والله يجزي كلأ بنيته ، وجزءا الإحسان عنده، الإحسان ، والرزق ، والتيسير ، وراحة البال، وسكينة النفس ، وما بذل أحد بذلا إلا عوضه الله تعالى في الدنيا قبل الآخرة، ولقد رأينا دعاة نكلفهم ، ونطلب منهم التفرغ للغة ، أو القناعة بوظيفة دون أخرى أقرب لساحة العمل، أو يصبرون أنفسهم ، وهم من تلقاء أنفسهم- على ثغرة يربطون عليها، فيعلم الله منهم التجرد، فيعوضهم خيرا مما لو كانوا استجابوا للحساب الدنيوي الظاهر.
منهم دالية نال الدكتورة في الهندسة في جامعة أمريكية راقية، وأمامه منفذ لتدريس جامعي في الخليج براتب ضخم، فيرشح للتفرغ لنشر الدعوة فيهم ، فيلبي ، فيعوضه الله بوظيفة في ساحة عمله لا تشغله غير يومين ، ويضعف ما رضي به أولاً.
وآخر تحجز له وظيفة في المنامة، وهو من حملة الماجستير، ويشجعه أصحاب له، وينتظرونه ، فنقول له: المنامة تنيم القلوب. وبيشاور توقظها. وهي تهبط بالهمم ، وبيشاور تعليها ، فيزيد إلى خطوته خطوة أخرى فقط، فإذا هو بأجواء الجهاد يسرح ، ويقرب المجاهدين يمرح، وراتبه النقي ليس أقل من الراتب المكدر.
ومتجردان على حدود خراسان، يبيعان الأمشاط على منضدة في مدخل سوق ، ليس غير فيكون رزق كل منهما ثلاثة أمثال راتب الموظف الجامعي هنا: ، فمن الله نعمه ، وممن خلفهم دعاء ، ومن الرافعي تحليل لمثل حالهم، حيث اكتشف.
إن الأشياء الكثيرة لا تكثر في النفس المطمئنة. وبذلك تعيش النفس هادئة مستريحة كأن ليس في الدنيا إلا أشياؤها الميسرة، أما النفوس المضطربة بأطماعها وشهواتها فهي التي تبتلى بهموم الكثرة الخيالية. ومثلها في الهم مثل طفيلي مغفل، يحزن لأنه لا يأكل في بطنين)(1) .
إن هذه القصص تنهض برهانا وافيا على خطا ما يعتقده البعض من أن أرضا ما هي مكان المال والشرف من دون أرض الله الواسعة، ولم يفطن هؤلاء إلى تبدل المعادلة ، لهبوط أسعار النفط، أو البورصات، أو الاحتيال على البنوك ،كما لم يعلموا خير تب من يسكن أرض الأموال ، وأنها معسكر عمل ضخم فحسب يستهلك العواطف ، ويمتص رطوبة القلوب حتى يتركها أليافا ذابلة ، حتى ليكاد المرء يذهل عن أصله ، وينسى الحنين إلى فصله..
ثم هي برهان على وهم من يظن الغرب بديلا، حيث جيرانك النصارى ، وحيث لا تلتذ الأذن بأذان، ولا يتقن أولادك العربية ، وتخاف عليهم الانحراف.
أما أن بعض الدعاة سكن الغرب أو أرض الأموال فتلك توزيعات المقدر لا تمنعها ، إنما تعيب الحرص على سكانهما، والاستقتال في ذلك وجعلهما منتهى الأماني ، فوق أن من سكنهما بين مرتبط بعلاقات إسلامية نافعة ليس من مصلحة الدعوة إنفكاكه عنها، أو تشابكت حياته بقضايا قانونية واجتماعية ليس من السهل الإنسلال منها ، ثم هي مصدر تمويل خيري ، ومن التكلف المصطنع أن تفتعل نقل داعية مسترسل في حياته ووظيفته ورزقه بحجة قسوة المحيط ، ولكن نصيحة غير المتورط بعد: أمر آخر.
وما نظن نصيحتنا هذه بدعة ، بل الوقاية من آثار المال النفسية هي سبيل قديم للمؤمنين ، وسنة من سننهم نحاول أن تحببها وكان الحسن البصري، رحمه الله ، يقسم ويقول:
( والله لقد أدركت أقواما لو شاء أحدهم أن يأخذ هذا المال من حله: أخذه فيقال لهم : إلا تأتون نصيبكم من هذا المال فتأخذونه حلالاً ؟ فيقولون لا ، إنا نخشى أن يكون أخذه فساداً لقلوبنا) (2).
وجعل ابن الجوزي ذلك رأس القواعد الإيمانية ، فقال:
القناعة بما يكفي ، وترك التشوف إلى الفضول : أصل الأصول).
ثم قال:
( والعز ألذ من كل لذه ، والخروج عن ريقه المنن ولو يسف التراب أفضل) (3) .