انعقدت هيئة كبار العلماء برياسة المرحوم محمد أبي الفضل الجيزاوي, شيخ الجامع الأزهر في ذلك الوقت, صباح الأربعاء 22 المحرم سنة 1344هِ (12 أغسطس سنة 1925) وكان عدد أعضائها أربعة وعشرين عالما. ولما مثل علي عبد الرازق أمام الهيئة حياها بقوله " السلام عليكم" فلم يرد عليه أحد. وبعد مناقشة طويلة, أصدرت الهيئة حكمها بإدانة المتهم, وإخراجه من زمرة العلماء...
ويترتب على الحكم المذكور : محو اسم المحكوم عليه من سجلات الجامع الأزهر والمعاهد الأخرى, وطرده من كل وظيفة, وقطع مرتباته في أي جهة كانت وعدم أهليته للقيام بأية وظيفة عمومية, دينية كانت أو غير دينية...
أما حيثيات الحكم, فنوجزها فيما يلي:
1- أن الشيخ عليا جعل الشريعة الاسلامية, شريعة روحية محضة لا علاقة لها بالحكم والتنفيذ في أمور الدنيا..
وقد ردت الهيئة على هذا الزعم الباطل بأن الدين الاسلامي هو إجماع المسلمين على ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم , من عقائد وعبادات, ومعاملات لإصلاح أمور الدنيا والآخرة, وأن كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم , كلاهما مشتمل على أحكام كثيرة في أمور الدنيا, وأحكام كثيرة في أمور الآخرة...
وقالت الهيئة : وواضح من كلامه – المؤلف – أن الشريعة الاسلامية عنده شريعة روحية محضة, جاءت لتنظيم العلاقات بين الانسان وربه فقط, وأن ما بين الناس من المعاملات الدنيوية وتدبير الشؤون العامة فلا شأن للشريعة به, وليس من مقاصدها...
وهل في استطاعة الشيخ أن يشطر الدين الاسلامي شطرين, ويلغي منه شطر الأحكام المتعلقة بأمور الدنيا, ويضرب بآيات الكتاب العزيز, وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض الحائط...
2- ومن حيث أنه زعم أن الدين لا يمنع أن جهاد النبي صلى الله عليه وسلم كان في سبيل الملك, لا في سبيل الدين, ولا لإبلاغ الدعوة إلى العالمين...
فقد قال : (... وظاهر أول وهلة أن الجهاد لا يكون لمجرد الدعوة إلى الدين, ولا لحمل الناس على الايمان بالله ورسوله...)
ثم قال : (... وإذا كان صلى الله عليه وسلم قد لجأ إلى القوة والرهبة, فذلك لا يكون في سبيل الدعوة إلى الدين وإبلاغ رسالته إلى العالمين, وما يكون لنا أن نفهم إلا أنه كان في سبيل الملك..)
على أنه لا يقف عند هذا الحد, بل كما جوز أن يكون الجهاد في سبيل الملك, ومن الشئون الملكية, جوز أن تكون الزكاة والجزية والغنائم, ونحو ذلك في سبيل الملك أيضاً, وجعل كل ذلك على هذا خارجاً عن حدود رسالة النبي صلى الله عليه وسلم , لم ينزل به وحي ولم يأمر به الله تعالى...
والشيخ على لا يمنع أن يصادم صريح آيات الكتاب العزيز. فضلا عن صريح الأحاديث المعروفة, ولا يمنع أن ينكر معلوماً من الدين بالضرورة...
وذكرت الهيئة الآيات الواردة في الجهاد في سبيل الله, والآيات الخاصة بالزكاة, وتنظيم الصدقات, وتقسيم الغنائم, وهي كثيرة...
3- ومن حيث أنه زعم أن نظام الحكم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان موضع غموض, أو إبهام, أو اضطراب, أو نقص, وموجباً للحيرة..
وقد رضي لنفسه بعد ذلك مذهباً, هو قوله : (إنما كانت ولاية محمد صلى الله عليه وسلم على المؤمنين ولاية رسالة غير مشوبة بشيء من الحكم). وهذه هي الطريقة الخطيرة التي خرج إليها, وهي أنه جرد النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم...
وما زعمه الشيخ علي مصادم لصريح القرآن الكريم. فقد قال الله تعالى : ( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله( ثم أوردت الهيئة آيات كثيرة تتضمن معنى الآية السابقة, وتنحو نحوها...
4- ومن حيث أنه زعم أن مهمة النبي صلى الله عليه وسلم كانت بلاغا للشريعة مجرداً عن الحكم والتنفيذ, ولو صح هذا لكان رفضاً لجميع آيات الأحكام الكثيرة الواردة في القرآن الكريم... ومخالفاً أيضاً لصريح السنة, ثم أوردت الهيئة كثيراً من الأحادث التي تهدم مزاعم المؤلف, وختمت ذلك بقولها : (فهل يجوز أن يقال بعد ذلك في محمد صلى الله عليه وسلم , أن عمله السماوي لم يتجاوز حدود البلاغ المجرد من كل معاني السلطان وأنه لم يكلف أن يأخذ الناس بما جاءهم به, ولا أن يحملهم عليه)...
5- ومن حيث أنه أنكر إجماع الصحابة على وجوب نصب الإمام, وعلى أنه لا بد للأمة ممن يقوم بأمرها في الدين والدنيا. وقال إنه يقف في ذلك في صف جماعة غير قليلة من أهل القبلة, يعني بعض الخوارج والأصم, وهو دفاع لا يبرئه من أنه خرج على الإجماع المتواتر عند المسلمين. وحسبه في بدعته أنه في صف الخوارج, لا في صف جماهير المسلمين...
6- ومن حيث أنه أنكر أن القضاء وظيفة شرعية, قال إن الذين ذهبوا أن القضاء وظيفة شرعية, جعلوه متفرغاً عن الخلافة, فمن أنكر الخلافة أنكر القضاء..
وكلامه غير صحيح, فالقضاء ثابت بالدين على كل تقدير, تمسكاً بالأدلة الشرعية التي لا يستطاع نقضها...
7- ومن حيث أنه زعم أن حكومة أبي بكر, والخلفاء الراشدين من بعده, رضي الله عنهم, كانت لا دينية, وهذه جرأة لا دينية ودفاع الشيخ علي بأن الذي يقصده من أن زعامة أبي بكر لا دينية, أنها لا تستند إلى وحي, ولا إلى رسالة, مضحك موقع في الأسف, فإن أحداً لا يتوهم أن أبا بكر رضي الله عنه, كان نبياً يوحى إليه, حتى يعنى الشيخ علي بدفع هذا التوهم..
ولقد بايع أبا بكر رضي الله عنه, جماهير الصحابة من أنصار ومهاجرين, على أنه القائم بأمر الدين في هذه الأمة بعد نبيها محمد صلى الله عليه وسلم..
وإن ما وصم به الشيخ علي أبا بكر رضي الله عنه, من أن حكومته لا دينية, لم يقدم على مثله أحد من المسلمين.. فالله حسبه, ولكن الذي يطعن في مقام النبوة, يسهل عليه كثيراً ان يطعن في مقام أبي بكر وإخوانه الخلفاء الراشدين, رضي الله عنهم أجمعين.
هذه خلاصة الحيثيات التي بنت عليها هيئة كبار العلماء حكمها السالف الذكر, ولما كان الحكم قد صدر في شهر أغسطس, أي في وقت الصيف حيث كانت دار المندوب السامي خالية من كبار رجالها, لم يستطع هؤلاء أن يعملوا شيئاً لإنقاذ الشيخ علي وبخاصة بعد صدور حكم هيئة كبار العلماء, وثورة الرأي العام ضد المؤلف فتخلوا عنه كما هي عادتهم في مثل هذه الظروف, وبذلك فصل من وظيفته, وقد كشفت صحيفة (ليفربول بوست) البريطانية عن هذه القبائح والمنكرات التي دبرها الاستعمار الريطاني, واتخذ علي عبد الرازق وسيلة لتنفيذها, تعاونه طغمة من حزب الأحرار الدستوريين, نشرت الصحيفة المذكورة في 13 أغسطس سنة 1925 مقالا جاء فيه (... ولما عجز الأزهر عن حمل الحكومة على محاكمة الشيخ عبد الرازق, أصدر قرارا بفصله من زمرة العلماء(1) ...