(4) أن يتحرى المربى المضطر لعملية الجرح قمة التجرد في ذلك ، وأن يستشعر الحد الكافي لخدمة الإسلام ، دون بواعث الغيبة الأخرى كالتشفي من الغير، أو محاولة التنقيص منهم برفع النفس، أو محاولة استدرار موافقة الأفران، أو أن يمتزج التضعيف بدواعى الغير والحسد، أو أن يكون التضعيف لمجرد الهزل واللعب دون فائدة مرجوه، كما قد تكون الغيبة للتلذذ أو بسبب من سوء الظن، أو نتيجة النقائص ، وهو فخور بذلك خصوصاً عندما يرى صدفها وانطباقها ، فإذا ما ظهرت صحة بعض النتائج والأمور – وهو أمر طبيعي ، لان العيوب لا تخفى – فيحسب ذلك كفاءة خاصة ، فيسرف في الأمر – والواقع أن التضعيف امر سهل حيث المساوئ ظاهرة، والكفاءة ليست في تبيان الضعف فقط ، لأن كل إنسان لا يخلو عن عيب ، وتتبعها أمر سهل ، ولكن الأصل اكتشاف المحاسن مع العيوب ، ومعرفة العيوب المانعة من الولايات الخاصة ، أو السلبيات غير المانعة من عمل ما ، ومثل هذا الأمر المتكامل هو الذي يحتاج إلى تقويم الثقات من الدعاة ، والأمر مشابة لمسائل الفتوى ، فالتشديد يحسنه كل إنسان ، حيث يستطيع تحريم كل أمر بجهله ، أو يختار الأحوط، أو يصعب على الناس ويخرج من الحرج، ولكن الصعوبة في معرفة الأحكام، وتبيان الرخص دون الخروج على مقاصد الشرع ومقتضيات التكليف ، فهذا هو الفقه ، ولذلك قيل:
( إنما العلم : الرخص عن الثقات ، أما التشديد فكل إنسان يحسنه ).
والسبب في ذلك كما أوضحه الأمير أسامة بن منقذ أن العدل منفرد ، والجور يتخذ صوراً متعددة ، كإصابة الهدف أو الخطأ فيه .
( العدل في الشيء صورة واحدة ، والجور كثيرة ، ولهذا سهل أرتكاب الجور، وصعب تحرى العدل ، وهما يشبهان الإصابة في الرماية والخطأ فيه ، فإن الإصابة تحتاج إلى ارتياض وتعهد ، والخطأ لا يحتاج إلى شيء من ذلك ).
وكذلك لابد للمربى الحذر من تلبيس إبليس عليه على استغلال الجرح والتعديل للتشفى، أو لإبراز علمه وذاته، أو كى يتنافس بها على أقرانه، أو ليطلب بلك شهرة له، وانتقاصا من غيره، وقد سبق في ذلك ما انتبه إليه ابن الجوزى حيث وجد أن إبليس قد ألبس على بعض المحدثين في ذلك الأمر ، فقال : ( ومن تلبس ) إبليس على أصحاب الحديث قد ح بعضهم في بعض طلبا للتشفى، ويخرجون ذلك مخرج الجرح والتعديل الذي استعمله قدماء الأمة للذب عن الشرع ، والله أعلم بالمقاصد.. ).