(10)
المؤامرة الاستعمارية قيد التنفيذ
بعد سقوط السلطان عبد الحميد عام 1909، فقدت فلسطين وغيرها من بلاد العرب الحماية الحقيقية.. وشعرت الدول الغربية وحلفاؤها اليهود أن الفرصة باتت مواتية والثمرة على وشك النضوج.
فعلى صعيد الدولة العثمانية
تولى زمام السلطة فيها نفر من الضباط قليلي الخبرة.. راحوا يلهبون ظهور الشعوب العثمانية بسياط القومية والعنصرية. كانت تفوح من أردان هؤلاء رائحة المكر والتآمر.. وكانت قمة جهلهم وتآمرهم عندما أدخلوا الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى عام 1914م.
وعلى صعيد الحركة الصهيونية
فقد اعتبرت سقوط السلطان عبد الحميد خطوة كبيرة في الطريق إلى تدمير الدولة العثمانية، وبالتالي الاستفراد بفلسطين لإقامة دولتهم على أنقاض شعبها.
· فبعد المؤتمر الصهيوني الأول، عقد المؤتمر الصهيوني الثاني في أغسطس 1898م في بال بسويسرا الذي اتخذ قرارا بإنشاء البنك اليهودي، وتشجيع تعليم اللغة العبرية، وإطلاق يد هرتزل في التفاوض مع الدول الأوروبية لخدمة المسألة اليهودية بصورة رسمية.
· وفي أغسطس 1900م عقد المؤتمر الصهيوني الرابع في لندن. وجاء في خطاب هرتزل الافتتاحي: (إن انكلترا العظمى التي تطل بأراضيها على جميع بحار العالم، هي الدولة التي تفهم حركتنا وجهودنا).
أما على صعيد الدول الغربية
وهي الطامعة في اقتسام المنطقة، فقد عقد مؤتمر كامبل في لندن بصورة سرية منذ عام 1905 واستمرت جلساته حتى عام 1907م. وكان هدف المؤتمر العمل على تشكيل جبهة استعمارية من الدول الأوروبية وهي: إنكلترا، فرنسا، إيطاليا، أسبانيا، البرتغال، بلجيكا، وهولندا، وذلك لمواجهة التوسع الألماني ولتحقيق الأهداف التوسعية في أفريقيا وآسيا.
وانتهى المؤتمر إلى ضرورة توطيد الاستعمار في المناطق التي تسيطر عليها دولهم.. والتوسع في مناطق أخرى أفريقية وآسيوية. واستعرض المؤتمر الأخطار التي يمكن أن تنطلق من تلك المستعمرات وقرر:
· أن مصدر الخطر الحقيقي على الدول الاستعمارية إنما يكمن في المناطق العربية، لكونها نقطة التقاء بين الشرق والغرب، ولتوفر عدة عوامل تملكها مثل: وحدة التاريخ واللغة والثقافة والهدف والآمال فإذا توحدت هذه الشعوب فستحل الضربة القاضية على الدول الاستعمارية، وعليه فلا بد من بقاء المنطقة متأخرة ومفككة، والعمل على إنشاء دويلات مصطنعة.. كما أكد على ضرورة زرع دولة دخيلة تفصل أفريقيا عن آسيا العربية تكون حليفة للدول الاستعمارية، وهكذا اتخذت الدولة الاستعمارية قرارها بإنشاء إسرائيل.
اتفاقية سايكس - بيكو
في مايو 1916م كانت بريطانيا تجلس مع فرنسا للتفاوض على مستقبل البلاد العربية، وشارك في تلك المباحثات معتمد روسيا لتطبيق المبادئ المقررة بموجب المعاهدة الثلاثية بينهم.
وإذا أردنا تبسيط هذه المعاهدة لقلنا: إن الدول الحليفة قسمت البلاد العربية التابعة للدولة العثمانية كما يلي:
· سورياولبنان تحت الانتداب الفرنسي،.
· والعراق تحت الانتداب البريطاني، مع الاحتفاظ باتفاقات خاصة بين إمارات الخليج وبريطانيا.
· فلسطين وطن قومي لليهود، وشرقي الأردن موطن للفلسطينيين الذين سوف يهاجرون إليها بعد هجرتهم من أرضهم.
وعد بلفور
وبلفور هو وزير خارجية بريطانيا الذي أصدر الوعد المشهور في 2 نوفمبر عام 1917م وقد صاغ وعده في العبارات التالية: إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى إقامة وطن قومي في فلسطين للشعب اليهودي، وسوف تبذل مساعيها لتسهيل بلوغ هذه الغاية. وليكن معلوما أنه لا يسمح بإجراء شيء يلحق الضرر بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين الآن، أو بالحقوق التي يتمتع بها اليهود في البلدان الأخرى وبمركزهم السياسي فيها.
وخير كلام يمكن أن يقال تعليقا على هذا الوعد.. هو أن بلفور أعطى ما لا يملكه لشعب لا يستحق على حساب أصحاب الأرض والشعب الفلسطيني.
· عام 1917 دخلت القوات الإنكليزية القدس.. وتحدث المارشال اللنبي لسكان المدينة فقال: اليوم انتهت الحروب الصليبية. قال ذلك والكنائس تعلن ابتهاجها وفرحتها بهذا اليوم، بل والبابا في روما يدعو أتباعه في العالم أن يقدموا الشكر لله بمناسبة احتلال القدس، وينهاهم عن إعادتها إلى المسلمين.
· وفي أواخر عام 1918م سيطر الإنكليز على فلسطين.. ولقد حدد وايزمن أهداف الصهيونية في هذه المرحلة فقال: (إن هدفنا لا يزال الدولة اليهودية في فلسطين، ولكن بلوغ هذا الهدف لا يأتي دفعة واحدة، بل يجري على مراحل، وأول هذه المراحل أن توضع فلسطين تحت حماية دولة صديقة، لتسهل لنا الهجرة والسكنى، وتمكننا من تحضير الجهاز الإداري اللازم لبلوغ هدفنا، وأن الحكومة البريطانية موافقة على هذه الخطة، ومستعدة لتسهيل تنفيذها) .
المؤتمر العربي الفلسطيني الأول
وتحرك الفلسطينيون يدافعون عن أرضهم وبلدهم، فشكلوا مجلسا أطلقوا عليه اسم المؤتمر العربي الفلسطيني. عقد المؤتمر الأول في يناير 1919 والمؤتمر السابع والأخير في يونيو 1928. أهم قرارات المؤتمر كانت: رفض وعد بلفور، والهجرة اليهودية، والانتداب البريطاني، والمطامع الفرنسية في المنطقة، ورفض شعار فلسطين للفلسطينيين، الذي أراد به اليهود الانفراد بفلسطين وإبعادها عن بلاد العروبة والإسلام.
مؤتمر السلم في باريس
كان الممثل الوحيد الذي أتيح له حضور جلسات مؤتمر السلم في باريس هو الأمير فيصل بن الشريف حسين أمير مكة وقائد الثورة العربية.. وفي المرة الوحيدة التي تكلم فيها أمام المؤتمر ولمدة عشرين دقيقة في 6 فبراير 1919م قال: إن العرب إجمالا يشكلون وحدة في الدم والتاريخ والعقيدة واللغة ولكنه عندما طالب للبلدان العربية بالاستقلال استثنى فلسطين، بالنظر إلى طابعها العالمي، وفي مارس 1919 بعث الأمير فيصل إلى فرنكفورتر الزعيم الصهيوني الأمريكي رسالة أكد فيها على التقارب العربي اليهودي جاء فيها: (ونحن العرب، وخاصة المثقفين، ننظر برغبة شديدة إلى النهضة الصهيونية.. ولسوف نعمل كل ما في وسعنا لمساعدة اليهود ونتمنى لهم وطنا ينزلون فيه على الرحب والسعة).
لجنة كينغ - كرين
بعث الرئيس ولسون لجنة أمريكية لتقصي الحقائق، هي لجنة كينغ - كرين. وصلت اللجنة إلى يافا في 10 يونيو 1919م واتصلت بمختلف طبقات الشعب وتأكدت من رغبة الشعب الجامحة برفض وعد بلفور وتمسكه باستقلال سوريا دولة موحدة (بما فيها فلسطين).
ولقد ردت بريطانيا على تقرير اللجنة في رسالة بعث بها بلفور إلى كيرزون في 11 أغسطس 1919 جاء فيها: (في فلسطين نحن لا نعتزم حتى مجرد القيام بمراعاة السكان الحاليين. ان الدول الأربع الكبرى قد تعهدت للصهيونية، وهي ذات أهمية أبعد بكثير من أماني وأهواء سبعمائة ألف عربي يسكنون الآن تلك البلاد القديمة) .
هربرت صموئيل
هو الصهيوني المعروف الذي بعثت به بريطانيا في 6 يناير 1920 مندوبا ساميا إلى فلسطين.. ومهمته الأساسية.. إقامة دولة إسرائيل.
جاء صموئيل إلى فلسطين وهو رأس السلطة، والجيش البريطاني تحت إمرته، فعيّن ينتويتش اليهودي سكرتيرا قضائيا لتولي إصدار القوانين، فسن عددا كبيرا من القوانين التي حمت اليهود وسهلت هجرتهم، وسلم معظم الوظائف الهامة لليهود. ويكفي أن نذكر هذه المادة من الدستور الذي سنه للبلاد: (للمندوب السامي الحق أن يهب أو يؤجر أية أرض من الأراضي العمومية أو أي معدن أو منجم، وله أن يأذن بإشغال هذه الأراضي بصفة مؤقتة وبالشروط أو المدد التي يراها ملائمة)، لنعرف كيف سيطر اليهود على الأرض الفلسطينية.
إدماج وعد بلفور في صك الانتداب
يوم 20 فبراير 1920م دعا الجنرال بولز روساء الطوائف إلى اجتماع في بيته، وتلا عليهم التصريح التالي:
(قرر مجلس الحلفاء انتداب دولة فلسطين، وأن يدمج وعد بلفور بإنشاء وطن قومي لليهود في معاهدة الصلح مع تركيا. وقد عرض هذا الانتداب على بريطانيا فقبلته وهي تحكم البلاد لخير سكانها، وأتلو عليكم وعد بلفور وأقول لكم إن إدماجه في صك الانتداب يعني عدم التعرض للعادات الدينية والأماكن المقدسة، ويسمح للمهاجرين بدخول البلاد على قدر حاجتها إلى النمو والارتقاء.... إلخ).
كان وعد بلفور الخطوة الأولى لتنفيذ المؤامرة