعيم مدرسة. فإن كنت تريد بهذا أن لي أنصارا, يسرني أن أصرح لك أن الكثيرين يرون رأيي, لا في مصر وحدها, بل في العالم الإسلامي بأسره. وقد وصلتني رسائل تأييد من جميع أقطار العالم التي نفذ إليها الإسلام)(1)
* وكان من هؤلاء كذلك (منصور فهمي) الذي قال في رسالة الدكتوراه وكان موضوعها (حالة المرأة في التقاليد الإسلامية وتطوراتها) صفحة 15 (محمد يشرع لجميع الناس ويستثني نفسه.. ومع أنه كان المشرع الذي ينبغي أن يخضع لما يدعو إلى تطبيقه على الآخرين, إلا أنه كان له ضعفه واختص نفسه ببعض المزايا..) ويقول في صفحة 16 (وهكذا نجد انه بعد أن ينام نوما عميقاً, يقوم ليؤدي صلواته دون أن يجدد طهوره ووضوءه على حين أن المؤمنين الآخرين, كان عليهم الشروع في وضوء وطهور جديد. ومن أجل أن يبرر الاستثناء الذي عمل لصالحه, اكتفى بأن قال: إن عيني تنام ولا ينام قلبي أبدا...)(2).
* وكان من هؤلاء كذلك (طه حسين) حيث تكلم في كتلبه (في الشعر الجاهلي) كلاما يهز الثقة بالقرآن وبكثير من الشؤون والأصول الإسلامية الأخرى(3).
* وكان من هؤلاء كذلك (أمين الخولي) الذي كان معجبا بطه حسين وبالفكر الاستشراقي عموماً. وقد بقي أمره مستورا سنوات طوالا حيث كان يلقن طلابه أنواع الكفر والضلال إلى أن انكشف عام 1947.(1)