ومن الدعاة قوم يختارون ا لخطأ اختيارا ، ولا يجفلون منه إذا وهمهم ، ولا ينفضون أذيال أثوابهم ليبرأوا من العوالق.
* لا يليق لداعية لم يجرب التجارة من قبل بخالص ماله أن يغري الآخرين بالصفق بأموالهم ، فإنها تحتاج الخبرة واليقظة ، وإذا كتب الله الخسارة فسيكون أول ضحية وتخسره الدعوة وأن يقي شبحه معها، بما يكون من التلاوم وتكدر النف وأفكار الوساوس.
* وأعقد عقد الحياة: الزواج، لما فيه من رابطة دائمة تجعل الصبر عن عدم الرضا مشحونا بمضض، أو ما فيه من احتمال الطلاب وسوء السمعة التي تعقبه واللفظ والتجني على أحد الطفين، ولذلك يجب على كل منا أن لا يستسهل أمر التزويج والتوسط فيه ، ولا المبالغة في الحماسة للجمع بين اثنين وإنما يكون هذا الأمر وفق دارسة متأنية وتشاور سري لا ضجيج ، فيحرص على التكافؤ العائلي والثقافي والبيئي، ويسأل عن الطباع والعادات، وليست الصلاة وحدها والعفاف والحجاب دلائل الصلاح والتوافق ، ولرب بخيل يقلب حياة كريمة إلى جحيم، أو فوضوي ربيب بيئة عامية يحيل أيام معتدة على ذوقيات رفيعة إلى حرج متواصل ، أو لجوج تستفزه الصغائر يتكد على حرة ساعاتها ، وما ثم إلا مؤمن.
* ومتحمس لخدمة إخوانه، يزكيهم مهنيا لدى التجار وأصحاب الأعمال من المصلين ، ويرشحهم لأعمال تقتضي الإتقان والإجادة، وهو أول من يعلم ضعف خبرتهم واحتمال تضييعهم لمصالح من سيأتمنهم على مصنعه أو مقاولاته.
ومن له تفريض في أمر أولاده ، فلا يربيهم على النظافة والهدوء، وخفض الصوت واحترام الكبير والحياء من الضيف، ولا يعلمهم السلاح على إخوانه وجواب التحية، ولا تستفزه الألفاظ المعيبة التي ترد على لسانهم تقليدا لابن جار أو زميل مدرسة ، حتى لكانهم أولاد رجل عمي وليسو أولاد مؤمن ، وربما يتطيش أياديهم في صحو المائدة أذ هم ضيوف ولا ينهاهم ، أو يخربون الأثاث فيبتسم ويقولك هو حرك ما شاء الله ، ولو أراد التأديب لوقف له ، ولكن تليفت عنده بؤرة الذوقيات، أو عند زوجته التي وكلها إذا هو في مصالح الإسلام والمسلمين منشغل.
وعلى عكسه صاحب جد لا يعرف حال من يريد أن يخرج أبنائه ملتزمين طريق الموازنة، فيخرج إلى إفراط ويشدد على أولاده الصغار في العبادات والاستيقاظ للفجر وقراءة القرآن، وربما جعل الضرب عادة ، ويلزم بالحجاب وما زلن صغيرات ، فيؤسس كراهية الصلاة والحجاب لدى ذريته ، ويكون التمرد عند المراهقة ، ويحسب أنه قد أحسن صنعا.
والله ستار يحب أذن السامع تغري لسان الفاضح ، ويحب من عبادة إن إذا أطلع أحد منهم على سر أخيه وعيبه وهفوته أن يستره ويغطيه، ويتأكد هذا الخلق بين الدعاة لأنهم هم الذين يلقنون المروءة للناس وإلى دارهم أرزت بقية النبل الذي يتوالى إنقراضه في المجتمع. وليعلم الداعية أن الشيطان قد أوهم أخاه فزل، ليس يتعمد ، وتقوم سوايقه الفاضلة شوافع له، فليشفعها ، إذ ليس شوقه لنشر خبر العشرات والتلذة بالإيماء لها في حديثة أقل شذوذا منها عن خلق الكرام ، ولو أن هاتك ، الأسرار حيث ينثرها من جعبته أمامنا يقابل منا بصدود وإعراض عنه لثاب وتاب، ولكن أذن السامع تغري لسان الفاضح أحيانا.
وكل أمري فقيه نفسه، والمفروض أن لا يأذن لطموحه في أن يلغي معرفته ما هم لها أهل استعداد وإن كانوا أذكياء ، ويورطون معهم عيالهم، ويتأخرون ماهم لها أهل استعداد وإن كانوا أذكياء ، ويورطون معهم عيالهم، ويتأخرون عن الأعمال الإسلامية الكبيرة دهرا بسبب ذلك ، ولو أرادوا معرفة الإيجاب والسلب في خطواتهم لا تبغي لهم ذلك قبل الخطو . لكن الفرصة دهمتهم فأنستهم الحساب ، وهيهات الجبر، إذ تشعر النفس عند وجوب التراجع بمعنى الهزيمة ، فتكون المغالبة ، والمعاندة ، وتكون الدائرة المفرغة وتضيع ساعات عمر شبوبيته وطاقات عنفوان عقله بين حتى الظهر على المراجع وانتظار أستاذه المشرف.
ونعم العنوان للداعية التجارة، والرزق عين تتفجر تحت أقدام رجال بلسبيات الوظائف الحكومية، ما لم تكن وظيفة لها أثر تربوي دون التقيد بسلبيات الوظائف الحكومية، ما لم تكن وظيفة لها أثر تربوي أو سياسي أو إصلاحي ، وقد وعى الإمام لك في وقت مبكر، رحمه الله ، ولكن الداعية مدعو إلى الرفق في الإيغال في هذا الدرب، ولا لا ينسى نفسه فيغرق ويتلف أوقاته بين كتبه والتلفون والتلكس وإعلانات الصحف والسوق والبنوك والمعارض التجاربة إلى الدرجة التي تضعف مشاركته الإسلامية واجتماعاته ومطالعاته وعلاقته الاجتماعية ، فإن أصل توجة أن يتخذ من المال وسيلة ، ولطالما ذكر لأصحابه أنه قد نوى هبة بعض أرباحه للدعو’، لكنه يغفل فبلهبه التكاثر، ولو أنه أنصف نفسه لا تعظ بقصص من غفل قبله من جيرانه في السوق قبل أن يتعظ بحروف الزهاد، لكنه يفتأ – رحمه الله يزداد – وماذا عليه لو جعل له وكيلا يذهب ويرتاد ، ولا يكلفه شيئا غير راتب يسير أو نسبة أو سرقة قليلة في أقصى الأحوال يمكن له أن يتحملها وغض النظر عنها طالما أن هذا الوكيل يجمع له بين دينه ودنياه!! وعلى الوكيل وزر السرقة وله أصل رأس المال ، ومعظم الربح والنشاط الإسلامي الفعال ، خوالص صوافي كزلال!!
ووصى – النبي صلى الله عليه وسلم – نفرا من أصحابه أن إذا سقط سوط أحدهم وهو على فرسه أن ينزل ليلتقطة ولا يكلف راجلا بالتقاطه له ، وهي عزيمة لا تبلغها ولا نكلف أنفسنا أو أحدا بمثلها ، ولكن ترخصنا لا ينبغي له أن يتوسع حتى نستعمل حقوق الأخوة في غير محلها ، فنثقل على إخوان لنا من أهل الحمية والنجدة وحب خدمة الكبار والأقران فنجعلهم ضحية مروءتهم وتتلف أوقاتهم بين التسوق لإخوانهم والإشراف على بنيانهم وإنجاز العاملات الحكومية لهم ، إن الإنصاف خير ، ولا هلهم حقوق ولأنفسهم مصالح ، وللدعوة تكاليف ، ومن العدل أن تعطيهم فرصة تنفس، ولعضلاتهم ساعة راحة.
وطريقة فيها بأس أن يتم استنفار عدد من الوسطاء للسعي في الشفاعة في قضية ما حرصاً على زخم التأثير من دون أن يقال لكم منهم أن غيره قد كلف بذلك أيضاً، ويأبي الزوق ذلك، وقد يتوافد الوسطاء على صاحب القرار في ساعة واحدة فيتكلمون بكلام واحد من دون أن يشعروا فيتولد إحباط وإرباك ، وليس لملهوف أن يحرج أصحابه وأشراف الناس في سبيل مصلحته.
وهمام يتصل برجال رؤساء وأعيان من وزراء ، ومدراء وتجار ، ثم يرى من خلال صحبتهم استفادة الناس منهم ومن كرمهم ، فيغفل لحظة عن معني العزيمة، فيطلب مثل الذي يطلب الناس ، فيصغر في أعينهم بعد إذا كان كبيرا ، وتنهار صلته وإن بي شبحها ورسمها.
وقضايا الإسلام أوفر جدا وأثقل هموما من أن تدع عصبة من الدعاة تطيل الضحك ، وتستجيز المزاح وتتخذ لها من صاحب خير فيها محور تندر وتروي قصصه وغرائبه ، والابتسامة علامة المؤمن ولسنا ننكرها، والنكتة في ساعتها سائغه ، والأربحية أصل في سلوكنا ، والألفة ، والبشاشة ، ليس العبوسة ، والقهقهة الأولى لك ، والثانية نهبها لك ايضأ، فإن كرماء، ولكن الثالثة عليك ، وتشفع حسناتك لها عندنا ، وأما الرابعة فيلزمها حد لا شفاعة فيه ، وشعار: الضحك للضحك، باطل ، والهزل الهزيل مرفوض في أوساط العمل الإسلامي ، وإنما الداعية مفوض بالجد والتجديد.
ووقاف عند صغائر إخوائه، يدقق فيها ، ويحصي ويعاتب ويستشهد ، حتى يضجر المعامل له، وكأنه شرطي ، إذ الأمر أهون ويجري مجرى المروءة والتجاوز ومراعاة الحقائق البشرية وإطراح المقاييس الملائكية .
* وشجاع على النقيض من هذا، إسناد في المرءة ، وقد ذابت نفسه في معاني الأخوة ، ويكاد يتلف بدنه في خدمه إخوانه، حتى ليركب المخاطر في ذلك ، ويرحل بعيدا لتحقيق مصالحهم، وله لذه مع كل خطوة في سبيل الله، لكنه فوضوي في ذلك لا ينضبط، ولا ينصت لإشارة أمير أو خبير ، ولا يعرف الأولويات ، ولا مقادير استحقاق أهل الحاجات ، ولا الكتمان، ولا الآثار التربوية لطريقة سعيه ، وقد يفسد أخاه بتعويده الإتكالية إذ هو يريد له الإحسان.