مازالت قضية المرأة تشغل بال الإسلاميين اليوم الذين يرغبون في إعادة بناء الأمة على أساس الإسلام وهدي شريعته.. وهم منقسمون في نظرتهم لهذه القضية.. ففريق يرى أن المرأة المسلمة يكفيها اهتمامها ببيتها.. وتربية أطفالها..وحسن تبعلها لزوجها.. مديرة لمطبخه ومربية لأطفاله ومدبرة لبيته.. إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرّته، وإن أقسم عليها أبرّته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله.. إذا مرض هو أو أحد أبنائها كانت لهم الممرضة الساهرة.. إذا أحسن إليها شكرت، وإن قصّر معها صبرت.. هذا الفريق من الرجال تكفيه هذه المواصفات في المرأة المسلمة.
وفريق آخر من الإسلاميين لا يكتفي بذلك.. بل يصرّ على أن يعطيها ما أعطته لها الشريعة الغراء.. بأن تكون شريكة الرجل في بناء الحياة..
وإذا زعم الفريق الأول.. أن الزمان فاسد.. وأن الفتنة كبيرة.. وان ما أعطته الشريعة للمرأة إنما كان لزمان غير هذا الزمان.. زمان كانت الأخلاق فيه حميدة والآداب قرآنية والمرأة شديدة الالتزام والرجال شديدو الحرص.. إذا زعموا ذلك ردّ عليهم الفريق الآخر.. إن الشريعة واحدة.. وصاحبها هو الذي يعلم خلقه وما يصلح لهم.. وإن فساد الزمان تصلحه الشريعة.. ولا تزيده ردود الفعل إلا مزيداً من الإرهاق. ولا يزعمن أحد أنه أغير على أعراض المسلمين أو أغير على دين الله من رسول الله صلى الله عليه وسلم. إن رسول الله مع غيرته على أعراض المسلمين أن تنتهك يغار أيضا على عقول النساء وقلوبهن أن تضمر وتذبل.
كانت المعركة بين الإسلاميين.. وبين العلمانيين أو المتغربين، فأصبحت بين الإسلاميين أنفسهم.. والأمر في مجمله ظاهرة صحية.. فإذا ارتضى الفرقاء وضع هذه القضية على بساط البحث مع توفر حسن النية عند الجميع.. فسيصلون لا محالة إلى ما يرضي الله ويصلح المجتمع.. وفي الأثر (لا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها).
هذا الكتاب (المرأة في موكب الدعوة) يجد نفسه مع الفريق الثاني.. ليس تعصبا وإنما التزاما بالهدي، وفهما للواقع.
ولا بأس أن ننظر في المجتمع الإسلامي النموذج الذي أقامه النبي محمد صلى الله عليه وسلم.. ننظر في البيوت والطرقات.. في الدعوة والهجرة.. في الفداء والجهاد.. في البيعة والسياسة.. في اختيار الحاكم وتسديده.. في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. في الزواج والطلاق.. في الخطأ والصواب.. نحب أن نرى الهدي النبوي الكريم في كل زاوية (مهما صغرت) من زوايا المجتمع الإسلامي.. وكيف تصرفت المرأة فيها.
1- الرجل يسلم على المرأة والمرأة تسلم على الرجل
في الطريق أو البيت أو المسجد، يتقابل الرجل مع المرأة، فيتبادلان التحية والسلام. فقد ورد في الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمرّ بنساء فيسلم عليهن() . وفي حديث آخر أن أم هانئ (بنت عم النبي صلى الله عليه وسلم) أتت النبي فسلمت عليه فقال: مرحبا بأم هانئ(). وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا مرّ بجنبات أم سليم دخل عليها فسلّم عليها().
2- اللقاء في المسجد
وفي المسجد يلتقون، والمسجد يومها مركز للصلاة والعبادة، ومركز للعلم والثقافة، ومركز للنشاط الاجتماعي والسياسي، ومركز للقاءات والاحتفالات، فكيف يمكن أن تكون المرأة بمنأى عن ذلك كله..؟
ولقد حذّر رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال من أن يمنعوا نساءهم أو بناتهم من بيوت الله ففي الحديث عن عبد الله بن عمر قال: كانت امرأة لعمر تشهد صلاة الصبح والعشاء في الجماعة في المسجد فقيل لها: لم تخرجين وقد تعلمين أن عمر يكره ذلك ويغار..؟
قالت: وما يمنعه أن ينهاني..؟
قال: يمنعه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تِمنعوا إماء الله من بيوت الله)().
وإذا كان هذا الحديث قد ذكر صلاتي الفجر والعشاء.. فإنه صح أن النساء كن يشاركن في بقية الصلوات في المسجد.. ويشتركن في صلاة الجمعة وصلاة الكسوف والجنازة والاعتكاف وغيرها من الصلوات.
فإذا قيل الصلاة جامعة: أقبل المسلمون والمسلمات من كل الأرجاء ليستمعوا للتوجيه النبوي. عن فاطمة بنت قيس قالت: (نودي في الناس أن الصلاة جامعة، فانطلقت فيمن انطلق فكنت في الصف المقدم من النساء وهو يلي المؤخر من الرجال)() .
في هذا المجتمع الفاضل، وتحت إشراف النبي صلى الله عليه وسلم، نبتت بذور الخير.. وأشرقت أنوار الحق.. ومن ثم انتشر نورها ليعم الأرض في أعظم دعوة هي دعوة الإسلام.. مع أعظم جيل هو خير القرون.. النساء فيه شقائق الرجال.. في أعظم لقاء مبارك بين فصائل المجتمع.
وفي كل مجتمع تقع انحرافات.. تقلّ أو تكثر.. تعالج بالطرق المناسبة.. ولكنها لا تحرم أحدا حقه.. فعندما وقعت حادثة اعتداء على إحدى المسلمات وهي في طريقها إلى المسجد لصلاة الصبح.. عالج النبي صلى الله عليه وسلم الحادثة.. ولكن ذلك لم يؤثر على حق المرأة في ارتياد المسجد().
ولقد حث الإسلام المرأة التي تحضر إلى الصلاة في المسجد:
· أن تتجنب الطيب، لقوله صلى الله عليه وسلم: إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا().
· وأن تلتزم الصفوف الخلفية.. فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (خير صفوف الرجال أولها، وخير صفوف النساء آخرها)().
3- المشاركة في طلب العلم
وإذا كانت المجتمعات المتحضرة تُبنى على العلم، فقد تسابقت المرأة والرجل في المجتمع المسلم للتزود من مناهل العلم، فطلبه فريضة على كل مسلم ومسلمة.
جاء في الحديث أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا من نفسك يوما نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله. فقال: اجتمعن في يوم كذا وكذا في مكان كذا وكذا فاجتمعن فأتاهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلمهن مما علمه الله().
كانت المرأة معتزة بعلمها.. وربما ناقشت الرجال وصححت لهم.. ففي الحديث عن أبي موسى قال: فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم قالت أسماء بنت عميس: يا نبي الله إن عمر قال: سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله منكم. قال: فما قلت له: قالت قلت له: كلا والله كنتم مع رسول الله يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم وكنا في أرض البعداء بالحبشة. قال رسول الله : ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة ولكم هجرتان().
ولقد استدركت السيدة عائشة رضي الله عنها على ثلاثة وعشرين من أعلام الصحابة مثل عمر وعلي وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم، وقد نقل عنها وحدها ربع الشريعة.
وعندما قال رسول الله: يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار (سارعن بالاستفهام والاستغراب) وقلن: وبم يا رسول الله؟
قال تكثرن اللعن وتكفرن العشير. ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب لöلب الرجل الحازم من إحداكنّ. قلن وما نقصان ديننا وعقلنا..؟ قال: أليس شهادة المرأة نصف شهادة الرجل؟ فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصلّ ولم تصم؟ فذلك نقصان دينها().
فاطمأنت النساء إلى أنهن (وهن مظنة الضعف) يتغلبن على الرجال ذوي الحزم.. أما ماعدا ذلك من نقصان فيتعلق بفطرتهن وتكوينهن الجسماني الذي خلقهن الله عليه، وهو أمرñ عارضñ لا حيلة لهن فيه.
ومن يقرأ أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم يجد عددا وفيرا منها، تسأل فيه المرأة رسول الله لتتعلم.. وفي الحديث عن سبيعة بنت الحارث وقد توفي عنها زوجها وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته.. فدخل عليها أبو السنابل وقال: والله ما أنت بناكح حتى تمرّ عليك أربعة أشهر وعشرا. قالت سبيعة: فلمّا قال ذلك جمعت عليّ ثيابي وأتيت رسول الله فسألته: فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي().
لقد ترددت سبيعة فيما أفتاها به أبو السنابل.. فذهبت إلى النبي لتتأكد.. وتتعلم.
4- اللقاء في الحج
والحج برلمان المسلمين. على صعيده يلتقون من كل فج عميق.. ليشهدوا منافع لهم. ومنذ وقف الرسول القائد على صعيد عرفات يلقي بيانه الإسلامي الشامل.. والمسلمون يتسابقون للمشاركة في هذا المؤتمر العظيم.
وفي الحج يلتقي الرجال والنساء بالطواف والسعي وكل المناسك، ففي الحديث عن أبي جريج قال: أخبرنا عطاء (إذ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال) قال: كيف تِمنعهن وقد طاف نساء النبي صلى الله عليه وسلم مع الرجال؟ قلت: بعد الحجاب أو قبل؟ قال: أي لعمري لقد أدركته بعد الحجاب() .
5- المشاركة في الجهاد
والجهاد ذروة سنام الإسلام.. حمى بيضته.. ونافح مناوئيه..
ولقد شاركت المرأة الرجل الجهاد وحماية الدعوة.. كل حسب قدرته.
ففي الحديث عن أنس قال: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم.. ولقد رأيت عائشة وأم سليم وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما (أي الخلاخيل) تنقلان القرب على متونهما.. ثم تفرغانه في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآنها() .
وعن الربيع بنت معوذ قالت: كنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم فنسقي القوم ونخدمهم ونرد الجرحى والقتلى إلى المدينة().
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم أحد: (ما التفت يمينا ولا شمالا إلا وأنا أرى أم عمارة تقاتل دوني)().
وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ناس من أمتي يركبون البحر في سبيل الله.. فقالت أم حرام يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم.
قال: اللهم اجعلها منهم. فخرجت مع زوجها عبادة بن الصامت غازيا أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية() .
6- المشاركة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب كل مسلم ومسلمة.
قال تعالى: )والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر(().
وفي الحوار الذي دار بين الحجاج وأسماء بنت أبي بكر.. درس بليغ لمن أراد أن يتعظ.. قال الحجاج: كيف رأيتني صنعت بعدو الله (يقصد ولدها عبدالله بن الزبير)؟
قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك. بلغني أنك تقول له يا ابن ذات النطاقين، أنا والله ذات النطاقين. أما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدّث أن في ثقيف كذابا ومبيرا. فأما الكذاب فرأيناه، وأما المبير فلا أخالك إلا إياه().
وعن زيد بن أسلم أن عبد الملك بن مروان بعث إلى أم الدرداء بأنجاد من عنده، فلما أن كان ذات ليلِة قام عبد الملك من الليل فدعا خادمه فكأنه أبطأ عليه فلعنه، فلما أصبح قالت له أم الدرداء: سمعتك الليلة لعنت خادمك حين دعوته، فقالت: سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة().
7- والرجل ينظر للمرأة بما يدعوهما للزواج
والزواج وسيلة المسلم لإقامة الأسرة.. التي هي اللبنة الأولى في إقامة المجتمع.. فإذا كانت الأسرة نتيجة إقبال من الشاب والفتاة، وحسن اختيار كل منهما للآخر، كانت بالتالي لبنة صالحة في بناء المجتمع الفاضل..
فعن سبيعة بنت الحارث.. التي توفى عنها زوجها وهي حامل فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته فلما تعلّت من نفاسها تجملت للخطاب().
وفي الحديث عن أبي هريرة قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار فقال له رسول الله: أنظرت إليها..؟ قال: لا، قال: فاذهب فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا().
وعن المغيرة بن شعبة قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له امرأة أخطبها فقال: اذهب فانظر إليها فإنه أجدر أن يؤدم بينكما. فأتيت أبويها وأخبرتهما بقول النبي صلى الله عليه وسلم، فكأنهما كرها ذلك قال: فسمعت ذلك المرأة وهي في خدرها فقالت: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك أن تنظر فانظر وإلا فأنشدك. قال: فنظرت إليها فتزوجتها().
ينظر إلى الوجه وغير الوجه إن استطاع. عن محمد بن سلمة قال: خطبت امرأة. فجعلت أتخبأ لها حتى نظرت إليها في نخل لها. فقيل له: أتفعل هذا وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا ألقى الله في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها().
8- المشاركة في حفلات الاستقبال والزواج
والمناسبات كثيرة.. وإظهار المشاعر مطلوب.. والفرح مثل الحزن.. كلها تعبر عن ضمير الناس وعشقهم لدعوتهم. فعندما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة استقبلته النسوة وهن يهتفن طلع البدر علينا من ثنيات الوداع.
وأورد الترمذي حديثا لبريرة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه فلما انصرف جاءت جارية فقالت: يا رسول الله إني نذرت إن ردك الله سالما أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا)().
ومن سنن الزواج: الإعلان، وإظهار الفرح، والوليمة، واجتماع الناس فرحين لفرحة أخيهم وأختهم..
في الحديث عن عائشة تصف حفلة عرسها قالت:
فجاءت بي أمي.. فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على سريره وعنده رجال ونساء من الأنصار.. فوثب الرجال والنساء، وبنى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتنا().
وفي الحديث عن عائشة: أنها قالت زُفّت امرأة من الأنصار فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا عائشة ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو().
وفي رواية قال: هل بعثتم معها جارية تضرب بالدف وتغني؟ قلت: تقول ماذا؟ قال: تقول:
أتيناكم أتيناكِِِِِِِم فحيانِِا وحياكِِِِم
ولولا الذهب الأحِِِِمِ ِِر مِِا حلت بواديكم
ولولا الحنطِِة السمِِرا ء مِِا سمنِت عذاريكم
وعن عامر بن سعيد قال: دخلت على قرظة بن كعب وأبي مسعود الأنصاري في عرس، فإذا جوار يغنين فقلت: أي صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بدر، يفعل هذا عندكم..؟ فقالا: اجلس إن شئت وإن شئت فاذهب فإنه قد رخص لنا في اللهو عند العرس().
وعن سهل قال: لما عرّس أبو أسيد الساعدي، دعا النبيَ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فما صنع لهم طعاما ولا قربه إليهم إلا امرأته أم أسيد().
9- المشاركة في صلاة العيد وأفراحه
وإذا كان لكل أمة عيد، فأعياد المسلمين هي عيد الفطر وعيد الأضحى، فيهما يلتقي المسلمون، يتواصلون ويفرحون.. وفي الحديث عن أم عطية قالت: كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد حتى نُخرج البكر من خدرها، ونخرج الحيّض، فيكنّ خلف الناس، فيكبّرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته() .
وفي العيد كان السودان يلعبون بالدرق والحراب، وعندما رغبت عائشة أن تنظر، أقامها النبي وراءه خدي على خده وهو يقول دونكم يا بني أرفده().
وعن عائشة قالت: دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان. فقال أبو بكر: أبمزامير الشيطان في بيت رسول الله..؟!
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا().
10- اللقاء في الزيارة
والحب في الله هو الآصرة التي تجمع القلوب وترص الصفوف، وليس الإيمان إلا الحب والبغض في الله.. والحب هو سلامة الصدر، والدعاء في ظهر الغيب، والإيثار، ووسيلة كل ذلك التزاور.
في الزيارة تلتقي المرأة مع الرجل.
وفي الحديث عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة فقال لها: ما شأنك؟
قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا().
وفي الحديث عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي نسوة من بني حرام من الأنصار().
وفي الحديث عن عائشة قالت: دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي امرأة من اليهود().
وعن أنس أن جارا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فارسيا كان طيب المرق فصنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جاء يدعوه فقال: وهذه (يشير لعائشة)...؟ فقال: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا. فعاد يدعوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهذه..؟ قال: لا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا. ثم عاد يدعوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهذه..؟ قال: نعم، في الثالثة. فقاما يتدافعان (أي رسول الله وعائشة) حتى آتيا منزله().
وعن سهل قال: جاءت امرأة ببردة، وقالت: يا رسول الله إني نسجت هذه بيدي أكسوكها. فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجا إليها فخرج إلينا وإنها إزاره().
وعن عائشة أنها قالت: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وُعöكَ أبو بكر وبلال قالت: فدخلت عليهما فقلت: يا أبت كيف تجدك..؟ ويا بلال كيف تجدك..؟().
وعن أبي مليكة قال: استأذن ابن عباس على عائشة قبل موتها وهي مغلوبة (من شدة كرب الموت)، قالت: ائذنوا له فقال: كيف تجدينك..؟ قالت: بخير إن اتقيت().
11- اللقاء على الطعام والشراب
واللقاء على الطعام والشراب محبب ومندوب.. ولقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يستجيبوا لإخوانهم إذا دعوهم..
في الحديث عن عائشة: أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقُرب إليه لحم فجعل يناولها. قالت عائشة: فقلت يا رسول الله لا تغمر يدك.. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة إن هذه كانت تأتينا أيام خديجة وإن حسن العهد من الإيمان().
وعن أبي هريرة: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يضيف هذا..؟
فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته فقال أكرمي ضيف رسول الله().
12- اللقاء عند مراجعة أولي الأمر
في الحديث عن عائشة قالت: إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى عليّ بعضه هي تشتكي زوجها إلى رسول الله().
وعن جبير بن مطعم عن أبيه قال: أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن ترجع إليه، قالت: أرأيت أن جئت ولم أجدك..؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لم تجديني فأتي أبا بكر().
وعن كعب بن مالك قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلي الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم.. فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا ولكن لا يقربك. قالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء().
وعن عائشة أن فاطمة والعباس عليهما السلام أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما حينئذ يطلبان أرضيهما من فدك وسهمهما من خيبر().
13- اللقاء عند التقاضي
في الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما: جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ما أنقم على ثابت في دين أو خلق إلا أني أخاف الكفر.. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فتردين عليه حديقته؟ فقالت: نعم. فردت عليه وأمره ففارقها().
وعن عائشة قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا جالسة وعنده أبو بكر فقالت: يا رسول الله إني كنت تحت رفاعه فطلقني فبت طلاقي فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنه والله ما معه إلا مثل الهدبة (الخيط) وأخذت هدبة من جلبابها. فسمع خالد بن سعيد قولها وهو بالباب لم يؤذن له. قالت: فقال خالد: يا أبا بكر ألا تنهى هذه عما تجهر به عند رسول الله؟ فلا والله ما يزيد رسول الله على التبسم، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة..؟ لا، حتى يذوق عُسيلتك وتذوقي عسيلته().
اعتِراضِات
ولا يستسيغ الكثيرون النتيجة التي وصلنا إليها.. لا تشكيكا بالأحاديث وكلها صحيحة.. بل في تفسير الأحداث وتوجيهها..
· فهم تارة يقولون: إن الذي فعله الرسول صلى الله عليه وسلم هو من خصوصياته، ويردّ الأئمة المعتبرون هذا القول.. بقولهم: ما أحله الله لنبيه فهو حلال لأمته ما لم يقم دليل على التخصيص().
· ومنهم من يستشهد بالآية الكريمة (وقرن في بيوتكن) على انها القاعدة الأساسية في سلوك المرأة.. وان بيتها أولى بها وأنه هو الأصل وهو المقر، وما عداه استثناء طارئ لمقتضى الحاجة وبقدرها.. ويرد بعض الأئمة هذا القول، باعتبار الآية خاصة بنساء النبي().
ومثل ذلك الآية الكريمة.. )وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن(().
والآية هنا تخص نساء النبي.. والحجاب المقصود هو الساتر الذي تجلس المرأة خلفه (كالجدار).. لا اللباس السابغ الذي ترتديه المرأة المسلمة عند خروجها.
· ومنهم من يستشهد بالحديث: إياكم والدخول على النساء. فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال الحمو الموت..
ولقد أجمع العلماء: البخاري والترمذي وائمة الشراح كابن حجر والنووي.. أن النهي هنا عن خلوة الرجل بالمرأة.
· ومنهم من يستشهد بحديث أم حميد أنها جاءت إلى رسول الله فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك. قال: قد علمت، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك. وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجد الجماعة().
وهذا الحديث لا يتناقض مع الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي نهى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال عن منع النساء حظوظهن من المساجد إلا إذا كان حضور المرأة إلى المسجد يضيع وقتها ويحول دون القيام بواجباتها البيتية.
· ومنهم من يستشهد بقول عائشة: لو أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن من المسجد(). لقد رأت عائشة من النساء ما تنكره من تطيب وتزين.. ولكن أحكام الشارع لا ينسخها كلام أحد من الناس..
· ومنهم من يستشهد بالحديث: المرأة عوره فإذا خرجت استشرفها الشيطان().
وهذا الحديث كناية عن الفتنة.. ولقد أرشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي علاج الفتنة فقال: فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله فإن ذلك يرد ما في نفسه.
· ومنهم من يستشهد بالحديث: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة عليها السلام: أي شيء خير للمرأة..؟ قالت: ألا ترى رجلا ولا يراها رجل، فضمها إليه وقال: ذرية بعضها من بعض).
والحديث ضعيف الإسناد لا يصلح للاحتجاج به..
· وهناك من يقول: إن هناك نصوصا تفيد مشروعية لقاء النساء بالرجِِال، ولكن كثيرا من العلماء يرون منعَ مثل هذا اللقاء من باب سدّ الذريعة، وذلك أن طبيعة المرأة التي خلقها الله عليها فيها كثير من الفتنة، والواجب شرعا أن نعمل على درء الفتنة.
والجواب على ذلك:
أولا- أن التشريع إلالهي يقيم توازنا بين مقاصده وقواعده. فقد شرع للمرأة أن ترى الرجال ويراها الرجال ولم يحظر ذلك سدّا للذريعة. إنما وضع له آدابا رفيعة تكفل أمن الفتنة، فتتم الرؤية في طهر وعفاف.
قال تعالى: )ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن(().
وقال تعالى: )قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم(().
وقال تعالى: )وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهنّ ويحفظن فروجهنّ(().
ثانيا- وشرع للمرأة لقاء الرجال والاجتماع بهم ولم يحظره سدّا للذريعة. إنما وضع له آدابا تكفل أمن الفتنة فيتم اللقاء في طهر وعفاف. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لايخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم)().
ثالثا- وشرع للمرأة الكلام مع الرجال، ولم يحظره سدّا للذريعة. إنما وضع له آدابا تكفل أمن الفتنة فيتم الكلام في طهر وعفاف.
قال تعالى: )فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا(().
ومن يتتبع دور المرأة يجد الكثير من هذه الممارسات رغم احتمالات الفتنة().
فلا سبيل للخلاص من الفتن بالهروب من مجالات الحياة التي شرعها الله، ولا بحظر ما أباحه الله،ولا بإقامة الحواجز والسدود على غير ما أمر الله.
معا في بناء الحياة
وكما رأينا.. فإن المجتمع المسلم.. تبنيه الفئة المؤمنة.. يشترك الرجل والمرأة في البناء..
· ولا أساس لما يقال بأن صوت المرأة عورة،
· وأنها بالتالي لا تسلم ولاترد السلام،
· وأثيرت شكوك حول صلاتها في المسجد،
· أو مشاركتها في حلقات العلم..
· أو في بقية مجالات الحياة..
· (نبينا يوصي بأن تذهب النساء إلى المساجد (تَفöلاتٍ) أي غير متعطرات ولا متبرجات، ولكن البعض يرى أن تذهب النساء إلى المساجد بثياب المطبخ، والبعض يرى ألاّ تذهب أبدا.
· وفي البخاري أن النبي أجاز أن يسلّم الرجال على النساء، فجاء من يقول: ذاك عند أمن الفتنة! أو ذاك مع النسوة المحارم أو العجائز أو الدميمات. لقد كان جهد الشراح وقف العمل بهذا التوجيه النبوي، وكلما امتد الزمن زادت هذه الشروح قوة حتى ألغت الأصل المتبع.
· ونبينا القائد محمد صلى الله عليه وسلم يفرض التعلم على كل مسلم ومسلمة.. فيأتي من يزعم أن عمر بن الخطاب منع النساء من تعلم الخط، كأنه يرى الأمية أولى بهن!..
المرأة الأوروبية أو اليهودية تشارك مدنيا وعسكريا في بناء الدولة.. والمرأة عندنا ليس لها دور ثقافي ولا سياسي.. ذكر اسمها عيب، ورؤية وجهها حرام، وصوتها عورة، وظيفتها الأولى والأخيرة إعداد الطعام والفراش!. ومازال هناك من يردد: إن السفهاء هم الصبية والنساء!)().
بين الاختلاط المأمون والخلوة المحرمة
وهنا تبرز قضية الاختلاط. يقول بعض الكتاب المعاصرين(). الذين كتبوا في موضوع المرأة.. إن المجتمع الإسلامي مجتمع متعاون.. وإن هذا الفصل الجازم بين الجنسين لم يحدث في المجتمع الإسلامي إلا في عصور الانحطاط.. عندما مالت الحياة للترف وحبست المرأة في أقسام الحريم..!
والأحاديث التي ذكرناها وكثير غيرها تؤكد أن المجتمع المسلم كان مجتمعا فاضلا، يلتقي فيه الرجال بالنساء في معظم المناسبات.. في إطار من الفضيلة والأخلاق الكريمة()..
كثيرون لا يقبلون ذلك بل ويستفظعونه ويكثرون من الاستشهاد بالقول المنسوب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم عندما يسأل ابنته فاطمة عليها السلام فيقول: أي شيء خير للمرأة؟ قالت: ألا ترى رجلا ولا يراها رجل، فضمها إليه وقال: ذرية بعضها من بعض، وهو حديث واه ضعيف.
كنت في أحد المؤتمرات الطلابية في أمريكا.. وكان للأخوة قاعة وللأخوات قاعة أخرى تنقل إليها المحاضرات ويشاهدونها عن طريق التلفزيون.. وكان سؤال من إحداهن: وماذا نفعل إذا أصبحت بناتنا شابات في سن الزواج.. أين يراها الشاب المسلم وأين تراه.. والناس تعيش في مناطق متباعدة.. فإذا لم توفر لهن فرصة اللقاء في مثل هذه المؤتمرات.. أتستكثرون بعد ذلك أن يتزوج الشاب المسلم ممن يصادفها في الطريق.. أو أن تبقى الفتاة المسلمة أسيرة بيتها فلا تتزوج؟
ولقد أحاط الإسلام هذه اللقاءات والمشاركات بسياج من العفة والرصانة.. بحيث تؤدي الغرض، وتمنع الشطط. قال تعالى: )وقلن قولا معروفا(().
فلا ينطلق اللسان كيفما يهوى.. ولا يتبذل اللقاء ولا يهبط مستواه.. وغض البصر ومنعه من الاسترسال يمنع الفتنة. قال تعالى: )قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم، ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون. وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن، ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها(().
أما المصافحة فقد صحّ عنه صلى الله عليه وسلم قوله: (إني لا أصافح النساء)().
ومنع الإسلام الخلوة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم)().
هذه آداب عامة لابد من الالتزام بها في مثل هذه اللقاءات.. وهناك آداب أخرى أكثر صرامة تخص المرأة كالزي المحتشم والجدية في التخاطب والوقار في الحركة. قال تعالى: )ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن(().
وقال تعالى: )فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا(().
وقال تعالى: )ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى..(().
تناقضات تحتاج إلى علاج
يصفون مجتمعاتنا بالمتخلفة.. أو النامية التي لم تستقر بعد، فهي كالزلزال الذي يهدأ قليلا ليثور ويجرف مع حممه كل ما يصادفه أمامه.. ولهذا التخلف أسباب عديدة.. بعضهم يرجعها إلى الحاكم المستبد الذي أضاع ثروة الأمة في حشد الأنصار وشراء الذمم وإطلاق جيش الاستخبارات والمحاسيب لحماية شخصه أو حزبه أو مكتسباته.. وبعضهم يرجعها للفرد المظلوم لöمَ لمْ يرفع عن نفسه الظلم.. أو يضرب في الأرض، فأرض الله واسعة.. أو يصبر ويصابر مهما كانت الظروف لتغيير المجتمع بشكل تدريجي.. المعادلة صعبة ولكنها ليست مستحيلة.. فالمكتسبات التي ينالها الفرد والمجتمع مثل المعالم على الطريق تبقى ويبقى تأثيرها مهما حاولوا اقتلاعها أو نسفها.. وبالتدريج يمتد الطريق وتزداد المعالم حتى يصل الجميع إلى المجتمع الفاضل المنشود.. تماما كما فعل المسلمون في المجتمع المكي.. تضافرت الجهود.. وكافح الجميع: النبي وأصحابه.. الرجال والنساء.. الكبار والصغار.. غرسوا في الأرض شجرة الإيمان ودافعوا عنها وسقوها بعرقهم وماء حياتهم.. هاجروا فرارا بدينهم إلى الحبشة ثم إلى المدينة..
فتشوا عن مواقع آمنة ينطلقون منها.. حتى اشتد ساعد الدعوة وتهيأت الفرصة وصار الناس يدخلون في دين الله أفواجا.. يومها ما كان أحد يسأل.. هل يجوز للصبية الصغيرة فاطمة أن تتقدم للدفاع عن أبيها.. أو هل يجوز للصبايا الصغار عائشة وأسماء أن يضطلعن بدور رئيس في ترتيبات هجرة النبي إلى المدينة.. لم يتساءل أحد عن استشهاد سمية إلى جانب ياسر تحت وطأة التعذيب على يد طغاة قريش..
لقد فهم المجتمع المسلم التعليمات النبوية.. عندما خاطب النبي عمه العباس وعمته صفية.. وخاطب ابنته فاطمة بأن يعملوا فلن يغني عنهم من الله شيئا.. فأخذ كل فرد طريقه في موكب الدعوة.. كل حسب قدرته.
والمجتمع المسلم اليوم الذي تحكمَ فيه المستبدون.. ونام فيه المكلفون.. وانشغل مصلحوه بقضايا فرعية جانبية لا قيمة لها في تحريك الهمم ولا نهضة الأمم.. مطالب اليوم أن ينهض معتمدا الوسائل التي نهض بها المجتمع المسلم الأول.. فلا يصلح هذا الأمر إلا بما صلح به أوله..
· فيعاد للمسجد دوره.. يرتاده الشاب والشابة.. يشاركون معا في إعادة بناء الحياة الإسلامية..
· وتنتشر حلقات العلم في المدارس والمعاهد والندوات.. يرتادها جميع طبقات الأمة.. فلا تتقدم أمة جاهلة مهما استطالت..
· وفي ندوات العلم ينشغل الرجال والنساء بالصالح النافع من العلوم ويزداد اهتمام الجميع بأحوال المسلمين.. فمن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.. وتنمحي أفكار التعصب والارتباط بالآباء والتفاخر بالأنساب.. ويصبح المسلمون كلهم أمة من دون الناس.
· وتؤسس الجمعيات والنقابات من كل لون والاتحادات الطلابية المحلية والعالمية.. تعمل على رفع مستوى الفرد والجماعة في كافة المجالات.. تمسح الشقاء والعوز عن كاهل المحتاجين.. وتعين أصحاب الأموال المكدسة على أنفسهم ليتحرروا من شحهم وبخلهم.. يسددون الحاكم ويساعدون المحكوم.. ويترفعون في أدائهم عن سفاسف الأمور.. الجميع يعمل الرجال والنساء.. فكلهم راع وكلهم مسؤول عن رعيته. في هذا الإطار العملي الجاد.. سيتشكل المجتمع بكل عناصره.. كما تشكل المجتمع الأول.. وسيصبح الأمر أكثر جدّية من السؤال عن دور المرأة...! يتسابق الجميع في أداء خدمة أكبر.. ستقتدي عنذئذ الفتاة المسلمة بأمها خديجة الكبرى عندما واجهت النبي الذي رجع من غار حراء يرجف فؤاده.. فزملته حتى ذهب عنه الروع.. وطمأنته بأن الله لا يخزيه فهو واصل للرحم يحمل الكلّ ويكسب المعدوم ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق.. وتنطلق به إلى ابن عمها ورقة.. تستشيره وتسمع منه.. لم تمكث خديجة واجمة خائفة.. تهرع إلى أقرب بيوتات بني هاشم تستنجد برجل ليعالج الموقف.. بل عالجته بشجاعة يحسدها عليها الرجال.
وستحاول الفتاة المسلمة أن تسبق الرجل في حرصها على دعوتها.. كما سبقت فاطمة بنت الخطاب أخاها عمر في الإيمان بالدين الجديد.. وستعتبر عندئذ النداء: الصلاة جامعة إنما هو نداء لها ولأخيها.. فتستجيب وتبادر من فورها لتنفيذ المهمة..
قال تعالى: )والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم(().
هل يمكننا أن نتصور كيف ستكون شخصية المرأة في مجتمع يخشى فيه الرجل المرأة.. وتهرب المرأة فيه من الرجل..؟
فتنة المرأة
وفتنة المرأة كبيرة.. عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء)().
وكذلك المال فتنة
عن كعب بن عياض: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال)().
وقال تعالى: ) واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة(().
فإذا كانت الفتن كثيرة.. فلöمَ انفردت فتنة المرأة بكل هذا الغلو والتضييق..؟ وفصلت أحاديث موضوعة على قياس المرأة.. من مثل:
· طاعة المرأة ندامة.
· شاوروهن وخالفوهن.
· لولا النساء لعبد الله حقا حقا..
· لا تعلموهن الكتابة ولا تسكنوهن الغرف.
هل لأن الرجل استضعف المرأة.. وضعف أمام فتنة المال والأولاد..؟
إن مواجهة الفتنة ومعالجة آثارها هو الطريق الذي رسمه الإسلام لأبنائه الذين يريدون بناء أنفسهم ومجتمعاتهم البناء الأمثل والأفضل.