فيا ترى : نحصل على هذا النموذج الكامل الفريد ؟
هي يسع الداعية بعد حصاره بدوائر الحلال والحرام ، والمكروهات والمندوبات ، والفكر والأخلاق، والانضباط والالتزام ، أن يكون على تسعين صفة أخرى من المروة يفعلها ، وتاركا لألف صفة من خوارمها ، تعففا وسموا إذ الناس ، أكثر الناس لها يفعلون ؟
قد يستصعب البعض ذلك ، وتأخذهم رافة بالدعاة ، واشقاق ورحمه ، لما في المثالية من عناء ورهق، ولكننا نظل نصر على هذا النمط من التحليق العالي، وهي صفات وأنماط لا بد أن تظهر فينا ، ولا بد أن نحييها.
ويستعين الداعية بعد التوكل على الله بوسائل ثلاث لترويض نفسه:
* بالمطالعة في كتب الأخلاق الإيمانية والطرق الإحسانية ، مثل: مدارج السالكين : وتهذيب إحياء علوم الدين ، إذ أن الكثير من هذه الأذواق تشهد لها السنة وسيرة الأجيال الراشدة المهدية الأولى.
* وبالمطالعة الأدبية والنظر في دواوين الشعر، فإن أكثر الشعراء لهم أحاسس رقيقه مكنتهم من اكتشاف الأذواق الرفيعة .
* بالمخالطة الاجتماعية لاهل الفضل وأبناء العوائل الأصلية والعلماء والكتاب وأبطال الحروب وقدما المعلمين ، والخروج من مجتمع الدعاة إلى المجتمع الواسع، فإن في أشراف الناس بقية خير وأفر وإن قصروا عن إدراك معنى الدعوة ووجوب الإنضمام إلى رهط الدعاة.
ولكن مع كل ذلك، ومع إمكان هذه الإقتباسات الخيرية ، فإن الدعوة تبقى ذات ميزة فريدة ، إذا أنها تأبى أن يذوب في معانيها كل الذوبان وأتمه من لفظ ينخرط في سلوكها أو شبابها فتطبعه بطابعها الخاص الذي لا يمكن أن يحوز مثله من يأتيها بعد تجاوز سن الشباب الأول، من التواضع والبساطة والسماحة ، وكمال العفاف وعمق التأخي، ووفرة البذل ، والمبالغة في صدق اللهجة، وتبقى في المتأخر بقية مهما حاول ومهما بلغ في العلم، وهذه الظاهرة يصعب وصفها والتدليل عليها ، وإنما تحس بالمعاملة والتجريب ، ومن ذاق : عرف.