الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: المرأة في موكب الدعوة
المؤلف: مصطفى الطحان
التصنيف: قضايا الشباب
 

الفصل الثاني

مسلمات في موكب الدعوة - نماذج تطبيقية

كيف حدث التغيير

كيف حصل هذا التغيير الذي أحدثه الإسلام في واقع الدنيا.. والذي حارت في فهمه عقول الساسة والقادة.. كيف استطاع النبي العظيم صلى الله عليه وسلم مع مجموعة متواضعة من الرجال والنساء أن يقيم في بضع سنين دولة إسلامية في المدينة.. لم تلبث أن سيطرت على جزيرة العرب.. ولم تِمض خمسون سنة حتى استطاعت أن تسيطر على معظم العالم القديم المعروف يومذاك..؟

ولم يكن تغيير سيطرة واكتساح، بل تغيير عدل وانفتاح، ارتضت على أساسه الشعوب التي فتحت بلادها، الإسلام وراحت تدافع عنه وتنتسب إليه.. إن أحفاد الأقوام الذين فتح المسلمون بلادهم يعتزون بانتسابهم للفاتحين.. فالمسلم الهندي يعتز بالإسلام وبالقائد محمد بن القاسم الذي فتح بلاده. يتسمى باسمه ويسمي أبناءه وأحفاده بهذا الاسم.. بينما يستحيل أن ينسب مصري  أو سوداني نفسه  لكتشنر على سبيل المثال أو مغربي وسوري لديغول..

ذاك هو التغيير الإسلامي الذي بدأ بالإنسان ذكرا و أنثى فكرّمه، فاستجاب الإنسان ذكرا و انثى لهذا التكريم والاستخلاف في الأرض.. فتغيرت الدنيا بعد تغيره..

)إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم..(.

ولنتتبع معا بعض حلقات هذا التغيير وكيف استجابت المرأة له..

  

حق المرأة في اختيار زوجها

 

·    جاءت فتاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته.. فجعل الأمر إليها، أي أخبرها أن الأمر بيدها، إن شاءت أقرت ما صنع أبوها، وإن شاءت أبطلته، فقالت (قد أجزت ما فعل أبي، ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء)([1]).

فلم يعد الأمر أنثى تستحي من عارها.. بل معلمة تعلم الأجيال من النساء والرجال.. أن للمرأة الحق في اختيار زوجها.. وأن كلمتها في هذا الأمر هي فصل الخطاب.

 

إن أسلمت فذاك مهري

·    خطب أبو طلحة أمَّ سليم ( الغميصاء بنت ملحان) قبل أن يسلم، فقالت: أما إني فيك راغبة، وما مثلك يُرد ولكنك رجل كافر وأنا امرأة مسلمة لا يحل لي أن أتزوجك..

فقال: ما دهاك يا رميصاء..؟

قالت: وماذا دهاني..؟

قال: أين أنت من الصفراء والبيضاء. (يقصد الذهب والفضة)..؟

قالت: لا أريد صفراء ولا بيضاء، فأنت امرؤ تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا.. أما تستحي أن تعبد خشبة نجّرها لك حبشي بني فلان.. إن أنت أسلمت فذاك مهري!

قال: حتى أنظر في أمري. فذهب ثم جاء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. قالت: يا أنس (ابنها) زوّج أبا طلحة فزوّجها([2]).

هل في تاريخ العالم لوحة أعظم من هذه اللوحة المعبرة...؟

فلم يعد يهز وجدان المرأة المسلمة أصفر أو أبيض.. بل ارتفعت مع عظمة العقيدة التي آمنت بها إلى ذروة الإيمان السامقة.

زوجة عمر تراجعه

 

·    عن عمر بن الخطاب  رضي الله عنه قال: فبينا أنا في أمر أتأمره، إذ قالت امرأتي: لو صنعت كذا وكذا. فقلت لها: مالك ولما هاهنا؟ فيما تكلفك في أمر أريده..؟ فقالت: عجبا لك يا ابن الخطاب ما تريد أن تُراجعَ أنت، وإن ابنتك لتراجع رسول الله رضي الله عنه..([3]).

 

ما أحسنت ولا أجملت يا عمر

 

جاءت امرأة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالت :

يا أمير المؤمنين إني وجدت صبيا ووجدت صرة فيها دينار، فأخذته واستأجرت له مرضعة، وأربع نسوة يأتينه ويقبلنه لا أدري أيتهن أمه، فقال لها: إذا هن أتينك فأعلميني، ففعلت، فقال لامرأة منهن:

أيتكن أم هذا الصبي؟ فقالت:

والله ما أحسنت ولا أجملت يا عمر! أتعمد إلى امرأة ستر الله عليها فتريد أن تهتك سترها..؟ قال:

صدقت([4]).

هكذا أصبحت المرأة بعد أن غيّرها الإسلام.. واعية جريئة تردّ على أمير المؤمنين العادل الفقيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه.. وتنطق بالحكمة التي لا يسع عمر إلا أن ينزل عندها ويقول: صدقت.

 

أم أيمن تبكي انقطاع الوحي

 

·    عن  أنس قال: قال أبو بكر رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله يزورها.. فلما انتهينا إليها بكت.. فقالا لها: ما يبكيك..؟ ما عند الله خير لرسوله. فقالت: بل أبكي لأن الوحي انقطع من السماء..([5]).

هل يتصور دعاة حقوق المرأة.. أن امرأة مثل أم أيمن تخدم في بيت النبوة تصل إلى مثل هذا المستوى الرفيع من الإدراك. فهي لا تبك فقد حبيبها.. ولكنها تبكي لانقطاع صلة الأرض بالسماء.

 

أم حرام بنت ملحان

 

عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب إلى قباء يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت تحت عبادة بن الصامت، فدخل يوما فأطعمته فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ يضحك، قالت: ما يضحكك يا رسول الله؟ فقال: ناس من أمتي عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة.. قالت: ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها..([6]).

وهذه لوحة أخرى، بطلتها أم حرام بنت ملحان، من بني النجار أخوال النبي صلى الله عليه وسلم.. كانت كأخواتها المسلمات تتشوق للمساهمة في بناء المجتمع الجديد.. فما أن يذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن أقواما من أمته يركبون البحر يجاهدون في سبيل الله.. حتى تطلعت إلى هذا الشرف.. وقالت: ادع الله أن يجعلني منهم.

وإذا كان العرب أقوام صحراء لا يهابونها، وأقوام رماح وسيوف يتعايشون معها، فإن البحر جديد بالنسبة لهم.. يخافونه ويخشون مجهوله.. ولكن أم حرام تتقدم ولا تهاب، وتركِب أعالِي البحِر بصحبة زوجها ضمن جنود البحرية الإسلامية وهم يفتحون قبرص، وإذا كان رسول الله يصف هؤلاء الفاتحين بأنهم مثل الملوك على الأسرة فقد انفردت بينهم أم حرام بنوع آخر من المجد.. فمازال المسلمون في قبرص.. من يوم فتحت وحتى اليوم.. يهرعون إليها يلقون عليها التحية، ويأخذون منها العبرة.. فقد شاركت في بناء صرح الإسلام.

 

البيعة للرجال والنساء

 

روى كعب بن مالك الأنصاري رضي الله عنه قال:

خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان من نسائنا، نسيبة بنت كعب (أم عمارة) وأسماء بنت عمرو (أم منيع). فاجتمعنا في الشعب حتى جاءنا رسول الله ومعه عمّه العباس، فبايعناه.

وقد روى الإمام أحمد عن جابر قال: قلنا يا رسول الله علامَ نبايعك؟ قال: على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقوموا في الله، لا تأخذكم في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت إليكم، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة.

قال جابر: فقمنا إليه رجلا رجلا فأخذ علينا البيعة، يعطينا بذلك الجنة. وأما بيعة المرأتين فكانت قولا بدون مصافحة([7]).

والبيعة موثق وعهد يعطيه المسلم طائعا مختارا لربه، مستسلما لمشيئته، مدافعا عن دينه. فإذا كانت البيعة على الإسلام، فعهدهم أن لا يشركوا بالله شيئا. وإذا كانت البيعة على الجهاد، فعهدهم أن يبذلوا أنفسهم حمية لدينهم حتى تكون كلمة الله هي العليا. وإذا كانت البيعة على النصرة، فعهدهم أن يسمعوا ويطيعوا للقيادة المسلمة المخلصة في كل الظروف، وأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر وأن لا ينازعوا الأمر أهله.

 

ولقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعة من أصحابه رجالا ونساء، كبارا وصغارا.. فلكل موقع في المجتمع المسلم، ولكل حقوق وعليه واجبات.

ومن عجب أن بعض المفكرين المسلمين انحصر همهم في تحقيق كيفية بيعة النساء.. وكان الأولى أن يُبذلَ الجهد في إبراز دور المرأة السياسي، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ منها عهدا وموثقا في كل الأمكنة والأزمنة مؤكدا مسؤليتها في حماية الدين والدفاع عنه بما تملك في المنشط والمكره في العسر واليسر وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

سمية أول شهيدة في الإسلام

 

أخرج الحاكم عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما، قال: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بياسر وعمّار وأم عمّار وهم يُوذَون في الله تعالى، فقال لهم: صبرا يا آل ياسر، صبرا يا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة. وطعن أبو جهل سمية في قبلها فماتت، ومات ياسر في العذاب.. أما عمّار فلم يتركوه حتى ذكر آلهتهم بخير.

هذه لوحة خالدة أبطالها ثلاثة: ياسر ابن عامر العنسي حليف أبي حذيفة المخزومي القرشي، وابنه عمار، وزوجه سمية بنت خيّاط. أسلم عمّار، وعرض الإسلام على أمه فأسلمت، وعرضه على أبيه، فقال له: متى تصحبنا إلى محمد لنسمع منه..؟

وأقبل المساء من ذلك اليوم وإذا أبو جهل عمرو بن هشام قد أقبل في فتية من بني مخزوم فوضعوا عمار وأبويه في الحديد، وأشعلوا في دار ياسر النار. وتفنن أبوجهل ونفر من سادة قريش وعبيدهم بتعذيب هؤلاء، يخزّونهم بالرماح والخناجر، يلهبونهم بالسياط، يعبثون بأجسادهم وهم يتضاحكون ويتصايحون، يطرحونهم أرضا، يحرّقونهم بالنار، يلقون عليهم الأحجار الثقال.. يسكبون عليهم الماء، وأبو جهل ينتظر متحرق النفس أن يسمع من أحدهم صيحة أو أنة أو شكاة.

ويمر النبي صلى الله عليه وسلم بالرهط المعذبين، فيسمع المشركون صوت ياسر لأول مرة من يومهم ذاك، يقول:

·        الدهر هكذا يا رسول الله، قال رسول الله:

·        أبشروا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة.

وتقول سمية، أشهد أنك لرسول الله، وأشهد أن وعدك الحق.

ويفقد أبو جهل أعصابه ويقول: لتذكرنّ محمدا بسوء أو لتموتن.. وتجيب سمية:

بؤسا لك ولآلهتك.

وأخرج الحنق أبا جهل عن طوره فجعل يضرب في بطن سمية برجله.. ثم يطعنها بحربة كانت بيده، فتشهق شهقة خفيفة ثم تكون أول شهيدة في الإسلام.

وسجلت سمية بنت خياط سبقها على رهطها.. وعلى أخواتها المسلمات.. آمنت بالله ورسوله وما كان لإيمانها أن تهزه الرياح العواتي، وثبتت في ميدان الجهاد كالجبال الرواسي، وتقدمت إلى ميدان الشهادة باطمئنان وتسليم واستعلاء. وهي تنظر إلى العلاء إلى بشارة النبي صلى الله عليه وسلم: إن موعدكم الجنة.

 

أم شريك القرشية العامرية

 

لم تكد المرأة المسلمة تجاهر بعقيدتها بعد إعلان الدعوة، وتتحرر من أسباب الكبت والتستر والحصار، وتخرج إلى دنيا الجهاد والعمل، حتى تكالبت عليها قوى الكفر في شراسة الوحوش الضارية لتفتنها عن دينها وتتفنن في تعذيبها فما زادها ذلك إلا ثباتا في الحق وتشبثا به.

فلم ترتد بعد إيمانها ولا ارتابت بعد تصديقها.. وإذا كان بعض الرجال نطق بكلمة الكفر ليتقي بها العذاب.. فإن امرأة واحدة لم تفعل ذلك..

كانت سمية في طليعة هؤلاء المعذبات في الله.. وكانت أول شهيدة في الإسلام. ومن المعذبات: حمامة أم بلال بن رباح، وجارية لبني عدي بن كعب. ولبيبة جارية بني المؤمل، والهندية وابنتها، وزنيرة الرومية. كن جميعا يلبسن أدرع الحديد ويطرحن في رمال الشمس المحرقة ثم يسلمن إلى زبانية الدماء.

وكان من هذا الرهط الكريم أم شريك القرشية العامرية التي راحت تدخل على نساء قريش سرا تدعوهن إلى الإسلام حتى ظهر أمرها لأهل مكة فأخذوها وحملوها على بعير ليس تحته شيء موطأ ثم تركوها ثلاثا لا يطعمونها ولا يسقونها وكانوا إذا نزلوا، أوقفوها بالشمس واستظلوا، وحبسوا عنها الطعام والشراب. وهكذا استهونت المرأة المسلمة الآلام والعذاب في سبيل الله وفي سبيل العقيدة.. موقنة بالنصر والعزة في الدنيا والشهادة والجنة في الآخرة([8]).

فاطمة بنت الخطاب

 

أخرج ابن سعد عن أنس رضي الله عنه قال: خرج عمر رضي الله عنه متقلدا السيف فلقيه رجل من بني زهرة قال: أين تعمد يا عمر؟ فقال: أريد أن أقتل محمدا. قال: أفلا أدلك على ما هو أعجب من ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: أختك وختنك قد صَبَوا وتركا دينك الذي أنت عليه. قال: فمشى عمر ذامرا (متهددا) حتى أتاهما وعندهما رجل من المهاجرين يقال له خبّاب. قال: فلما سمع خبّاب حسّ عمر توارى في البيت، فدخل عليهما فقال: ما هذه الهينمة التي سمعتها عندكم؟ فلعلكما قد صبوتما. فقال له ختنه: أرأيت يا عمر إن كان الحق في غير دينك؟ فوثب عمر على ختنه فوطأه وطأ شديدا، فجاءت أخته فدفعته عن زوجها فنفحها بيده نفحة فدمّى وجهها. فقالت: -وهي غضبى- يا عمر إن كان الحق في غير دينك؟ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. قال عمر: أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرؤه. فقالت أخته: انك رجس ولا يمسه إلا المطهرون، فقم فاغتسل أو توضأ([9]).

وهذه لوحة أخرى يذكرها المؤرخون وكتّاب السير عندما يتكلمون عن إسلام عمر، الرجل القوي الذي اعتز الدين بإسلامه، والذي كان لا يسلك شعبا إلا وسلك الشيطان شعبا آخر.. لوحة تضم فاطمة بنت الخطاب.. المرأة التي دافعت عن زوجها المؤمن (سعيد بن زيد)، وتقول لأخيها بكل قوة: يا عمر، إن كان الحق في غير دينك، وتتحمل الضرب والإهانة ولا تتنازل عن دينها.. وعندما أراد أخوها تناول الصحيفة أبت وقالت: بل أنت رجس.

وأدرك عمر أن المعنى الذي أحال فاطمة بنت الخطاب إلى ما صارت إليه، من القوة والبأس بحيث تردعه وتأبى عليه.. بل وتأمره بأن يتطهر إن أراد قراءة الصحيفة.. لمعنى عظيم. فرأى في نفسه الجبارة في الجاهلية، تستسلم لقوة أخته المسلمة وليس بدعا هذا.. فالحق غلاب.. والإسلام أغلب.

وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو أن ينصر الله الإسلام بأحب العمرين إليه، فإن مفتاح إسلام عمر كان أخته فاطمة بنت الخطاب والفضل لمن سبق.

 

أسماء ذات النطاقين

 

أذن الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة. )وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك، ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين(([10]).

وخرج المهاجران نبي الله وصاحبه أبو بكر إلى غار ثور ليمكثا فيه ثلاث ليال، حتى إذا خمدت نار الطلب، وتوقفت أعمال دوريات التفتيش، وهدأت ثائرات قريش بعد استمرار المطاردة الحثيثة ثلاثة أيام بدون جدوى، استأنف المهاجران طريقهما إلى المدينة.

كانت أسماء بنت أبي بكر عنصرا رئيسا في ترتيب الرحلة المباركة. حتى إذا مضت الثلاث، أتتهما بسفرة من الطعام يتبلغان بها في سفرهما، ولكن الوقت أعجلها أن تجعل للسفرة عصاما (علاقة) تعلقها به في الرحل. فلم تجد غير نطاقها، فشقته نصفين، فعلقت السفرة بشق منه، وتنطقت هي بالشق الآخر، فسمّيت من يومها (أسماء ذات النطاقين)([11]).

وذهب الاسم خالدا على الدهر، فإذا كانت صاحبته شابة صغيرة إلا أنها تحفظ السر، وترتب السفرة، وتمشي وحيدة إلى غار ثور، تكلأ الرفيقين بالرعاية والعناية، وتتصرف عندما نسيت العصام تصرّف الداعيات الحريصات الذكيات.

وحدثت أسماء فقالت: لما خرج المهاجران أتانا نفر من قريش، فيهم أبو جهل فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجت إليهم، فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟

قالت: قلت: لا أدري والله أين أبي. قالت: فرفع أبو جهل يده، وكان فاحشا خبيثا، فلطم خدّي لطمة طرح منها قرطي([12]).

وأبو جهل عظيم قريش وجبّارها، والمتآمر الأول على الدعوة وقائدها، نال منه المسلمون المستضعفون كما لم ينالوا من غيره، ولم ينسوا بعد كيف سقطت بيده سميّة، وبعدها ياسر زوجها شهيدين يشهدان ظلم الطاغية.. ومع ذلك تقف أسماء الصغيرة أمامه، وتحفظ سرّ المهاجرين، وتتحمل الإيذاء والضرب.. فلا يضرها ذلك مادام في سبيل الله، ومادامت تعلّم أخواتها الداعيات على مرّ الأيام كيف يتصرفن ويتحملن ويصبرن في مواجهة الطاغوت.

وتحدث أسماء فتقول إن أبا بكر احتمل معه ماله كله.. فدخل علينا جدي أبو قحافة، وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه. قالت: قلت: كلا يا أبت، إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا. قالت: فأخذت أحجارا فوضعتها في كوة البيت الذي كان أبي يضع ماله فيها، ثم وضعت عليه ثوبا، ثم أخذت بيده، فقلت: يا أبت، ضع يدك على هذا المال. قالت: فوضع يده عليه، فقال: لا بأس.

وتضيف أسماء: ولا والله ما ترك لنا شيئا، ولكني أردت أن أسكن الشيخ بذلك.

والإنسان ليعجب، كيف استطاعت هذه الشابة أن تتصرف هذا التصرف العاقل. من أين أتتها كل هذه الحكمة؟ فكرت كيف تهدّأ الشيخ، ولم تفكر من أين تأكل أو تشرب. ولكنها تربية أبي بكر، القريب من بيت النبوة، ولا غرابة بعد ذلك فيما يصدر عن أسماء من عقل راجح، وحكمة بالغة، وتصوّر للأهداف البعيدة، واستعلاء على تفاهات الدنيا، والتعلق بالآخرة..

ويخرج نعيم بن حمّاد في (الفتن) عن ضمام: أن عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما أرسل إلى أمه أن الناس قد انفضوا عني وقد دعاني هؤلاء إلى الأمان. فقالت:

·    إن خرجت لإحياء كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فمت على الحق، وإن كنت إنما خرجت على طلب الدنيا فلا خير فيك حيا ولا ميّتا([13]).

واللوحة التي نحن بصددها تصور موقف أسماء مع ابنها عبد الله بن الزبير فلقد استشهد الزبير أيام حرب الجمل، وبقيت أسماء بعده، تتعزى عن فقده بولدهما عبد الله.. والفتن متلاحقة، ظلمات بعضها فوق بعض، استشهد علي وبعده الحسين رضي الله عنهما.. ووصل الدور إلى عبد الله بن الزبير الذي احتمى بالكعبة من جور الحجاج، ولما أحاط الحجاج ومعه جند الشام ببيت الله الحرام وتفرق الناس عن عبد الله، دخل على أمه فقال:

·        يا أماه قد خذلني الناس حتى ولدي وأهلي ولم يبق معي إلا اليسير، والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا، فما رأيك؟ فقالت:

·    يا بني أنت أعلم بنفسك، فإن خرجت لإحياء كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فمت على الحق، وإن خرجت في طلب الدنيا فلا خير فيك حيا ولاميتا، وإن قلت: كنت على الحق فلما وهن أصحابي ضعفت فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين. قال:

·    يا أماه أخاف أن قتلني أهل الشام أن يمثلوا بي ويصلبوني. قالت: إن الشاة لا يهمها السلخ بعد الذبح، فامض على بصيرتك واستعن بالله. فقبّل رأسها وقال:

·    هذا رأيي، والذي قمت به داعيا إلى يومي هذا ما ركنت إلى الدنيا وما أحببت الحياة فيها، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله أن تستحل حرماته ولكني أحببت أن أعلم رأيك فقد زدتني بصيرة، فانظري يا أماه فإني مقتول في يومي هذا فلا يشتدّنّ حزنك وأسلمي الأمر لله. فقالت له أمّه:

·        إني لأرجو أن يكون عزائي فيك جميلا، إن تقدمتني احتسبتك، وإن ظفرت سررت بظفرك، اخرج حتى أنظر إلى ما يصير أمرك. فقال:

·        جزاك الله خيرا، فلا تدعي الدعاء لي. قالت:

·        لا أدعه أبدا. ثم قالت:

·    اللهم ارحم طول ذاك القيام في الليل الطويل، وذاك النحيب والظمأ في هواجر مكة والمدينة، وبرّه بأبيه وبي. اللهم قد أسلمته لأمرك فيه ورضيت بما قضيت فأثبني فيه ثواب الصابرين الشاكرين.

ثم أقبل عبد الله على القتال حتى قتل، فصلبه الحجاج على جذع فوق الثنية ثم أرسل إلى أمه أسماء، فأبت أن تأتيه، فأعاد عليها الرسول:

·        لتأتينّي أو لأبعثنّ إليك من يسحبك من قرونك. فأبت وقالت:

·        والله لا آتيه حتى يبعث إليّ من يسحبني من قروني. فقال الحجاج:

·        أروني مكانها، ثم انطلق حتى وقف عليها فقال:

·        كيف رأيت، نصر الله الحق وأظهره. فقالت:

·        ربما أديل الباطل على الحق وأهله، وإنك بين فرثها والجنة. فقال:

·        إن ابنك ألحد في هذا البيت، وقد قال تعالى: )ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم(([14])، وقد أذاقه الله ذلك العذاب الأليم. قالت:

·    كذبت، كان أول مولود ولد في الإسلام بالمدينة وسرّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم وحنكه بيده وكبّر المسلمون يومئذ حتى ارتجت المدينة فرحا به، قد فرحت أنت وأصحابك بمقتله، فمن كان فرحه يومئذ بمولده خير منك ومن أصحابك، وكان مع ذلك برا بالوالدين قواما بكتاب الله معظما لحرمة الله يبغض من يبغض الله عز وجل، أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم لسمعته يقول:

يخرج من ثقيف كذاب ومبير، فأما الكذاب فرأيناه، وأما المبير فلا أخالك إلا إياه. فقام عنها الحجاج ولم يرجع.

ثم أنزل ابنها عبد الله فأتي به أسماء فغسلته وطيبته وحنطته ثم دفنته رضي الله عنها([15]).

وهذه اللوحة العظيمة، لامرأة عظيمة، تحتاج من الكتّاب أن يكتبوا حولها سفرا  كاملا.. فهيهات أن تجد في تاريخ الأمم الأخرى مثل هذه الحكمة، والقوة، والشجاعة، والصبر، والإيمان. في مثل هذا الموقف العصيب تقف الأم مع فلذة كبدها شامخة لا تبالي، إلا بنصرة الإسلام: (إن خرجت في طلب الدنيا فلا خير فيك حيا ولا ميتا، وإن خرجت للحق فامض لما خرجت له..).. أعطوه الدنيا.. وجاء إلى أمه فأبت عليه.. وقالت: إن الأحرار لا يتراجعون عن طريق الحق.

هل أم غير أسماء تستطيع أن تقول لابنها (إن الشاة لايهمها السلخ إذا قتلت).. وهل بطلة أقوى من أسماء تستطيع أن تقول لطاغية العصر الحجاج: (أما الكذاب فقد رأيناه. ولا أخالك إلا مبير هذه الأمة).

هذه هي أسماء بنت أبي بكر، الداعية العظيمة والقدوة الرائعة لأخواتها الداعيات المسلمات اللواتي عرفن الطريق وأصررن على الولوج..

أم المؤمنين هند بنت أبي أمية المخزومية

 

أخرج ابن إسحاق عن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها قالت:

لما أجمع أبو سلمة رضي الله عنه الخروج إلى المدينة رحّل لي بعيره، ثم حملني عليه وجعل معي ابني سلمة في حجري ثم خرج يقود بي بعيره. فلما رأته رجال بني المغيرة قاموا إليه فقالوا:

·        هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه، علام نتركك تسير بها في البلاد؟ قالت:

·        فنزعوا خطام البعير من يده وأخذوني منه. قالت:

·        وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد (رهط زوجي) وقالوا:

·        والله لا نترك ابننا عندها. قالت:

فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد وحبسني بنو المغيرة عندهم وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة. قالت:

·        ففرّق بيني وبين ابني وبين زوجي. قالت:

·    فكنت أخرج كل غداة فأجلس في الأبطح، فما أزال أبكي حتى أمسي، سنة أو قريبا منها، حتى مرّ بي رجل من بني عمّي، أحد بني المغيرة، فرأى ما بي فرحمني. فقال لبني المغيرة:

·        ألا تخرجون هذه المسكينة، فرّقتم بينها وبين زوجها وولدها؟

قالت: فقالوا لي:

·        الحقي بزوجك إن شئت. قالت:

·        فرد بنو أسد إليّ عند ذلك ابني. قالت:

·        فارتحلت بعيري. ثم أخذت ابني فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة. قالت: وما معي أحد من خلق الله.

هذه صورة أخرى بطلتها الصحابية الجليلة أم سلمة، زوجها عبد الله بن عبد الأسد بن المغيرة، ابن عمة رسول الله، من أوائل من آمن بدعوة الإسلام، فأسلم وأسلمت زوجته هند بعده مباشرة. قاست هذه الأسرة المؤمنة مثل بقية المسلمين في مكة، أشد أنواع الاضطهاد، وحاولت قريش بشتى الوسائل أن تفتنهم في دينهم وأن تردهم عن الإسلام. ولما أذن رسول الله للمسلمين بالهجرة إلى الحبشة، كانت هند وزوجها من أوائل المهاجرين. وفي الحبشة ولدت هند لزوجها ابنها سلمة.

وجاءت الأخبار إلى المهاجرين بأن الإسلام انتصر في مكة وأن أعدادا كبيرة من القرشيين دخلوا الإسلام. وعاد أبو سلمة وزوجه مع نفر من المهاجرين إلى مكة.. ليجدوا أن الأخبار التي وصلتهم غير صحيحة وان قريشا ضاعفت من إيذاء المسلمين.. وأنها علقت صحيفة في جوف الكعبة تعاهدت بموجبها على أن لا تتعامل مع بني هاشم الذين انضموا إلى محمد وضربت عليهم حصارا اقتصاديا وحاصرتهم جميعا في شعب أبي طالب. وإذ عاد نفر من المهاجرين ثانية إلى الحبشة فإن أبا سلمة دخل في جوار خاله أبي طالب وبقيت أم سلمة إلى جانب زوجها في مكة تقاسي ما يقاسي من الآلام والعذاب.. حتى كانت بيعة العقبة والأذن بالهجرة إلى المدينة فكان أبو سلمة وأم سلمة أول من تهيّأ للهجرة.. وكان المشركون لهم بالمرصاد، فهم مازالوا يطمعون في تحويلهم عن دينهم إلى عبادة الأوثان.. منعوها من مرافقة زوجها وانتزعوا منها وليدها، وحبسوها وحيدة... وصمدت أم سلمة واحتسبت كل عذاباتها في سبيل الله.. احتسبت بعدها عن فلذة كبدها الوحيد.. وعن زوجها رفيق دربها عبد الله..

اللوحة هذه درس تقدمه الداعية أم سلمة لأخواتها المسلمات خلاصته:

إن الأرض والوطن، والابن والزوج، والعشيرة والقرابة.. كل هذه المعاني وإن كانت شديدة الالتصاق بالإنسان.. فإن الداعية المؤمنة تتركها إذا وضعت في الميزان مع إيمانها وعقيدتها.

 

ليعلم أني لم أخنه في الغيب

 

أخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني من أصدّق أن عمر رضي الله عنه بينما هو يطوف سمع امرأة تقول:

فوالله لولا الله تخشى عواقبه         وأرقنِي أن لا حبيِب ألاعبه

فوالله لولا الله تخشى عواقبه         لزحزح من هذا السرير جوانبه

ولكني أخشى – رقيباً موكلا بأنفسنِا لا يفتر الدهر كاتبِه

مخافة ربي والحياء يصدني وأكرم بعلي أن تنِال مراتبِه

فقال عمر رضي الله عنه:

·        مالك؟ قالت:

·        أغربت زوجي منذ أشهر، وقد اشتقت إليه. قال:

·        أردت سوءا؟ قالت:

·        معاذ الله. قال:

·        فاملكي عليك نفسك، فإنما هو البريد إليه.

فبعث إليه، ثم دخل على حفصة رضي الله عنها، فقال:

·        إني سائلك عن أمر قد أهمّني فافرجيه عني، في كم تشتاق المرأة إلى زوجها؟

فخفضت رأسها واستحيت. قال:

·    فإن الله لا يستحي من الحق. فأشارت بيدها ثلاثة أشهر وإلا فأربعة أشهر. فكتب عمر رضي الله عنه أن لا تحبس الجيوش فوق أربعة أشهر.

وهذه لوحة أخرى.. لامرأة مسلمة تخشى الله وتراقبه.. طال عهدها بزوجها، وقد خرج مجاهدا في سبيل الله، مع الجيوش التي انطلقت تحرر إرادة الإنسان من جور الطغيان. تتقلب في فراشها، وتتذكر زوجها. ولكن أين هو منها وقد اشتاقت إليه، وامتلأت نفسها رغبة فيه.. أين الرجل الذي يملأ عليها فراغها، ويسدّ جوعتها، وتتقلب سعيدة في نعمائه..

ويسمع عمر رضي الله عنه صوتها.. ويحس لوعتها ورغبتها.. فيسألها: أردت سوءا وتجيب معاذ الله.. إنها أبدا الراعية لنفسها، الأمينة على شرفها وشرف زوجها، الحافظة بالغيب على عهدها وعهد وليها.

)ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين(([16]).

هذه هي المرأة المسلمة الصابرة القانتة الحافظة للغيب التي أوحت لعمر ابن الخطاب بتشريع إجازات الجنود.. فقد كتب عمر بعد هذه الحادثة إلى قواد جيوشه بأن لا يحبسوا الجيوش فوق أربعة أشهر.

 

أم عمارة نسيبة بنت كعب تدافع عن النبي يوم أحد

 

ذكر ابن هشام عن سعيد بن أبي زيد الأنصاري رضي الله عنه: (أن أم سعد بنت سعد بن الربيع رضي الله عنهما كانت تقول: دخلت على أم عمارة رضي الله عنها فقلت لها: يا خالة، أخبريني خبرك. فقالت: خرجت أول النهار أنظر ما يصنع الناس، ومعي سقاء فيه ماء. فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أصحابه والدولة والريح للمسلمين. فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف وأرمي عن القوس حتى خَلَصَت الجراح إلي. قالت: فرأيت على عاتقها جرحا أجوف له غَوْر،  فقلت لها: من أصابك بهذا؟ قالت: ابن قَمöئة، أقمأه الله. لمّا ولّى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يقول: دلّوني على محمد، لا نجوتُ إن نجا، فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير رضي الله عنه وأناس ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضربني هذه الضربة، ولقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدوَّ الله كانت عليه درعان).

وهذه لوحة جديدة بطلتها الأخت المجاهدة أم عمارة، وهي نسيبة بنت كعب الأنصارية التي اشتركت في غزوة أحد.. تمرض الجرحى في بداية المعركة.. ثم تذبّ بالسيف وترمي بالقوس، وهي إحدى العشرة الذين تولوا حماية الرسول صلى الله عليه وسلم وقد انفض المسلمون من حوله فكانت من أظهر القوم في الدفاع عنه حتى قال صلى الله عليه وسلم: (ما التفت يمينا ولا شمالا إلا وأنا أراها تقاتل دوني).

وأم عمارة هي واحدة من رهط كريم أوقفن حياتهن على خدمة الدعوة..

·    ففي العقبة كانت أم عمارة ممن بايعن الرسول صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره.. ومن يومها ذاك ما نكثت عهدها ولا نقضت بيعتها... بل وجددت هذه البيعة يوم الحديبية فقد كانت ممن اشتركن في بيعة الرضوان.

·    في أُحد جاءت تسعف الجيش وتضمّد الجراح وتسقى العطاش، وإذا بالأمر يقتضي التدخل بالسلاح، فكانت أسرع القوم تصول وتجول بين يدي الرسول.. حتى إن الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم يدعو ربّه فيقول: (اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة).

·        اشتركت في معظم المعارك إلى أن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

·    وحاربت المرتدين واشتركت في حرب مسيلمة الكذاب حيث جاهدت أعظم جهاد وجرحت أحد عشر جرحا وقطعت يدها وقتل ولدها... رضي الله عنهم أجمعين.

ولم تكن أم عمارة إلا نموذجا لأخواتها الداعيات اللواتي خضن معارك الإسلام، واحدة بعد الأخرى.. بكل صدق اليقين، وكمال الغيرة على الدين، وحرصها أن لا تحرم من شرف الجهاد مع المسلمين، لتنال فخر المجاهدين وأجر الصابرين.

 

نساء غفار يداوين جرحى المسلمين

 

أخرج ابن إسحاق عن امرأة من بني غفار قالت: أتيتُ رسول اللهصلى الله عليه وسلمفي نسوة من بني غفار فقلنا: يا رسول الله قد أردنا أن نخرج معك إلى خيبر، فنداوي الجرحى ونعين المسلمين بما استطعنا. فقال: على بركة الله. قالت: فخرجنا معه، قالت: وكنت جارية حديثة السن، فاردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم (على) حقيبة رحله. قالت: فوالله! لنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصبح (وأناخ) ونزلت عن حقيبة رحله. قالت: وإذا بها دم منّي وكانت أول حيضة حضتها. قالت: فتقبضّت إلى الناقة واستحييتُ. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بي، ورأى الدم قال: (مالك لعلك نَفöسْتö) قالت: قلت: نعم. قال: (فأصلحي من نفسك، ثم خذي إناء من ماء، فاطرحي فيه ملحا، ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم، ثم عودي لمركبك. قالت: فلما فتح الله خيبرا أعطانا رسول الله من الفيء، وأخذ هذه القلادة التي ترين في عنقي، فأعطانيها وعلّقها بيده في عنقي، فوالله لا تفارقني أبدا([17]).

وهذه لوحة أخرى، سجلتها المرأة المسلمة، وهي تساهم في بناء صرح الدعوة الإسلامية الأولى. لم تعد تكتفي بما تقوم به النساء عادة من رعاية الزوج وتنشئة الأبناء والقيام بشؤون البيت.. فبعد أن أعطاها الإسلام حقها وبدأت تستشعر إنسانيتها وكرامة موقفها ما عادت تقبل أن يسبقها الرجل حتى في ميادين القتال.

وهؤلاء مجموعة من المسلمات يطلبن من رسول الله مرافقة الجيش الزاحف نحو خيبر.. يداوين الجرحى ويعنّ المسلمين بما يستطعن.. وأختنا المسلمة عندما ارتقت اهتماماتها وارتفعت مسؤولياتها في بناء  مجتمعها ما عادت تعبأ بصغائر الأمور، فها هي تحيض في الطريق، ولا تعبأ!، ولا يقعدها ذلك عن متابعة رسالتها في مداواة الجراح وإعانة المقاتلين.. كل ما يهمها: المشاركة.. والوسام الذي قلده لها رسول الله.. (قلادة علقها بيده في عنقي فوالله! لا تفارقني أبدا).

أتردون على رسول الله أمره..؟

عن أنس بن مالك قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم على جليبيب امرأة من الأنصار إلى أبيها، قال: حتى أستأمر أمها، فذهب إلى امرأته فذكر ذلك لها، فقالت: لا والله إذا، وقد منعناها فلانا وفلانا. قال: والجارية في سترها تسمع، فقالت الجارية: أتردون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره؟! إن كان قد رضيه لكم فأنكحوه. قال: فكأنها حلت عن أبويها، فقالا: صدقتö، فذهب أبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن رضيته لنا رضيناه. فقال: إني أرضاه. فزوجها. ففزع أهل المدينة (استغيث بهم)، وخرجت امرأة جليبيب فيها، فوجدت زوجها وقد قتل وتحته قتلى من المشركين قد قتلهم. قال أنس: فما رأيت بالمدينة ثيبا أنفقَ منها([18]).

هذه لوحة رائعة.. تمثل قصة جليبيب الذي رفض المسلمون تزويجه لسواد لونه.. ويختار له رسول الله شابة جميلة تقدم لخطبتها الكثيرون فرفضتهم. وصعب الأمر على والد الفتاة ووالدتها.. ولكن الشابة المسلمة التي كانت تدرك بعمق معنى تنفيذ أمر رسول الله.. قالت: أتردون على رسول الله أمره..؟

وهكذا تنازلت الفتاة التي فهمت دينها، عن كل الشروط التي تتمسك بها مثيلاتها عند اختيار شريك حياتها.. ابتغاء مرضاة ربها.

)وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا(([19]).

أسماء بنت  عميس تدافع عن هجرتها

 

كانت أسماء ممن هاجر إلى الحبشة.. وعادت مع المهاجرين بقيادة جعفر بن أبي طالب، فوافقوا النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر.

ودخلت أسماء بنت عميس على حفصة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم زائرة. فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها. فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت أسماء بنت عميس. قال عمِِر: الحبشية هِذه؟ البحرية هذه؟ قالت أسماء نعم. قال: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم. فغضبت وقالت: كلا والله كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم. وكنّا في أرض البعداء البغضاء بالحبشة. وذلك في الله وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأيمُ الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا نبي الله إن عمر قال كذا وكذا. قال: فما قلت له؟ قالت: قلت له كذا وكذا. قال: ليس بأحق بي منكم. وله ولأصحابه هجرة واحدة ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان([20]).

وهل يمكن أن تقبل أسماء التي هاجرت إلى أرض البعداء.. في الله.. وفي رسول الله.. أن يكون أحد أولى منها برسول الله..؟

إنها تدافع عن هجرتها وهجرة إخوانها إلى أرض الحبشة.. فهي الوسام الذي تعتز به.. ولا تقبل من أحد أن ينال منه.

 

خولة بنت ثعلبة تشتكي إلى الله

 

عن عائشة رضي الله عنها قالت: إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفي علي بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: يا رسول الله أكل شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سنّي وانقطع ولدي ظاهر مني. اللهم إني أشكو إليك. فما برحت حتى نزل جبريل بهؤلاء الآيات: )قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير(([21]).

 وورد في الطبقات الكبرى عن عمران بن أبي أنس قال: كان من ظاهر في الجاهلية حرمت عليه امرأته آخر الدهر. وكان أول من ظاهر في الإسلام أوس بن الصامت.. فلاحَى امرأته خولة بنت ثعلبة (أي نازعها وشاتمها) فقال: أنت عليّ كظهر أمي، ثم ندم على ما قال، فقال لامرأته: ما أراك إلا قد حرمت علي. قالت: ماذكرت طلاقا وإنما كان هذا التحريم فينا قبل أن يبعث الله رسولِه. فأت  رسول الله فاسأله عما

صنعت؟ فقال: إني لأستحيي منه أن أسأله، فأت أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، عسى أن تكسبينا منه خيرا، تفرجين به عنّا ما نحن فيه. فلبست ثيابا ثم خرجت حتى دخلت عليه في بيت عائشة فقالت: يا رسول الله إن أوساً من قد عرفت، أبو ولدي وابن عمّي وأحب الناس إليّ، وقد عرفت ما يصيبه من اللمم، وعجز مقدرته وضعف قوته وعيّ لسانه. وأحق من عاد عليه أنا بشيء إن وجدته وأحق من عاد عليّ بشيء إن وجده هو، وقد قال كلمة، والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقا. قال: أنت عليّ كظهر أمي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أراك إلا قد حرمت عليه. فجادلت رسول الله صلى الله عليه وسلم مرارا ثم قالت: اللهم إني أشكو إليك شدة وجدي وما شقّ عليّ من فراقه. اللهم أنزل على لسان نبيك ما يكون لنا فيه فرج. قالت عائشة: فلقد بكيت وبكى من كان معنا من أهل البيت رحمة لها ورقة عليها، فبينما هي كذلك بين يدي رسول الله تكلمه، وكان رسول الله إذا نزل عليه الوحي يغطّ في رأسه ويتربّد وجهه وتجد بردا في ثناياه ويعرق حتى يتحدر منه مثل الجمان. وسري عن رسول الله وهو يبتسم فقال: قد أنزل الله فيك وفيه. ثم تلا عليها: )قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها(. ثم قال: مريه أن يعتق رقبة. فقالت: وأي رقبة! والله ما يجد رقبة وماله خادم غيري. ثم قال: مريه فليصم شهرين متتابعين. فقالت: والله يا رسول الله ما يقدر على ذلك. قال: فمريه فليطعم ستين مسكينا. قالت: وأنّى له هذا؟ قال فمريه فليأت أم المنذر بنت قيس فليأخذ منها شطرَ وسْق تمرا فيتصدق به على ستين مسكينا. فنهضت فترجع إليه فتجده جالسا ينتظرها فقال: يا خولة ما وراءك؟ قالت: خيرا.. قد أمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تأتي أم المنذر فتأخذ منها شطر وسق تمرا فتصدق به على ستين مسكينا([22]).

هذه هي خولة بنت ثعلبة.. يقع عليها ظلم.. هو من بقايا الجاهلية.. فتهرع إلى رسول الله لتجد عنده الحل.. وعندما قال لها رسول الله: ما أراك إلا قد حرمت عليه.. قالت: يا رسِول الله إلى الله أشكِو.. فيسمع الله شكاتها وينزل فيها قرآنا يعطيها حقها.. ويريح بالها وبال زوجها.. ويرسم للمسلمين الطريق في مثل هذه المشكلة العائلية.

لم تعد المرأة التي تمثلها هنا خولة بنت ثعلبة.. أنثى فينظر إليها المجتمع على أنها من سقط المتاع.. بل عضو مهم في المجتمع.. إذا وقع عليها ظلم رفعت أمرها إلى رسول الله.. ثم إلى الله.. والله يسمع حوارها ويتكرم فيحكم في أمرها..

في خلافة عمر.. وقف طويلا معها يسمع كلامها.. فقيل له: يا أمير المؤمنين أتقف لهذه العجوز..؟ فقال: ومالي لا أقف.. إنها خولة.. أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمع عمر؟

 

زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تجير أبا العاص

 

خرج أبو العاص بن الربيع إلى الشام في عير لقريش، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تلك العير قد أقبلت من الشام، فبعث زيد بن حارثة في سبعين ومائة راكب، فلقوا العير بناحية العيص، فأخذوها وما فيها من الأثقال وأسروا ناسا منهم أبو العاص بن الربيع. فلم يعد أن جاء المدينة، فدخل على زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بسحر -وهي امرأته- فاستجارها فأجارته، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، قامت على بابها فنادت بأعلى صوتها: إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس هل سمعتم ما سمعت؟ قالوا: نعم. قال: فوالذي نفسي بيده ما علمت بشيء مما كان حتى سمعت الذي سمعتم، المؤمنون يد على من سواهم يجير عليهم أدناهم، وقد أجرنا من أجارت. فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم إلى منزله، دخلت عليه زينب فسألته أن يرد على أبي العاص ما أخذ منه، ففعل وأمرها أن لا يقربها، فإنها لا تحل له مادام مشركا. ورجع أبو العاص إلى مكّة فأدّى إلى كل ذي حقّ حقّه، ثم أسلم ورجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم مسلما مهاجرا، فردّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بذلك النكاح الأول([23]).

 

هذه لوحة معبرة.. فيها معاني كثيرة.. فالإسلام رفع مكانة المرأة بحيث تجير على القوم.. وتستطيع أن ترفع قضيتها أمام نادي قومها بملء فمها.. فيومها لم يكن صوت المرأة عورة.

أصابنا ما أصاب الناس

 

عن أبي موسى الأشعري قال: دخلت امرأة عثمان بن مظعون على نساء النبي صلى الله عليه وسلم فرأينها سيئة الهيئة. فقلن لها: مالك، ما في قريش رجل أغنى من بعلك! قالت: مالنا منه من شيء، أما نهاره فصائم وأما ليله فقائم. فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فذكرن ذلك له، فلقيه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا عثمان أما لك فيّ أسوة؟ قال: وما ذاك يا رسول الله فداك أبي وأمّي؟ فقال: أما أنت فتقوم الليل وتصوم النهار، وإن لأهلك عليك حقّا، وإن لجسدك عليك حقّا، فصلّ ونم، وصم وأفطر. فأتتهم المرأة بعد ذلك عطرة كأنها عروس فقلن: مه. قالت: أصابنا ما أصاب الناس([24]).

خطيبة النساء أسماء بنت يزيد بن السكن

 

قال ابن عبد البر: روي عن أسماء بنت يزيد أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني رسول من ورائي من جماعة نساء المسلمين، كلهن يقلن بقولي، وعلى مثل رأيي: إن الله بعثك إلى الرجال والنساء، فآمنّا بك واتبعناك، ونحن معشر النساء قواعد بيوت، ومواضع شهوات الرجال، وحاملات أولادهم، وإن الرجال فضلوا بالجمعات وشهود الجنائز والجهاد، وإذا خرجوا للجهاد حفظنا لهم أموالهم، وربّينا أولادهم، أفنشاركهم في الأجر يا رسول الله..؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انصرفي يا أسماء وأعلمي من وراءك من النساء أنّ حسن تبعِّل إحداكن لزوجها وطلبها لمرضاته، واتباعها لموافقته يعدل كل ما ذكرت للرجال...)([25]).

    

هذه لوحة مهمة.. في حياة المرأة والمجتمع.. وهي لا تعني أن تتوقف المرأة عن كل واجباتها وتكتفي بحسن التبعل لزوجها.. بل تعني:

·        أنه بدون طاعة الزوج تنهار الأسرة وتخرب المجتمعات.

·        وأنه لاحق بدون واجب.. وأن لهنّ مثل الذي عليهنّ بالمعروف..

·        وأن قيامها بحق زوجها وبيتها وأبنائها نوع آخر من الجهاد خصّ الله به المرأة دون الآخرين.

أم المؤمنين عائشة وحديث الإفك

 

قال تعالى:

) إöنَّ الَّذöينَ جَاءُوا بöالْإöفْكö عُصْبَةñ مöنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرñ لَكُمْ لöكُلّö امْرöئٍ مöنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مöنَ الْإöثْمö وَالَّذöي تَوَلَّى كöبْرَهُ مöنْهُمْ لَهُ عَذَابñ عَظöيمñ . لَوْلَا إöذْ سَمöعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمöنُونَ وَالْمُؤْمöنَاتُ بöأَنْفُسöهöمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إöفْكñ مُبöينñ . لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهö بöأَرْبَعَةö شُهَدَاءَ فَإöذْ لَمْ يَأْتُوا بöالشُّهَدَاءö فَأُولَئöكَ عöنْدَ اللَّهö هُمُ الْكَاذöبُونَ . وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهö عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فöي الدُّنْيَا وَالْآَخöرَةö لَمَسَّكُمْ فöي مَا أَفَضْتُمْ فöيهö عَذَابñ عَظöيمñ . إöذْ تَلَقَّوْنَهُ بöأَلْسöنَتöكُمْ وَتَقُولُونَ بöأَفْوَاهöكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بöهö عöلْمñ وَتَحْسَبُونَهُ هَيّöنًا وَهُوَ عöنْدَ اللَّهö عَظöيمñ. وَلَوْلَا إöذْ سَمöعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بöهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانñ عَظöيمñ . يَعöظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لöمöثْلöهö أَبَدًا إöنْ كُنْتُمْ مُؤْمöنöينَ . وَيُبَيّöنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتö وَاللَّهُ عَلöيمñ حَكöيمñ . إöنَّ الَّذöينَ يُحöبُّونَ أَنْ تَشöيعَ الْفَاحöشَةُ فöي الَّذöينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابñ أَلöيمñ فöي الدُّنْيَا وَالْآَخöرَةö وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ . وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهö عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفñ رَحöيمñ(([26]).

وحديث الإفك، الذي تناول بيت النبوة الطاهر الكريم، وعرّض رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم إنسان على الله، وعرّض صديقه الصديق أبي بكر -رضي الله عنه- أكرم إنسان على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرّض رجلاً من الصحابة هو صفوان بن المعطل رضي الله عنه يشهد رسول الله أنه لم يعرف عنه إلا خيرا.. ويشغل المسلمين في المدينة شهرا من الزمان..

هذا الحادث.. قد كلف أطهر النفوس في تاريخ البشرية كلها آلاما لا تطاق، وكلف الأمة المسلمة كلها تجربة من أشق التجارب في تاريخها الطويل، وعلق قلب رسول الله وقلب زوجه عائشة التي يحبها، وقلب أبي بكر الصديق وزوجه، وقلب صفوان.. شهرا كاملا. علقها بحبال الشك والقلق والألم الذي لا يطاق.

ونحن هنا، نريد التعليق باختصار على موقف أمنا عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها.. في خضم هذا الحدث الجلل.

·    لقد أراد المرجفون النيل من الإسلام ومن صاحب الرسالة فاختاروا هدفهم في شخص السيدة عائشة بنت الصديق. فقد كانت شخصية هامة على كل الأصعدة: الأقرب من قلب رسول الله، والأفقه في دين الله، ومن بيت الصديق أقرب المؤمنين إلى رسول الله، ترعى المسلمات اجتماعيا، صاحبة رأي وفكر.. ومن هنا فإن تسديد الهدف لهذه الشخصية الكبيرة سيكون ذا وقع كبير وتأثير شديد على الإسلام وعلى صاحب الرسالة.

·    كانت عائشة وهي الجارية حديثة السن حكيمة في تناولها للموضوع فلم تحاول إثبات براءتها بالكلام.. فما جدوى ذلك أمام حديث تناقله الناس وصدقه من صدقه، فلئن قلت لكم: إني بريئة لا تصدقونني.. ولا أقول إلا كما قال أبو يوسف: )فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون(.

·    عائشة البريئة.. كانت تدرك أن الله تعالى مبرئها.. ولكنها لم تتوقع أن ينزّل الله تعالى في شأنها قرآنا يتلى. ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأمر يتلى. ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله تعالى بها.. وهكذا رفع القرآن من مكانة المرأة، واهتم رب العزة لقضيتها.. وأنزل فيها قرآنا يتعبد المسلمون بقراءته إلى ما شاء الله.. فبعد أن كانت المرأة في أنحاء الدنيا في جاهلية العرب وخارجها إنسانا هامشيا لا يحسب له أحد حسابا.. إذا به تنشغل السماء بمظلمته.. وينزل القرآن.. يبرئ صاحبة هذه المظلمة.

·        واستعلت عائشة بالوسام القرآني.. وكانت تفخر أبدا بقولها: (أنا التي أنزلت براءتي من السماء).

ولم يكن وساما لصدر أمنا عائشة فحسب بل ولصدر جميع بناتها المسلمات الداعيات في كل مصر وعصر.

زينب بطلة كربلاء

 

هي حفيدة النبي.. بنت علي بن أبي طالب.. وأمها فاطمة.. وجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم. شهدت مأساة كربلاء.. ورأت بأم عينيها استشهاد أبيها وأهلها.. واجهت ابن زياد الأمير الطاغية بشجاعة نادرة وهي أسيرة لا تملك لنفسها ولمن معها شيئا.

قال زياد: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم.. فقالت زينب: الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه صلى الله عليه وسلموطهرنا من الرجس تطهيرا، لا كما تقول أنت، إنما يفضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا والحمد لله.

قال الطاغية: كيف رأيت صنع الله بأهلك؟

قالت: كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجّون إليه، فتختصمون عنده.

وفي موقف آخر لبطلتنا زينب يوم سيقت مع الأسرى إلى يزيد بن معاوية فقالت له: أظننت يا يزيد أنه أخذ علينا بأطراف الأرض وأكناف السماء فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى أن بنا هواناً على الله وأن بك عليه كرامة؟ وتوهمت أن هذا لعظيم خطرك، فشمخت بأنفك ونظرت في عطفيك جذلان فرحا. إن الله أمهلك فهو قوله: )ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خيرñ لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين(([27]).

 

وستعلم أنت ومن بوأك ومكّنك من رقاب المؤمنين إن كان الحكم ربّنا والخصم جدّنا وجوارحك شاهدة عليك أينا شر مكانا وأضعف جندا.

هذه هي زينب بنت علي بطلة كربلاء.. بنت أمير المؤمنين علي وسيدة نساء العالمين فاطمة.. وحفيدة أعظم المرسلين.. فهل يستكثر عليها أحد مثل هذه المواقف..؟

 

هند بنت عتبة تبايع رسول الله

 

ذهبت هند بنت عتبة مع النساء متنكرة لتبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

تبايعن على أن لا تشركن بالله شيئا:

قالت هند: إنك والله لتأخذ علينا ما لا تأخذ على الرجال، فسنؤتيكه.

قال: ولا تسرقن.

قالت: والله إن كنت لأصبت من مال أبي سفيان الهنة والهنة.

فقال أبو سفيان وكان حاضرا: أما ما مضى فأنت منه في حل.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أهند؟

قالت: أنا هند، فاعف عمّا سلف عفا الله عنك.

قال: ولا تزنين. قالت: وهل تزني الحرّة؟

قال: ولا تقتلن أولادكن.

قالت: ربّيناهم صغارا وقتلتهم يوم بدر كبارا فأنت وهم أعلم.

فضحك عمر حتى استلقى.

قال: ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن.

قالت: والله إن إتيان البهتان لقبيح وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق.

قال: ولا تعصينني في معروف. قالت: ما جلسنا هذا المجلس ونحن نريد أن نعصيك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: بايعهن واستغفر لهن الله([28]).

اللوحة اليوم تمثل هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان زعيم قريش.

حملت لواء التحريض على المسلمين.. حتى فتح مكة.. فلما أسلمت جاءت تبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم.. كانت قائدة في كل مواقفها.. في التحريض يوم أحد.. في تآمرها على سيدنا حمزة.. في وقوفها في وجه زوجها يوم أسلم.. وأخيرا في إيمانها وبيعتها وحوارها المتميز مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

الخنساء بنت عمر

 

قدمت الخنساء على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومها بني سليم فأسلمت معهم وحسن إسلامها.

حضرت حرب القادسية ومعها بنوها الأربعة فصارت تعظهم وتحرضهم على القتال في سبيل الله وعدم الفرار من الزحف ومما قالت: (يا بني إنكم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين، وإنكم لأبناء أب واحد وأم واحدة ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم).

فلما أصبحِِوا باشروا القتال واحِدا بعد واحد حتى قتلوا جميعا فلما بلغها استشهِادهم قالت: الحمد لله الذي شرفنِِي بقتلهم وأرجو مِن ربي أن يجمعني بهم فِي مستقر رحمتِه، وكان عمر بِن الخطاب يعرف لها حسن صنيعها ومنزلتِها في الإسلام ويعطيها عطاء أربعة رجال حتى قبض رضي الله عنه.

هذه هي الخنساء الشاعرة.. التي ملأت الدنيا بكاء على أخيها صخر الذي مات في الجاهلية..

ألا يا صخر لا أنسِاك حتى      أفارق مهجتي ويشق رمسي

يذكرني طلوع الشمس صخرا     وأبكيه لكل غروب شمِِس

فلما أسلمت.. ارتفعت اهتماماتها.. وتغيرت نظرتها فلم تعد تجزع لموت ابنها أو أخيها.. بل وهي التي تحرض أبناءها الأربعة ليموتوا في سبيل الله.. هكذا صنع الإسلام من الشاعرة الكبيرة في الجاهلية مسلمة خالدة عظيمة في الإسلام.

 

خولة بنت الأزور

 

خرجت خولة مع أخيها ضرار بن الأزور إلى الشام وأظهرت في الواقعات التي دارت رحاها بين المسلمين والروم بسالة فائقة.

أسر أخوها ضرار في إحدى المعارك فحزنت عليه حزنا شديدا وقالت في ذلك:

أبعد أخي تلذ الغمض عيني        فكيف ينام مقروح الجفون

سأبكي ما حييت على شقيق        أعز علي من عيني اليمين

فلو أنِي لحقِت به قتيِلا       لهان عليّ إذ هو غير هون

وإنّا معِِِشر من مات منّا       فليس يموت موت المستكين

ثم هجمت على عساكر الروم كأنها النار المحرقة فزعزعت كتائبهم وحطمت مواكبهم ثم غابت في وسطهم فما هي إلا جولة الجائل حتى خرجت وسنانها ملطخ بالدماء من الروم، فقلق عليها المسلمون وهم لا يعرفون من هذا الفارس فقال رافع بن عميرة: ليس هذا الفارس إلا خالد بن الوليد. ثم أشرف عليهم خالد، فقال رافع: من الفارس الذي تقدم أمامك فلقد بذل نفسه ومهجته؟ فقال خالد: والله إنني أشد إنكارا منكم له، ولقد أعجبني ما ظهر منه ومن شمائله، ثم حمل المسلمون على الروم، فكانت أشد منهم حملا وضربا وكانت كأنها الصاعقة على القوم وهي ملثمة لا يعرفها أحد، فلما رأى خالد ذلك، أقسم عليها خالد وقال: عزمت عليك أيها الفارس أن تكشف اللثام عن وجهك حتى نعرفك، فلم يرد الفارس جوابا حتى أقسم خالد مرارا فقالت: أنا خولة بنت الأزور وقد علمت أن ضرارا أخي أسير. فركبت وفعلت حتى أخلص أخي، فقال خالد: نحمل بأجمعنا ونرجو من الله أن نخلص أخاك فنفكه.

قال عامر بن الطفيل: كنت عن يمين خالد حين حملوا وحملت خولة أمامه وحمل المسلمون وعظم على الروم ما نزل بهم من خولة بنت الأزور وقالوا: إن كان القوم كلهم مثل هذا الفارس فما لنا بهم من طاقة، وقد خلص المسلمون ضرارا أخاها من الأسر.

خولة بنت الأزور.. هي مجرد نموذج لمواقف المرأة المسلمة المجاهدة.

 

خديجة الكبرى مثلهن الأعلى

 

كان محمد صلى الله عليه وسلم، بعيدا عن ترهات قومه، حبب إليه الخلاء، فكان يأخذ السويق والماء ويذهب إلى غار حراء في جبل النور يتحنث ويتعبد ويتفكر في ملكوت السموات والأرض، وفيما وراءها من قدرة مبدعة.

وكانت خديجة تؤمن له الهدوء الشامل، والاستقرار الكامل، تأخذ له الطعام إلى الغار إذا أبطأ عنها.. وتكلؤه بحبها إذا حضر إليها، كانت مقتنعة بعمله.. مدركة بفطرتها السليمة أن لزوجها شأنا عظيما..

وعلى رأس الأربعين عاما، جاء الحق محمدا  وهو في غار حراء، جاءه الملك فقال:

اقرأ، فقلت:

ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فضمني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال:

اقرأ، فقلت:

ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال:

)اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم(.

فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة، فقال:

زملوني زملوني، لقد خشيت على نفسي يا خديجة.

وتواجه خديجة العظيمة الموقف الكبير بمفردها، فلا تجزع ولا ترتبك ولا تتردد.. بل وتخاطب الزوج الخائف وتقول:

كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. آبشر يا ابن عم واثبت فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة.

ولا تكتفي بذلك التطمين الأوليّ لتثبيت القلب الخائف.. فتأخذ بيده إلى ابن عمها ورقة بن نوفل.. وكان شيخا كبيرا تنصر في الجاهلية.. فتقول له:

يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة:

يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال ورقة:

هذا هو الناموس الأكبر نزّله الله على موسى، ليتني فيها جَذَعَا أنصرك حين يخرجك قومك، ولئن أدركني يومك لأنصرنك نصرا مؤزرا([29]).

هل هناك شجاعة أعظم، أو حكمة أبلغ، أو موقف أكرم من فعل خديجة هذا وموقفها..؟

ألا تستحق أن تكون مثلهن الأعلى..؟

بل رغبت بالفراش عنك

 

نقضت قريش عهد الحديبية، وشعرت بخطورة الموقف.. فلم يعد لها قبل بمحمد وجنوده.. فقررت أن تبعث زعيمها أبا سفيان يفاوض عنها.. يعتذر عن الغدر ويطمع بأن يجدد محمد الهدنة.. وتهيب أبو سفيان لقاء محمد.. فرأى وهو السياسي المحنك أن يتوسل بابنته أم المؤمنين أم حبيبة إلى لقاء القائد المظفر محمد صلى الله عليه وسلم.

(وفوجئت به أم المؤمنين يدخل بيتها، ولم تكن قد رأته منذ هاجرت إلى الحبشة، فوقفت تجاهه بادية الحيرة، لا تدري ماذا تفعل أو ماذا تقول.. وعندما أراد الجلوس.. اختطفت الفراش.. ويسألها أبوها: أطويته يا بنية رغبة بي عن الفراش، أم رغبة بالفراش عني؟ وجاء الجواب: (هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت رجل مشرك، فلم أحب أن تجلس عليه)!

هكذا تغيرت الموازين.. وانتهى عصر التفاخر بالآباء.. وانزاحت قيم الجاهلية.. ليرتفع مكانها لواء الدين الخالد.. وميزان الإيمان بالله وبرسول الله.

 

بنت بائعة اللبن

 

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتفقد أحوال الرعية ذات ليلة، فسمع امرأة تقول لابنة لها: قومي إلى ذلك اللبن فامذقيه بالماء، فأجابت الفتاة:

·        يا أمتاه، أو ما علمت بما كان من عزمة أمير المؤمنين.. قالت المرأة:

·        وما كان عزمته يا بنية؟ قالت:

·        أنه أمر مناديه فنادى: لا يشاب اللبن بالماء، فردت المرأة قائلة:

·        قومي إلى اللبن فامذقيه بالماء، فإنك بموضع لا يراك عمر، ولا منادي عمر! فردت الفتاة:

·    يا أمتاه، إن كان عمر لا يعلم، فإله عمر يعلم، والله ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلاء.. فلما أصبح عمر، قال لابنه عاصم: اذهب إلى مكان كذا وكذا، فإن هناك صبية، فإن لم تكن مشغولة فتزوج بها، لعلّ الله أن يرزقك منها نسمة مباركة([30]).

وصدقت فراسة الفاروق.. فقد تزوج عاصم من تلك الصبية، فولدت له (أم عاصم) فتزوجها عبد العزيز بن مروان.. فولدت له الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم أجمعين.

 

جيل قرآني فريد

 

أخرج الطبراني عن أم سليم رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: (اصبري، فوالله ما في آل محمد شيء منذ سبع، ولا أوقد تحت بُرمة لهم منذ ثلاث).

وأم سليم واحدة من هذا الجيل القرآني الفريد.. لم ينفرد الرجال دونهم بأي فضل..!

آمنوا وتحملوا في سبيل إيمانهم كل ما تفتقت عنه عبقرية الكفر من تعذيب واضطهاد.. وبايعوا رسول الله على الإسلام وعلى النصرة وعلى الجهاد.. صبروا على قلة الزاد، وكان طعامهم ومعهم نبي الله، التمرَ والماء.

وإذا كانت المرأة المسلمة اليوم وقد نسيت رسالتها، وقلدت في معركة الحياة غيرها، وصارت تشترط الشروط، وتعدد المآكل والمشارب، ولا ترضى بالقليل أو البسيط أو الرخيص..

إذا كانت فعلت ذلك فلأنها قطعت وشيجة صلتها بأختها الأولى أم سليم، وعائشة حب رسول الله، وفاطمة الزهراء التي تزوجت عليا وليس لها وله غير جلد كبش ينامون عليه بالليل ويعلفون عليه ناضحهم بالنهار. وعندما طلبت من أبيها خادما.. علمها دعاء بدل الخادم..

هذه هي المرأة المسلمة التي ربت أجيال الصحابة فكانوا أعظم جيل يحمل أسمى رسالة.. وبإمكان أختها المسلمة اليوم أن تواصل الطريق ولا تحتاج إلا لعدة أختها من قبلها: إيمان وعزم، وصبر على الدعوة ومصابرة.

سلام وكلام وطعام

 

أخرج البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال:

كانت منا امرأة تجعل في مزرعة لها سلقا (نبات يؤكل). فكانت إذا كان يوم الجمعة تنزع أصول السلق فتجعله في قدر، ثم تجعل قبضة من شعير تطحنه فتكون أصول السلق عَرْقَه (أي بمثابة العظم بلحمه الذي يوضع في الطعام).

قال سهل: كنا ننصرف إليها من صلاة الجمعة، فنسلم عليها، فتقرب ذلك الطعام إلينا، فكنا نتمنى يوم الجمعة لطعامها ذلك.

هذا الحديث الصحيح يذكره سهل بن سعد رضي الله عنه بمناسبة الجوع الذي تعرّض له أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. ففي الحديث الذي أخرجه الترمذي عن أبي طلحة رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع ورفعنا ثيابنا عن حجر على بطوننا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حجرين. وفي أحاديث كثيرة تحدثت كيف خرج أبو بكر رضي الله عنه بالهاجرة (عند الظهيرة) إلى المسجد، فلقي عمر وسأله: يا أبا بكر، ما أخرجك هذه الساعة؟

قال: ما أخرجني إلا ما أجد من حاق (شدة) الجوع.

قال عمر: وأنا والله ما أخرجني غيره.

في ظل هذه الأوضاع المادية الصعبة، كانت امرأة مسلمة، مدركة لمسؤولياتها تجاه إخوانها في الدين وهم يعانون آلام الفقر والجوع.. تطبخ لهم كل جمعة، آكلة من سلق وشعير، وتقدمها لهم بعد صلاة الجمعة. يقول الصحابة: كنا نتمنى يوم الجمعة لطعامها ذاك.

 

 الشهيدة بنان الطنطاوي

 

كتبت لزوجها عصام العطار رسالة مؤثرة وقد أحست بالمؤامرة تكاد تطبق عليها وعلى أسرتها.

كم أتمنى يا عصام -وهذا جزءñ من ضعفي البشري- أن نعود قبل موتنا إلى دمشق، وان نقضي ما بقي من حياتنا -إن كان في حياتنا بقية- هناك، وأن ندفن عندما يحمُّ أجلنا بجوار من سبقنا من أهلنا وأحبابنا في تربة الدحداح أو الباب الصغير.. ولكن يبدو لي -والموت يتعقبنا في كل وقت وفي كل مكان- أننا سندفن في الغربة كما عشنا في الغربة.. بعيدا عن الأهل والوطن.

أرجو يا عصام -إن كتب عليّ الموت في غربتي- أن تطلب من أمي وأبي وأخوتي وسائر أهلي العفو عما جرّعتهم إياه منذ سبعة عشر عاما من آلام الغربة وانشغال البال، وأن تخبرهم بما تعرفه يقينا من أنني ما ندمت قط على أن سلكت معك هذا الطريق، وبأنني كنت سعيدة كل السعادة بما كابدته معك في سبيل الله عزّ وجل.

عاهدني يا عصام، إذا قتلني الطغاة ألا يوهن عزمك الحزن، وأن تتابع جهادك كما كنت تجاهد من قبل بغاية القوة والإصرار والاستمرار.. وأنا أعاهدك -إذا كتب الله لك الشهادة- أن نتابع الطريق الذي سلكناه معك طريق الإسلام العظيم.. إلى أن نظفر بإحدى الحسنيين: الشهادة أو النصر، ونلقى الله عزّ وجلّ وهو عنّا راض..

وسبقت رصاصات الغدر إلى قلب الشهيدة العظيمة الداعية الكبيرة بنان.. وبقي عصام كالطود الشامخ أمينا على الذكريات.. مستمرا على طريق الدعوة([31])..

 

رسالة مستمرة

 

·    عبر التاريخ الإسلامي لعبت المرأة المسلمة دورا يتفاوت قوة وضعفا مع مدى تمسك الدولة بالأعراف والتعاليم الإسلامية. وفي العصر الحديث ظلمت المرأة كما ظلم الرجل.. ومنذ ستين سنة بدأت الحركة الإسلامية الحديثة تشق طريقها في وسط المؤامرات العاتية التي يدبرها الغرب والشرق ضد شعوبنا المسلمة.. ولعبت المرأة المسلمة التي آمنت بسمو هذه الدعوة دورا مشرفا في كل الظروف..

·    في مصر حدثت في أوائل الخمسينات مجزرة للإسلاميين، أعدم من أعدم، وسجن من سجن، آلاف الأبرياء أصبحوا خلف القضبان.. وبالمقابل آلاف الأسر أصبحت بلا عائل.. الدعوة أصبحت بلا حراس، وقامت الأخت بالدور كاملا.. طمأنت من في السجون بأنها راعية للبيوت حافظة للأطفال أمينة للعهود.. فاطمأن الجميع وسارت قافلة الإيمان.. كلهم راع ومسؤول عن رعيته.

بعد عام 1965م حدثت مذبحة أخرى للدعاة.. وكان شهيدها هذه المرة المفكر الإسلامي سيد قطب.. حدثني أحد المقربين من هذه الأسرة أن رجال المباحث جاءوا صبيحة اليوم الذي تقرر فيه إعدام سيد.. جاءوا إلى أخته الصغرى حميدة وحاولوا إقناعها بأنهم لا يريدون إعدام سيد.. وما عليها إلا أن تقنع أخاها بالتنازل قليلا وتأييد النظام القائم.. واضطرت للذهاب إليه وأخبرته فقال لها: وماذا ترين يا حميدة؟

قالت: أرى أن تمضي لما تراه من الحق.. الحق أحق أن يتبع..

·    كنت في زيارة المستشار مأمون الهضيبي في أعقاب عملية أجراها في قلبه.. فبادرني وقال: اذهبوا وفتشوا عن أولئك النسوة اللواتي قمن بدور عظيم في محنتنا.. يعادل بكل تأكيد دور من كانوا خلف القضبان..

·    لقد تناوبت الأخت الفلسطينية مع زوجها في الخندق وهي تحمي الديار والذمار، ولم يضعا السلاح إلا يوم أقنعتهم الجيوش العربية أن دورهم انتهى، وهم -أي الجيوش- ستحرر البلاد. فسلموها للغاصب وأخرجوا أهلها مشردين لاجئين. إن من يتابع أحداث الكفاح الدامي في فلسطين اليوم يرى ويسمع الأخت المسلمة تهتف إلى جانب أخيها: بالروح بالدم نفديك يا فلسطين..

·    يوم انسحبت الجيوش المدججة بالسلاح ودخل اليهود لبنان عام 2891م، لم يجد هؤلاء من يقاومهم غير الأخوات المسلمات.. كنّ يقذفنهم بالحجارة ويصببن الماء أو الزيت المغلي على رؤوسهم من شرفات المنازل..

·        في تركيا ساهمت الأخت المسلمة التي انضمت إلى حزب الرفاه في المعركة الكبرى التي تخوضها تركيا في معركة إثبات الهوية.

·        في ماليزيا تحتل الأخت المسلمة مكانها اللائق في الحركة الإسلامية.

·    بل إن فتيات السودان يزاحمن أشقائهن الشباب في نصرة دين الله.. في كافة الميادين.. ميدان الخدمات الاجتماعية أو الإغاثة وحتى ميدان التدريب العسكري والمشاركة في تحرير جنوب البلاد..

في جميع بلدان العالم الإسلامي من فاسها في المغرب إلى أقصى شرقها في جاكرتا عانت الفتاة من الاعتداء على حريتها.. الأنظمة الفاسدة تريد إفسادها.. فلم تستطع هذه الأنظمة أن تتحمل رجعة المرأة إلى دينها والتزامها بحجابها فصارت قضية حجاب المرأة المسلمة وهو من ألزم خصوصياتها.. ومن أقرب الأمور التي تخص حريتها الشخصية.. صار الحجاب الشغل الشاغل لهذه الحكومات. وما تزال المرأة صامدة في معركة التغيير الحضاري..


[1]  رواه الخمسة إلا أبو داود.

[2]  حياة الصحابة 1: 290.

[3]  الشيخان.

[4]  البيهقي.

[5]  مسلم.

[6]  البخاري.

[7]  أحمد وصححه الحاكم وابن حبان.

[8]  مع المرأة المسلمة - منتدى المرأة المسلمة ص 15.

[9]  حياة الصحابة 1: 437.

[10]  الأنفال - 30.

[11]  صور من حياة الرسول - أمين دويدار، ص- 246.

[12]  سيرة ابن هشام 2: 131.

[13]  الكنز 7 : 57، وحياة الصحابة 1:744.

[14]  الحج - 25.

[15]  الكامل لابن الأثير 4: 356، والبداية والنهاية لابن كثير 8: 333.

[16]  يوسف - 25.

[17]  رواه أحمد وأبو داوود.

[18]  رواه ابن حبان.

[19]  الأحزاب - 36.

[20]  رواه البخاري ومسلم.

[21]  رواه ابن ماجه.

[22]  رواه البخاري ومسلم.

[23]  فتح الباري.

[24]  رواه الطبراني.

[25]  الاستيعاب 4: 233.

[26]  النور 11- 12.

[27]  آل عمران - 178.

[28] القرآن والمرأة - محمد شلتوت، ص- 6.

[29] رواه الشيخان.

[30]  اختيار الزوجين في الإسلام - حسن محمد يوسف، ص- 59.

[31]  دور المرأة المسلمة - بنان الطنطاوي.

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error