وقال تعالى:{ فاذكروني أذكركم} البقرة 152، فلو قلت لا اله الا الله يذكرك الله باسمك، ولهذا قال أحد الصحابة: أنا أعرف متى يذكرني ربي عز وجل، فسئل: متى ذلك؟ فقال: عندما أذكره سبحانه، قال تعالى:{ فاذكروني أذكركم} وهكذا فان الدخول على الله تعالى سهل يسير لا مشقة فيه ولا عناء.
ويقول تعالى:{ الذين ءمانوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب} الرعد28، فمن فوائد ذكر الله تعالى اطمئنان القلب وهدؤوه وسكينته.. وفي هذا علاج للذين يعانون قلقا ويتألمون، وإعراض عن الأطباء النفسيين. ان الناس تعاني القلق لقلة ذكرهم، ولانصرافهم عن الله جل وعلا.. ولهذا قال تعالى:{ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} طه 124. .. في ذكر الله علاج لكل المشاكل وتفريج لكل الكربات، وفي الغفلة عن الذكر قلق وهم وغم وتسليط للشيطان على الانسان. قال تعالى:{ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيّض له شيطانا فهو له قرين} الزخرف36. ويحذر الله تعالى عباده المؤمنين من أن تلهيهم الدنيا بما فيها عن ذكر الله فيقول سبحانه:{ يا أيها الذين ءامنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله، ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون} المنافقون9، فمن ألهاه أولاده أو أمواله عن ذكر الله فقد خسر خسرانا مبينا.
ومن الأشياء اللطيفة أن الله جعل ختام العبادات الكبيرة الذكر.. فكلما تؤدي عبادة عظيمة تتبعها بذكر الله تعالى.. فالصلاة ذكر وبعدها أيضا ذكر وهو ختامها والدعاء وكذلك الصيام، فقد أمر الله في طيات الحديث عنه بالدعاء، والدعاء ذكر، وكذلك الحج. قال تعالى فيه:{ فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشدّ ذكرا} البقرة 200. وقال تعالى عن الصلاة:{ فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم} النساء103. وخص صلاة الجمعة بالذكر العظيم لشرفها وسمو مكانتها وكبير فضلها، فقال لعد الحديث عنها:{ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون} الجمعة 10. ويجعل الله عز وجل هدف أعظم العبادات، وهي الصلاة الذكر. يقول تعالى في سياق أمره لكليمه موسى عليه السلام:{ وأقم الصلاة لذكري} طه 14، فالصلاة كلها ذكر: القراءة ذكر، والركوع ذكر والسجود ذكر والتشهد ذكر..
والنبي صلى الله عليه وسلم يبيّن أن الحياة الحقيقية هي حياة القلب، ولا حياة للقلب الا بذكر الله تعالى، ولهذا يقول صلى الله عليه وسلم: مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره كمثل الحي والميت رواه البخاري 6407. فهل ترضى أن تكون في عداد الموتى بغفلتك عن ذكر الله تعالى؟!.
وأنا أسأل كل الذين يعانون في حياتهم من مرض أو عقوق أولاد أو سوء معاملة جيران.. هل حرصتم على ذكر الله تعالى؟! هل نورتم قلوبكم وبيوتكم بذكر الله الخالق جل وعلا؟!
وقد جاء رجل الى المعلم الأعظم صلى الله عليه وسلم شاكيا يقول: يا رسول الله، ان شرائع الاسلام قد كثرت عليّ (فيها عبادات وأخلاق ومعاملات...) فدلني على عمل أتشبث به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يزال لسانك رطبا بذكر الله رواه الترمذي 3375 وابن ماجه 3793 والامام أحمد 4\190.
وجاء آخر الى الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: أي الاسلام أفضل؟! قال صلى الله عليه وسلم: أن تموت واسانك رطب بذكر الله رواه الطبراني في الكبير 20\107 وابن حبان 818. أفضل شيء أن تلقى الله ذاكرا إيّاه..!
ويقول صلى الله عليه وسلم: ألا أدلكم بخير أعمالكم وأزاكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ فقال الصحابة: بلى يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم:ذكر الله تعالى. أرأيتم فضل الذكر؟!
ويقول صلى الله عليه وسلم: لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل الا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وتنزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده رواه مسلم 6795 والترمذي 3378 والامام أحمد 3\92.
ويقول الله عز وجل في حديث قدسي: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه اذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه. رواه البخاري 6405 ومسلم 6773 والامام أحمد 2\251.
وخرج النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه فوجدهم جالسين فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله يا رسول الله، قال: آلله ما أجلسكم الا هذا قالوا: آالله ما اجلسنا الا هذا، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: إني لم أسألكم تهمة لكم، ولكن بلغني أن الله يباهي بكم ملائكته رواه مسلم 6797 ولترمذي 3379. فأبشروا أيها المسلمون الذاكرون لله تعالى، أبشروا بمباهاة الله ملائكته بكم!
وقال صلى الله عليه وسلم: سبق المفردون، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات رواه مسلم 6749 والترمذي 3599 والاماما أحمد 2\323. أتعلم أيها الأخ لماذا سماهم الرسول: المفردون؟ لأنهم تفرّدواوتميّزوا.
والذكر في كل وقت وحين. تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله في كل احواله.. فهل تستطيع أيها لمحب للرسول الراغب في مرافقته في الجنة أن تتأسى به وأن تذكر الله تعالى في كل أحوالك؟!
ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بعد خروجه من الخلاء: غفرانك رواه أبو داود 30 والترمذي 7 وابن ماجه 300 والامام أحمد 6\155. أتردي لماذا؟ انه يستغفر الله على دقائق قليلة مرت عليه لم يذكر الله تعالى فيها!!
وأنا أعلم أن من المسلمين أناسا لم يجلسوا منذ أعوام كثيرة، بل ربما منذ أن خلقوا، جلسة واحدة، ذكروا فيها الله مائة مرة أو سبّحوه مائة تبيحة.. ثم يشكو الناس بعد ذلك من ضنك الحياة وعقوق الأولاد وضيق الصدور.. ويوم القيامة يندم المسلمون على الوقت الذي مر عليهم ولم يذكروا فيه ربهم جل وعلا. يقول سيدنا معاذ رضي الله عنه: لا يندم اهل الجنة على شيء الا على دقائق مرت بهم في الدنيا لم يذكروا الله فيها عز وجل.
وروي أن أبا هريرة رضي الله عنه خرج الى السوق ذات مرة فقال: يا معشر التجار، هلموا الى الى المسجد، فان ميراث رسول الله يوزع هناك، فأسرع التجار الى المسجد فلم يجدوا شيئا، فقالوا: دخلنا المسجد فما وجدنا شيئا!! فقال رضي الله عنه: فماذا وجدتم؟! قالوا: وجدنا ناسا يذكرون الله تعالى، قال: فذلك ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم!!
وروي في الأثر أن سيدنا سليمان عليه السلام مر بموكبه وجنوده ورجاله ذات يوم على فلاح بسيط يحرث في أرضه، فقال ذلك الفلاح: لقد صار ملك آل داود عظيما! فنظر اليه سيدنا سليمان عليه السلام وقال: والله، لتسبيحة في صحيفة المؤمن خير مما أعطي سليمان وأهله، فإن ما أعطي سليمان يزول والتسبيحة تبقى!!.