(9) لما كان الأصل في الناس أنهم ثقات وفي الدعاة أدنى درجات شروط التوثيق وخصائصه ، فإن التعديل والتوثيق يقبل مجملاً ودون تفصيل. بينما الجرح لا يقبل إلى مفسراً، وخصوصاً فيما يتعلق بالمقاصد التي يجرح المرء لأجلها ، وهنا يقاس الأمر على ما ورد عنه علماء الحديث لوجود نفس العلة ، وهي درء المفسدة، لاختلاف الناس في النظر إلى العيوب، فقد يظن المرء بعض الأمور من الذنوب والمعاصى أو مما يجرح الإنسان به، وهي ليست كذلك بل إن مردها للتأول والاجتهاد ،ولذلك قال ابن عبد البر:
وليس الدعاة بمنأى عن ذلك فقد يجرح بعضهم بأمور لا ينبغي التجريح بها ، إذ أنها من مسائل الاجتهاد والرأي ، أو أنها من العادات والأعراف ، أو أنها من المسائل الذوقية التي يختلف الناس في درجاتها بسبب التربية العائلية والوضع الاجتماعي ، وطبيعة المجتمعات .. أما إذا أجتمع الجرح والتعديل في شخص ، فإن الجرح مقدم على التعديل فيما يخص مقصد الولاية المرشح إليها، ولا ينظر إلى الجرح فيما سوى ذلك ، وهذا التخصيص هو الفارق مع قاعدة علم الحديث ، لأن المقاصد فيها واحد فقط وهو الصلاحية للرواية، بينما تتعدد المقاصد في العمل الإسلامي ، وفي الواقع أن لهذه القاعدة استثناء أيضا، فإذا ما كثر عدد المعدلين عن الجارحين ، واستفاضت الأخبار بالتوثيق فلا يتلفت إلى الجرح وخصوصاً بالنسبة للأمراء ، وأصحاب الفضل من علماء الجماعة وكبارها:
( والحذر كل الحذر ، أن تفهم أن قاعدتهم ( الجرح مقدم على التعديل) على إطلاقها، بل الصواب أن من ثبتت إمامته وعدالته، وكثر مادحوه، وندر جارحوة، وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره : لم يلتفت إلى جرحه.. ).
خصوصاً وأن من طبائع الناس تكبير الأخطاء، وأن الزلة الصغيرة يعطي لها الحجم الكبير، وانطلاقا من هذا المفهوم أيضا، فقد يعتبر تجريح الأقران أحياناً على وجود التنافس المذموم، فلا يؤخذ به غالبا، وخاصة في أوقات الفتن ووجود المشاكل، ويقاس ذلك على منع بعض المحدثين قبول جرح الأقران بعضهم ببعض، ومنهم ابن عبد البر الذي عقد باباً خاصاً لكلام الأقران المتعاصرين من العلماء بعضهم في بعض وقرر:
( أن لا يقبل كلام بعضهم في بعض ، وإن كان كل منهم بمفرده ثقة حجة).
ولذلك كان تجريح بعض الرؤوس لبعضهم البعض مما يوجب أن لا يستمع له، ولا يعتد به ، إلا بأدلة واضحة بينه، وخصوصاً إذا كان مع كل رئيس جملة من الاتباع يغلب على الظن الخير الوافر فيهن، لوجود مظنة الحسد والتنافس ، وسيطرة الغضب في أوقات المحن والشدائد، وأزمان الخلاف والانشقاق ، وغنى عن القول أن المقصود هنا برد التجريح إذا كان في الدين والمروءة، وليس مانعا من ذكر الخطأ في الاجتهاد ، أو الغلط في المواقف.