الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: المسار
المؤلف: محمد الراشد
التصنيف: طلابي
 

محتويات الكتاب

فقه الاصطفاء

لقد علمنا التأسيس العزم، لكنه ألزمنا بمجهود جبار.

ولقد استرسلنا مع انسياب الانفتاح، لكنه ألقى على عواتقنا حملا ثقيلا.

نعم، هو واجب صعب يلقيه الإقرار بصواب هذه الخواطر على كواهل مجموع الدعاة، ولربما يرى فيها مرتاد الراحة نوع خيالات ساحت مجانا في آفاق التمني، وتلك نظرة نظرة نقد كان يمكن قبولها لو كان يسندها بذل وافر للجهود والأوقات والأموال من لدن الدعاة، ولكن أيام بعضنا قد انطبعت بإثيار السلامة، والبخل عند العطاء، ولم نعرف نجاحا في الصراع السياسي، والفكري، لا يمر بطريق الإرهاق، والكرم، وطول السهر، وإتلاف الصحة، ونسيان حقوق النفس..!

فإن كان كلامنا تجاوزات قلم، وأحلام راغب، فهي في ساعات يقظة، وفي إطار حسابات منطقية، ولذلك لم يكن لينبغي لمن ينتحل هذه الخطط ويحلم في اليقظة أن يسترسل في أحلام المنام.

ويومها، يوم بعثت الخلافة الراشدة جيوشها الصغيرة لتهدم بناء أكبر الجاهليات، جاهليات الفرس والروم والقبط، في شبه خروج عن مفاد القياس الحسابي عند من لا يعرف أثر الإيمان: أوجب عمر الفاروق رضي الله عنه على نفسه أن لا ينام، حذرًا من أن تشتبه الظنون بعزماته فيحسبها الجاهل شطحات راقد، وحين وصل معاوية بن خلدين المدينة ظهرا مبشرًا أمير المؤمنين بفتح الإسكندرية مال إلى المسجد ظانا أن عمر في قيلولة، فأرسل إليه عمر، فقال له:

(وماذا قلت يا معاوية حين أتيت المسجد؟

قال: قلت إن أمير المؤمنين قائل:

قال: بئس ما قلت، أو بئس ما ظننت، لئن نمت النهار لأضيعن الرعية، ولئن نمت الليل لأضيعن نفسي، فكيف بالنوم مع هذين يا معاوية؟)([1]).

وهي كذلك والله. فأني للداعية كثرة النوم والراحة؟

إن نام أو استراح بالنهار: ضيع أنصار دعوته ومحبيه والناشئة التي تكفل بتربيتها.

وإن نام آخر الليل: ضيع نفسه.

كلا، إن الداعية بمجرد قبوله هداية الله وانخراط في الصف فقد اختار التعب، وطلق الراحة والدعة واللهو المباح.

ولذلك لما قيل لأحد السلف: (ما الذي ينقض العزم؟ قال: طول الآمال، وحب الراحات..)([2]).

واستلفت نظر ابن القيم قوم وفقهم الله تعالى، فشغلهم بالجد، و(فرغ قلوبهم مما ملأ قلوب غيرهم من محبة الدنيا، والهم، والحزن على فوتها، والغم من خوف ذهابها، فاستلانوا ما استوعره المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون)([3]).

الرامي.. قبل السهم

بيد أن مفتاح الأمر كامن الآن، كما هو في القديم، في وجود العنصر البشري الذي يجسد الأفكار، وانتصار الإسلام لا بد أن تكون بدايته حملة تجميع وتربية لعدد من المؤمنين، يتجردون، ويتبنون قضايا الأمة، ويضغطون، ويتبعون قيادة تختار لهم الوسائل، وتوزعها عليهم، وتخطط لهم ساحة الصراع، وتنقلهم إليها، وتوقت لهم ساعة اللقاء، وتسبقهم إليها، وأما فنون التخصص فعناصر ثانوية رغم أهميتها.

من هنا فإن أي استدراك جدي يجب أن ينطلق أولا من هذه الحقيقة، بأن يسعى إلى المرور بأفراد المجتمع يجردهم جردًا، وانتقاء من تؤيد الفراسة مقدرته على المشاركة في هذا الاستدراك، واصطفاء الأخيار.

وذلك دأب سالف لعلماء الإسلام، كثر ذكره عن الأجيال الأولى منهم، ولم يلتذوا بالانزواء إلا في عصر الانحطاط، فساعدوا على أن يبالغ هذا الانحطاط في جثمته.

ففي الرهط القديم: ذكروا المحدث الثقة عبد الله بن عون، وكان يقول إنما أحبه من نفسه: إقباله عليها، ولهوه عن الناس إلا من الخير، ولكن وصفوه مع ذلك بأنه كان شديد الاختلاط بالناس([4]).

فهو بائن عنهم إذ هم في تنافسهم الدنيوي، كائن معهم يصلح ويوجه، ولم يكن ليبتغي تغييرا باختلاطه هذا كما نبغي، إذ كانت عزة الإسلام مكينة، ولكن ليحفظ بهم هذه العزة، أو ليأخذوا على يد ظالم.

وطريقة عبد القادر الكيلاني في العصر الأوسط أصرح، وأجرأ، وأقرب إلى التجانس مع الواقع، فإنه يعتبر من يقع في النفاق ضحايا، وإن على المصلح أن يخالطهم وينتشلهم كمخالطته معادن الصلاح، في عملية صعبة عليه، ولكنها ضرورية، يقول رحمه الله:

(أشد الأشياء على من عرف الله عز وجل: النطق مع الخلق والقعود معهم، ولهذا يكون ألف عارف والمتكلم فيهم واحد، إلا أنه يحتاج إلى قوة الأنبياء عليهم السلام، وكيف لا يحتاج إلى قوتهم وهو يريد أن يقعد بين أجناس الخلق، يخالط من يعقل ومن لا يعقل، يقعد مع منافق ومؤمن، فهو على مقاساة عظيمة، صابر على ما يكرهه، ومع ذلك فهو محفوظ فيما هو فيه، معان عليه، لأنه ممتثل لأمر الحق عز وجل في كلامه مع الخلق، لم يتكلم بنفسه وهواه واختياره وإرادته، وإنما أجبر على الكلام، فلا جرم يحفظ فيه)([5]).

وسيرته في إصلاح أهل العراق أبلغ في الإبانة عن طريقته من قوله هذا، وكان له دور سياسي في إسناد الوزير ابن هبيرة الدوري ضد شرذمة شهوانية ضعف أمامها الخليفة، وكان لهذا الوزير فقه وصلاح.

وهي هكذا مهمة الداعية المسلم اليوم: يخالط، ويسل، ويربي، وينظم، ويقود. فكان لابد أن نصحبه في مهمته هذه، نتعرف على الموازين التي تحكم خطته في التجميع.

 

ذهب ويورانيوم

إن (الانتقاء) هو الميزان الأهم الذي يحكم عملية التجميع، ويتمثل في جودة الاختيار للعنصر الذي ندعوه، فإن إتقان هذا الانتفاء يوفر الكثير من المتاعب، ويجنبنا أكثر المشاكل التي نعاني منها.

وطريق ذلك أن ينظر داعية الإسلام نظرة تميزية إلى من يتواجد حوله من الأفراد الذين يمكن أن يستجيبوا له إذا دعاهم، فيقسمهم إلى طبقات، وتكون الطبقة الأولى نمهم: أهل الشجاعة، والذكاء، وقوة الشخصية، والبعد عن الرياء والجدل، وممن تتوفر فيهم الأمانة وجودة النسب العائلي، وأوصاف أخري مثل هذه تؤهل الواحد منهم لأن يكون مؤثرا في غيره لو صار داعية. ثم طبقة أقل حيازة لهذه المحاسن، ثم طبقة لا تصلح، من عناصر أقعدها الجبن وفتور الذكاء وضعف الشخصية، ولا يمكن أن ينتصبوا دعاة مهما بذلنا لهم من تربية.

فاهتمام الداعية يجب أن ينصب على الطبقة الأولى في جميع مراحل المسار، عند التأسيس وبعده، ولكنه يشرع في مرحلة الانفتاح بالاهتمام بالطبقة الوسطي إذا ظن أنه قد استقطب الطبقة الممتازة، وإما طبقة الضعاف فيبقيها في دائرة خارج التنظيم، ويكون تماسه بها في المرحلة الأخيرة، وليس قبل ذلك.

هذا التقسيم إنما هو بالنسبة للصالحين، ممن لهم استعداد للالتزام الإسلامي، وأما الذين ليس لهم مثل هذا الاستعداد، ويتيهون في ظلمات الإلحاد أو غبش الشبهات، فإن من البداهة بعدنا عنهم، لكننا نتكلم عمن فيهم بوادر الاستجابة، باعتبار أن اختيار للطبقة العالية منهم يجعل عملية التربية أسهل، وبهذا الاختيار نضمن سلامة المجموعة القيادية التي سيرتكز عليها ثقل الخطة، إذ أن اقتصارنا أثناء التأسيس على تجميع أفراد الطبقة الأولى فقط من شأنه أن يجعل المراكز القيادية موزعة عليهم كنتيجة طبيعية تلقائية، ويجب أن يكون عددهم بالمقدار الذي يكفي قيادة المرحلة الأخيرة، وليس مجرد قيادة عملية التأسيس فحسب.

إننا إذا أردنا أن ندرأ الفتن داخل الجماعة فعلينا الإقلال من قبول العناصر الضعيفة ابتداء.

أفلاك عديدة

ليست هناك أي مخالفة للأدب الشرعي إذا لجأنا إلى هذا الانتقاء وامتنعنا عن قبول الجبناء أو قليلي الذكاء، ولا ترد هنا قصة عبس وتولى، وسبب ذلك أن عملنا شبيه بعمل قائد يبني جيشا، ولا يشبه عمل طبيب يعالج المرضى، فالقائد لا يصطحب إلا كل شجاع ذكي، لأن طبيعة المعارك تقتضي ذلك، ولا يناقض هذا المعني وصية تقدم بها رجل صالح إلى الإمام البنا يشبه فيها الدعوة بأنها مستشفي، فإن الدعوة هي كذلك فعلا، تعالج الناس بقربها منهم، دون الالتزام بإدخالهم صفها.

لسنا ندعي أننا الأمة الإسلامية وأن من هو خارج تنظيمنا ليس بمسلم حتى يجفل البعض إذا رأوا الانتقاء، وإنما نحن جماعة من الأمة الإسلامية انتدبنا أنفسنا لحمايتها وتذكيرها ورعاية قضاياها والسعي لحكمها بالقرآن، ولا نأخذ معنا إلا من يصلح لهذه المهمة الدقيقة الشاملة، مع بذل الحل للآخرين من المسلمين الذين تقصر قابلياتهم في نظرنا عن حمل الأعباء معنا بإجادة وإتقان، ولا نمتنع عن تكافل معهم وتساعد، ولكن من خارج التنظيم، وبعد مرحلة التأسيس الحرجة.

ولقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يختار أشد الصحابة رضي الله عنهم للصعاب، ويولي أمثال خالد الحروب، ويدني أمثال أبي بكر وعمر وزراء، ويعجبه ذكاء وجمال دحية الكلبي فيبعثه سفيرا إلى هرقل، ولم يك مناديًا على أول من يمر به ليقوم بتلك المهام، وكان الثقل يرتكز على جماعة من فقهاء الصحابة وشجعانهم وفصحائهم دون كثير من المستضعفين السذج، مع أنهم شركاء في الإيمان، كما اخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، وإيمانهم الواحد لم يمنع اختلاف الطبائع، وفي الوقت الذي كان فيه دحية يتأنق: كان خالد يمد يده ليأكل الضب.

وأما تجارب الحركة الإسلامية المعاصرة، ففيها الكثير مما يدعو إلى إعادة النظر في طبيعة التجميع الذي مارسته بلا انتقاء، إذ استجاب بعض منتسبيها إلى إغراء معروض تلوثت به سمعة الجماعة وفزع آخرون من إرهاب مفروض ففضحت أسرار عزيزة.

نعم، يمكن كسر هذه القاعدة، إذا كان الضعيف ذا صفة أخرى تؤهله لخدمة الجماعة في باب لا يتاح دخوله لكثيرين، كشاعر لا يعرف بمزيد شجاعة ينصر ببلاغته حجج الفقهاء، ويتغنى بمعاني الحماسة إذا اقتحم رهط الشجعان، أو ساذج غني يجود بماله إذا اندفع لتنفيذ الخطط الوعاة، لكن هذه المعان نادرة، ولا تنثلم القاعدة بحرصنا على مثلهم، إذ لم تشهد ساحة الفصاحة من غير المقاتلين غير حسان واحدة يؤيده الله بروح القدس.

إنما التنظيم لأهل الشمول

ومن متممات هذا الانتقاء أن نحرص على تناسق صفات الذين ننظمهم أيام التأسيس مع المنحى الشمولي الذي عرفت به دعوتنا، وهذا يقتضي أنن بتعد عن خمسة:

*نبتعد عن سالك مسالك الجمعيات الخيرية فحسب، الذي يضيق ذرعا بخط الجماعة السياسي، ويقلص سعة آفاق العمل، ويحصرها في بناء مسجد ورعاية مريض، ويعزف عن توجيه الجهود نحو مقاومة أحزاب الباطل وحكام الجور، ويصرفها إلى جوانب مفيدة، لكنها ثانوية، وتستهلك طاقة كبيرة تكون ثمنا لإنتاج ضئيل لا يوازيها.

*ونبتعد عن العنيف الحربي، المستسهل إراقة الدماء، المتأثر بأساليب الأحزاب وجرأة المغامرين، الذي يريد الوصول السريع ويعتبر العمل التربوي والصراع الفكري تعويقا وجهدًا مهدرًا، وليس له تمييز بين التهور وخط الجماعة التغييرى المتدرج.

*ونبتعد عن الباحث الفقهي المجرد، الذي يقصر دور المسلم على البحث والتدوين وجمع الكتب، دون سيرة عملية في التعليم وإرشاد العامة، ويرى كل جهد غير البحث نقصا، ويتصور الدعوة مجمعا فقهيا.

*ونبتعد عن متعبد في خلوة، مبتدع في العقيدة والسلوك، الذي ينهج منهج التفلسف، ويهجر طريق السنة المأثورة، ولا يقف عند النص الصحيح.

*ونبتعد عمن يتغاضى عن قضايا الأمة الكبيرة، ويدع منازعة الفجرة من الحاكمين والمردة من الحزبين، ويترك توجيه الموعظة إلى تاركي الصلاة، ويحكر جهده ووقته وفنه للاعتراض على الدعاة ورواد المساجد إذا تركوا بعض آداب السنة جهلا أو تقليدًا للمذاهب، ويطبع علاقته بهم بنوع من التوتر والعبوس، ويطيل معهم الجدل.

ليس لهؤلاء الخمسة محل في تنظيمنا، وإنما هو التعامل معهم من خارج، وبلا  التزام، ما لم يسبب هذا التعامل ضررًا.

إننا لا ننكر الخير الذي يذهب إليه بعضهم، إنما ننكر فهمهم القاصر وبعدهم عن الشمول، ونخشى أن يحرفوا الدعوة عن شمولها إذا عملوا في داخلها.

إن خطتنا تشيع الفقه، وتربي بالتعبد، وتحث على التمسك بآداب السنة وتتناول بعض العمل الخيري، وتعتمد القوة، ولكن بمقدار الحاجة، أو بمقدار ما نملك من طاقة، في توازن وتدرج، وبحكمة وموعظة حسنة، وفي جو من التآخي والتحاب.

الآثار السلبية لمرحلة ما بين المرحلتين

ويحسن التنبيه إلى مشكلة تعد من سلبيات الفترة الأخيرة من مرحلة التأسيس، وتتمثل في صعوبة عملية انتقاء العنصر الجيد العالي الصفات إذا أراد الداعية ذلك، بل غالب من يستجيب له: عناصر يتضح فيها ضمور الاستعداد الفطري لأداء دور قيادي، وقلة الإبداع، ولهم طبيعة تميل إلى التعبد، أو المطالعة، أو مجالسة الأقران، دونما اقتدار على التجميع والتحدث للناس.

وهي ظاهرة تتكرر أيضًا في الحركات المكتملة المنتهية من مرحلة التأسيس إذا أجبرتها الظروف السياسية الصعبة على الصمت والتوارى، والانسحاب، والعمل الهادئ، الشيبة بمرحلة التأسيس.

بل إن فترة ما بين المرحلتين، هذه لها تأثير أبعد من مجرد قلة ورود العناصر الجيدة، فالملاحظ أنها توقف القدماء عند مستوى معين وصلوة ليس بعده تحسن واضح.

نعم، تلك طبيعة ما بين المرحلتين، حين تكاد الدعوة أن تنتهي من مرحلة التأسيس الموصوفة بالبعد عن السياسية والتجرد لإلحاح في التربية والتي لم تدخل بعد مرحلة الانفتاح السياسي الموصوفة بكثرة التفاعل مع الأحداث واتخاذ المواقف السياسية والفكرية المعلنة تجاه الحكومة والأحزاب، فهي بين بين، كأنها جيش أتم تدريبه ولا ينتظر عملا حربيا قريبا، يكون الانتظار مملا لأفراده.

فمرحلة التأسيس الأولى تملأ أفرادها همة، لأنهم يستشعرون أنهم يخوضون معركة حياة أو موت، فإما أن ينجحوا في التأسيس أو يفشلوا، ولذلك تكون حواسهم جميعا في أقصى درجات الاشتغال، وحماستهم في أحر لهم الاشتعال.

وأما مرحلة الانفتاح فتجبر أحداثها الدعاة على الانغماس في تيار العمل، ويفتح لهم باب شغل خير منتج كل يوم، وتجد القيادة مجال استغلال لطاقات كثير من المنتسبين الضعفاء الذين لم يكونوا يستطيعون القيام بجهد منتج خلال فترة التأسيس.

وهكذا تفتقد المجموعة أثناء فترة ما بين المراحل الهمة الذاتية التي يبعثها شعور التأسيس، مثلما تفتقد التحريك التلقائي الذي تندفع فيه بفعل يوميات الانفتاح وما فيه من تصارع سياسي وفكري وبذلك تنشأ حالة من الفراغ الذي تكسل فيه الحواس، وهي طبيعية في الأعمال الجماعية غير غربية، ولا ينبغي لليأس أن يتولد خلالها، ولا أن نكثر التخوف منها، لأنها وقتية.

والظن الراجح المؤيد ببعض التجارب أن الانتقال إلى مرحلة الانفتاح والمشاركة السياسية من بعد الهدوء، يكفل انتماء العناصر ذات الذكاء والشجاعة وقوة الشخصية، وإنما يبتعد هؤلاء عن الانتماء في مراحل العمل الهادئ لأنهم يجدونه لا يرضي تطلعاتهم، ولا يرونه ردًا مناسبا لحجم الخطر الداهم، إذ ليس لهم من الوعي الحركي والتجريب ما يقنعهم بضرورة المرحلية والانتظار الإيجابي الذي تلجأ له الجماعة لتكميل نقصها، ولا لهم حساب مصلحي يدلهم على صواب الانحناء للعاصفة القوية حتى تمر.

 

ولكل جيشه ساقة

ومع ذلك فإن هذا الحرص على العنصر العالي الصفات لا يصح أن يدعونا إلى الاستطراد في رد من يقبل علينا من العناصر الأقل كفاية، بل لا بأس من أن نحتويهم إذا انتهى التأسيس، ونحو لهم للمكوث في  زوايا تنظيمية ثانوية، لا نطلب منهم مشاركة جادة، ولا نعول عليهم في شيء كبير، ونخصص لهم من يديرهم ممن ليس له دور مهم في تنفيذ الخطة.

إن أقرب التسميات اللائقة لهم أن يقال عنهم أنهم (الخزين التنظيمي)، فكما أن المعامل حين الكساد تحول إنتاجها إلى المخازن وتنتظر تحرك السوق وتحسن الأسعار، فكذلك التنظيم يخزن هؤلاء المؤمنين، ويدخرهم ليوم ينفعون فيه بدل تركهم للضعف والشيطان.

فمن منافعهم: اشتراكهم في توزيع النشريات الحركية، وقيامهم بأعمال الحراسة أو المراسلة، ومساهمتهم المالية، وتربيتهم أولادهم ليكونوا جنودًا في الحركة، ولياقتهم لأداء كثير من أعمال الإصلاح العام، وأقل منافعهم أن يكونوا هم وأهل بيتهم أصواتا انتخابية، وهذه منافع جمة تكاد تلغي الأساس المنطقي الذي قام عليه مبدأ الانتقاء، لولا ما يتكفل به هذا المبدأ من إتحاف الدعوة بعناصر ذات فوائد أكبر من هذه وأعلى، من الذين يصلحون لتنفيذ الأعمال الدقيقة التي بينتها الخطة.

 

ضرورة علم الأنساب

ومما يستحب للداعية، ويزيده مهارة في فقه الاصطفاء: أن يكون صاحب اطلاع مناسب على أنساب أهل قطره، ومدينته التي يعيش فيها بخاصة، بمطالعة الكتب ذات العناية بذلك، أو بسؤال من له معرفة ومخالطة للناس واسعة، فيعلم فروع القبائل والعشائر ومواطن إقامتها والمتصدرين فيها، من لم يزل في الأرياف منهم ومن نزج إلى المدن، ويلم بأصل البيوت المشهورة والعوائل الشريفة القديمة التي تعارف الناس على تقديمها، غنيها وفقيرها، وبذرية العلماء والأعيان من شهرتهم وظائفهم أو كتاباتهم أو شجاعتهم. وكلما توسع الداعية في نطاق هذه المعرفة كان أحسن له، حتى يتعدى قطره إلى معرفة أخبار وأنساب أهل الأقطار المجاورة أو المهمة، والتي لها تأثير قيادي في بقية الأمة.

ويسوغ لنا أن نجعل هذا الباب من المعرفة الاجتماعية ضرورة أبعد من كونها مستحبة فقط، فإن الداعية يستطيع أن يستثمر علمه بالأنساب وأحوال الرجال في أكثر من مجال مفيد.

*منها: تأسيسه صلة المعرفة المباشرة بأشراف الناس وخيارهم، فإنهم معادن تحرص عليهم الدعوة، ومن يفقه منهم يصبح داعية مضاعف التأثير فيمن حوله، إذ ما من نبي إلا وبعث في أوسط قومه كما يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-، أي من أحسنهم وأشرفهم.

وقد قال عن نفسه -صلى الله عليه وسلم- "أنا خيار من خيار من خيار".

وكان أتباعه من المستضعفين، ولكنه كان يقول: "اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين"، وكان يريد مكانتهما كما يريد عقلهما.

وما ورد على لسان أبي سفيان وهرقل من الصدق في أن ضعفاء الناس اتبعوه دون شرفائهم لا يناقض هذا، فإنهم لا يعنون بصفة الشرف ما نعنيه، وإنما كانوا يصطلحون على تسمية جبابرة مكة والأغنياء بالشرفاء، وهو مثل قول الإمام البنا رحمه الله بضرورة إبعاد الدعوة عن هيمنة الكبراء والأعيان، فكبراء مصر وأعيانها هم في عرف المصريين: الباشوات ورؤوس الإقطاع الظالم، وأما الكبار حقا فهم كبار العلم، والأدب والأخلاق، ولو كانوا فقراء، وأما الأعيان حقا فأعيان البطولة، والمروءة والنسب العريق وإن أتعبهم الإملاق.

وللدعاة موعظة فيما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- وقاله، تحدوهم إلى البدء بشباب البيوت العريقة، ثم إلى تقديمهم فيهم إذا فقهوا، من غير استكبار على شباب ينبغون من بين غمار الناس، وفي حذر من أن تقع الدعوة في هيمنة مصلحي.

ولم يكن شرط القرشية من جملة شروط الخلافة عند توفر الشروط الأخرى إلا لمكانة قريش بين العرب ووفور انقيادهم لها، ولا كان أخذ الأقوام الأخرى عن العرب وتقديمهم لهم إلا لشرف العرب في السبق إلى الإسلام وأنهم قوم النبي -صلى الله عليه وسلم- ونحن نرجو مزيد استماع من الناس لكلمة الإسلام إذا قام بتبليغها لهم اليوم أبناء الأشراف الذين ننجح في ضمهم إلى صفوفنا.

*ومن استثمارات علم الأنساب: مضادة مساعي الحكومات الاشتراكية وحكومات العسكريين من محبي التسلط الذين يهيمنون عن طريق الانقلابات دونما ظهير شعبي، فإن هذه الحكومات، لقيامها على الظلم واحتياجها إلى الكبت: أخذت تعتمد سياسة موحدة في التغيير الاجتماعي الذي تظن أنه يضمن استمرارها، ومحور هذه السياسة: تقديم الغوغاء، والدهماء، وأبناء الأقليات والنصارى، وبقايا الفرق الباطنية، ومن لا خلاق لهم، فتحكر المناصب والوظائف المهمة ومراكز التأثير المالي والإعلامي عليهم، لما عندهم من استعداد لخدمة خطط الهدم.

وهذه سياسية قديمة، حتى أن قارئ التاريخ ليعجب كيف تتكرر الصور بحذافيرها، وينصت لواصف يصف ما حدث قبل ألف عام أو أكثر فيظنه يصف أحوالا يراها.

وقد حفظ لنا الأديب الثقة ابن قتيبة الدينوري في كتابه القيم (عيون الأخبار) تقرير لشاعر، كوته معاصي أهل بغداد، وإعراضهم عن الإسلام لما غرمهم المال أوائل القرن الثالث فأركسهم في الترف، ثم لذعة العقاب الرباني الذي أحاط ببغداد في صورة من انقلاب الموازين، وسطوة النكرات، وراح يندب بغداد...

يا بؤس بغداد دار مملِِكة                   دارت على أهلهِِا دوائرها

أمهلها الله ثم عاقبهِِِِا                   لما أحاطت بهِِا كبائرهِا

رق بها الدين واستخف بذي                   الفضل وعز الرجال فاجرهِا

وصار رب الجيران فاسقهم           وابتز أمن الدروب شاطِرها

وفي هذا الندب والتوجع إيماء جلي إلى طريق التوبة وإرشاد إلى أنه يبدأ بترك الكبائر ولزوم الصلاة والتقوى، ويمر بمعاضدة دعاة الإسلام، ليلتقي مع تمييز يكتسبه دعاة لإسلام لأنساب الأشراف وذوي الأصالة، يتطور إلى صلة ناجحة بالتائبين منهم لإكسابهم الوعي، إذ عندئذ فقط يكون الرجاء واسعًا في إحباط مساعي الشطار في ابتزاز أمن الدروب، ومنعهم من الوصول إلى السيطرة ابتداء، أو إحباط حكمهم إذا كانت الفرص وغفلة الصالحين قد خدمتهم بالأمس.

إن العدل والتعفف ميل فطري عند الأشراف حتى في المجتمعات الكافرة، ولهذا أباد لينين في روسيا كل شريف وأصيل وبيت عريق،مع أنهم ما كانوا جميعا في خدمة القيصر وظلمه، بل كان الكثير منهم ضده، ولكنهم أرادوها حرية سياسية موزونة دون دماء، وكانوا هم الذين خلعوا القيصر أول مرة، لكن معالجتهم الهادئة، لم تعجب لينين والحاقدين معه، وسماهم ( البرجوازية الوطنية) وحصر دورهم في الاستفادة منهم في المرحلة الأ,لى والوصول على ظهورهم، ثم إبادتهم باعتبارهم طبقة لها مصالح تنافي مصالح طبقة البروليتاريا، وابتداع اصطلاح (الثورة الشعبية)، الذي لا تجده اليوم مشروحا بكلمات واضحة، بل تعلم شرحه مما جرى من مجازر ومناكر، وهذا الأسلوب الدموي هو الذي تفسر به الإضافة (اللينينية) إلى مجرد (الماركسية)، وهو ما تسعى جاهدة بعض التيارات الداخلية القوية في الأحزاب الشيوعية في فرنسا وإيطاليا وأسبانيا إلى نبذه، بعد اصطدامهم بأعراف الحرية الديمقراطية المتأصلة في أوروبا الغربية.

*من مجالات استثمار الداعية لعمله بالأنساب وصلته بالأعيان: توفير الحماية الطبيعية له وللدعوة مما قد يتعرض له من أذى الحكومات، فإن بعض مجتمعاتنا لا زال فيها نفوذ لأشراف الناس، تهاب كلمتهم إذا استنكروا. والذي هو أكبر من ذلك أن تضم الدعوة في صفوفها من أبناء الأشراف كثيرين، فإن الحكومات تخشى ابتداء أن تمد يد الأذى لهم، للهزة الاجتماعية التي تقترن بمضايقاتها إن هي جازفت، مما يعطي للدعوة حماية طبيعية أصيلة تستغلها في مواقفها وأقوالها.

*وكذلك فإن علم الأنساب يحمي الدعوة من خطر تغلغل الأعداء إلى تنظيمنا، وقصة تغلغل اليهودي كوهين إلى حزب البعث السوري ووصوله إلى المرتبة القيادية قصة ما تزال حية تعظ بدري بعد درس، إذ ادعى أنه من أبناء المهاجرين السوريين إلى أميركا الجنوبية، واستطاع بأمواله وموائده ولباقته أن يقيم علاقات قوية مع كثيرين من الحزبيين، حتى دفعوه إلى أعلى المراكز الحزبية.

ولذلك وجب على دعا الإسلام أن يتحققوا من هوية كل مقترب منهم غير معروف النسب، فيسألونه منذ مجالسهم الأولى معه عن اسمه الكامل ونسبه وأقاربه ومن يعرفه، مع التحقق مما يدعيه حذرًا من الاندساس.

نعم، قد يكون بعض أبناء الأشراف أكثر خطرًا، وقد تبعث بهم الأحزاب إلى صفنا، ولكن هذا الخطر لون آخر يوجب عليك الانتباه، وليس هناك ما يمنع أن تجمع له انتباها آخر يسد باب تغلغل من لا يعرف له أصل.

 

المنطق الواقعي والمداراة السياسية ينحتان مثاليات الأخوة

ومن القواعد المهمة في سياسية الدعوة التجميعية: مراعاة الطبيعة القومية في كل بلد، والحرص على بث الدعوة في الأكثرية، والحفاظ على رجحان عدد الدعاة منهم على  عدد الدعاة الذين ينتسبون إلى الأقليات، وأن يكونوا هم الصدور.

وهذا المعني جد دقيق، ويصعب تفهيمه، وقد يسارع المستعجل إلى سوء ظن واتهام، لاختلاط ما نقصد بنعرات جاهلية قد توجد رواسبها في نفوس بعض المسلمين، ينسون معها معاني الأخوة الإسلامية الواجبة، ودعوتنا هذه دعوة إسلامية، الرابطة فيها رابطة العقيدة ليس غير، والتواضع سنة إيمانية، والتفاخر بالآباء موضوع عندنا منذ وضعه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- .

ولكن تتعلق نظرتنا بسببين:

الأول: أن دعوتنا ليست مجرد مسجد عبادة، بل هي محاولة حكم وتأثير في الحياة, وحصول تجاوب الناس معها أمر ضروري لا غني لها عنه أبدًا، والمنطق يقتضي أن نخاطب الناس على مقدار عقولهم، وأن نقودهم برجال منهم، لا برجال أقلية يظنون أنها منافسة لهم، فيكون الفتور من الأكثرية في التجاوب مع الدعوة.

الثاني: أن الأقليات قد يختلط مقصدها الإسلامي فعلا بمقصد مصلحي، إذ أنهم لا يستطيعون تكلف مسايرة الدعوة القومية عند الأكثرية، ولا تستطيع الأقلية أيضًا التورط في دعوة لقوميتها، فيكون انتسابها الإسلامي هو منتفسها الطبيعي، وإذا كان طبيعيا فإن ذلك يعني أن من رجال الأقلية من يلتزم الإسلام عن قناعة وإخلاص وتجرد تام، وتذوب شخصيته في الشخصية الإسلامية تماما، وأن منهم من تبقى فيه رواسب وشوائب تحدوه إلى مواقف تقتضيها مصالح الأقلية التي ينتمي لها وإن خالفت المواقف المفترضة في المسلم الكامل، وإنما تخوفنا أن يكون شيء كهذا إذا كان سواد الدعاة الأعظم منهم.

وكلام ابن خلدون في مقدمته في شرح حكمة شرط القرشية في إمام المسلمين له وجاهة، ويمكن أن يقنع المتردد في قبول هذه القاعدة فهو يذهب إلى أن شرط القرشية ما كان إلا لعلو كعب قريش بين العرب وطاعتهم لها إذا حكمت، واستل من ذلك أن الأزمان المتأخرة التي ضعفت فيها مكانة قريش وتلاشت وحدتها لا يمكن أن يطاع فيها القرشي لمجرد كونه قرشيا، بل مصلحة الإسلام في استقرار حكم الحاكم الصالح تحدو إلى اختياره من بين رجال الأغلبية التي لها المكانة والسطوة، في كل بلد، ليطيعوه ويعضدوه.

فبمثل هذا المنطق نوجب قاعدتنا، وعنه نصدر، لا عن منطق قومي جاهلي، وإذا كان في بلد ما تعادل في التواجد القومي فإن المنطق نفسه يقضي بتعادل مثله في الانبثاث الحركي.

إن الأخوة الإسلامية أصل لا يكمل إيمان المسلم بدونه، ولكن من المهم أن نتذكر أن ذلك لا يقتضي معاملة الخليط القومي المتواجد في بلد ما من بلاد الإسلام اليوم معاملة تتجاهل نقصهم، فإن أكثرهم لا يطبق مقتضيات هذه الأخوة، وفيه نوازع ومشاعر وتطلعات تخالف آداب الإسلام، وإنما الإخوان حقا، والذين ينطبق عليهم هذا الأصل حقا هم الذين سموا وارتقوا إلى مستواه فعلا، ولم تبق فيهم بقية أو خلق جاهلي.

وقد يعترض معترض يقول بعدم الحاجة إلى ذكر مثل هذه القاعدة، لأن شيوع الدعوة في الأكثرية أمر طبيعي، وتدل بديهيات العقل كل داعية إلى مراعاته، وليس الأمر كما زعموا دائما، فإن الداعية ربما وجد فورة قومية عارمة عند الأكثرية تقلل عدد المستجيبين إليهم منهم، فيتوجه إلى الأقلية، فيجد ترحيبا، وتساعده الانعاكسات النفسية لفورة قومية الأكثرية في هذه الأقلية، فيستروح عمله السهل ونتاجه الوفير، وما يدري أنه لم يفعل شيئا كبيرًا.

ولكن إهدار الرابط القومي لا يبرر النيل من الشعوب والقوميات، وإثارة الحفاظ بذكر مثالب الغير، فإن بدعة جاهلية توازي بدعة التفاخر وادعاء احتكار المناقب، وتتضخم لتكون بدعة غليظة شديدة النكر إذا كان النيل من العرب، وكان القدماء يسمون ذلك شعوبية، وينزلون مقارفها عن منزلة التوثيق، فإن العرب معدن الإسم، ولبنته الأولى، ولهم السبق، وبهم كمال عزه، ومن بينهم بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- وبلغتهم القرآن نزل.

 

الداعية العصري

ثم إن الحديث عن طبائع الذين ندعوهم يجرنا مرغمين إلى الحديث عن طبائع الدعاة وقول فقه الاصطفاء فيها.

وكأن أول ذلك أن نعترف بأن مستوى الكثير  من دعاة الإسلام ما زال متخلفا عن المستوى اللائق للاشتغال بالسياسة، على عكس الكثير من الساسة الذين نخالفهم، فإنهم قد استطاعوا تدليس باطلهم، وتعميق تأثيراتهم بعديد من الميزات التي برعوا فيها من الثقافة العامة الواسعة، والمطالعات السياسية المكثفة، والدراسات الاقتصادية، والمقدرة على التعرف على الناس وجوب منتدياتهم، والإلمام بلغة أجنبية وتكميل اطلاعاتهم باستخدامها.

وقلة منا هم أولئك الذين ارتفعت مستوياتهم ارتفاعا عاليا يؤهلهم للنجاح في أبواب الدعوة العامة، كتحرير الصحف السياسية، وأداء مهمة النيابة البرلمانية، والخطابة، ورئاسة الهيئات الإدارية للجمعيات والنقابات والنوادي، أو عضويتها، أو ما هو أبعد من ذلك من القيام بالوظائف الحكومية الكبيرة، إذ قلة أولئك الذين يصلحون كرجال دولة يتحملون مسؤولية وزارة أو سفارة وما وازى ذلك إذا أردنا تكوين جهاز كامل لحكم أ, المشاركة فيها إن إخلاصنا فريد النوع، وتواضعنا نادر المثال، وأخوتنا عزيزة، وعبادتنا جميلة، ولكن النجاح السياسي أصعب من أن ينال بمجرد ذلك.

صحيح أن أكثر الدعاة يحملون علما جيدًا، لكنه العلم الإسلامي في معظمه، ونعما هو: رمز فخر وشرف، ودستور عمل، ودليل سير في دروب الحياة، ولكن تأثيره اليوم يظل محصورا ما لم تظاهره ثقافة عامة شاملة، وأساليب عصرية في تفهيمه باستعمال الدراسات المقارنة، ونقد الواقعا لحاضر، واتباع أساليب البحث الحديثة.

وصحيح أيضًا أن فينا أهل نشاط واتصال بالناس، ولكن الكثير منا ينعزلون في مجالس خاصة، ولا يبعدون عن دائرة رواد المساجد، ويستأنسون بطول اللبث يوميا في مجالس العوام، ونعما لبرهان هي على تواضع الداعية، لولا ما فيها من تعويد على الكسل وفتور الذهن، وما سببه الإسراف في التلذذ بها من هجر مجتمعات المثقفين، في نواديهم ونقاباتهم وجمعياتهم وسهراتهم المنزلية ولا بد من إقامة توازن وتوزيع أوقاتنا على أنواع المجالس.

 

بذاذة موهومة

وكذلك مظهر الداعية وملبسه، شريك في التأثير، وكثير من دعاة الإسلام يستهويهم أجر البذاذة الإيمانية التي يعتقدونها، فيخالفون عرف المثقفين في اللباس، ويهملون هندامهم، ويلبس لهم من تبرير مقنع، والناس اليوم يلزمها من رفق خطابنا لها ما كان يفعله النبي -صلى الله عليه وسلم- للوفود، فإنهم وإن كانوا اليوم مسلمين، إلا أن المعاني الإسلامية التي نتداولها معهم غريبة عليهم، وأوشك أن يصبح المعروف منكرًا، ولا بد أن نتجمل للناس في حدود المباح بما لا يخرجنا عن سمت التواضع، كما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتجمل للوفود([6])، باللباس الحسن الأنيق، والنظافة المبالغ فيها، ومس الطيب، ليألفونه، من غير تقليد للمسرفين، ولا جنوح إلى التشبه بالمتبطرين المبذرين، فإن التوسط ما زال هو الخير في كل الأمور، وربما كفته البدلة الواحدة لسنين.

وسيقول قائل: أين إذن ما نعهده من فضيلة ميزة البساطة في الداعية، وكيف نتقرب إلى العامل والفلاح إذا أقررنا الأناقة بندًا في صياغة الداعية؟

وللمعترض المستعجل حق في ذلك، ف إن هذه الوصايا تثير الالتباس، ولكن من يجمع كلامنا إلى بعضه، ويرى كل الذي كتبناه: يدرك أننا نسبقه إلى إنكار التكلف، وأننا إلى الزهد أقرب، وما ثم لدينا إلا رغبة في إبعاد الداعية عن إهمال مظهر نفسه، فإنك ربما رأيته لا يقص شعر رأسه حتى يطول، أو لا يحلق ذقنه لأيام إن لم يكن من أهل اللحى، أو يلبس القميص لأيام دون غسله، أو لا يغتسل هو أياما، وأما الملبس الغالي المتتبع لآخر مبتكرات الخياطة فنحن أسبق من كل سابق في النطق بكراهته وذمه.

إن البعض يري أن هذه الأمور من الصغائر التي لا تناسب التذكير القيادي، وهي في عرف الأوساط السياسية والفكرية كبائر.

 

هجرة الأحرار لا يعرقلها ناكص

وعلى كل، فإن التجربة التربوية لا ستبتعد أن تؤدي هذه المطالعات غير الإسلامية التي نحث عليها، ومجالس المثقفين، وهذا التجمل في المظهر، إلى تأثيرات سلبية عند بعض الدعاة، يحب معها الترف والقشور الدنيوية الزائفة، أو يتكبر على فقراء الدعاة، الذين لا يدري ثقل ميزانهم إلا الله تعالى، أو على غير أصحاب الشهادات الذين ربما فاق علمهم علمه، أو يأخذ يتنطع في فكره وتحليلاته، ويصير أشبه برائد صالونات سياسية متطلع للمناصب منه بداعية متجرد متواضع همام، إلا أن كثافة المواعظ الصريحة، وذكر الرقائق، والرقابة القيادية التي تشرف على تعادل الكلام والمنهاج والخطط، والتربية على ما يضاد هذه الأسواء: كل ذلك يجعل العاقبة أكثر سلامة، ومن سقط ولم تنفعه الرقابة والرقائق: كان سقوطه عندنا مصداقا لاحتمالات تساقط متوقعة في هذا الطريق، كأنها سنة من سنن العمل الجماعي، وليس أنفع لنا آنذاك من رؤية التكذيب الواقعي الحتمي لتدليسات المجازات الحماسية التي توهم قليل التجربة بأن كل من سار على الدرب وصل، كأن ليس في الناس الأعرج، والمريض، والراهب، والشهواني، وفاتر الهمة.

 

انتكاس الموازين لا يدوم

ومن أضر الأقيسة هنا: أن يقيس الداعية كلامنا هذا بما حوله من واقع الحزبيين والانقلابيين، فيجد ما أوجبنا غير واجب، إذ يرى نكرات الناس يحكمون، وكل جاهل ليس له عشر علم الداعية المسلم يتصدر، وكل مخالف لفطرة الجمال معني ومظهرًا يقول ويتفلسف ويجول.

وما هكذا تفهم الأمور، فإن الحقبة الأخيرة من التاريخ السياسي لبلادنا شاذة طائشة، ووجدت الطفولة الفكرية والسياسية لها من أكتاف الجمهور الساذج مصعد وصول، فصالت، والتطور الاجتماعي والمدني، والهدوء التأملي الذي سيخلف هذا القلق: كفيلان بنمو اتجاهين هما في صالح الحركة الإسلامية حتما:

اتجاه ندم الناس على ما كان منهم من خذل لدعاة الإسلام ونصر للحزبيين الذين أذاقوهم مر المتاعب، وربما مالوا لمحاولة وفاء وتعويض وإقبال على الإسلام.

واتجاه جاهلي آخر على النقيض يحاول تأصيل الفكر العلماني والنزعة الإلحادية، ولكن من خلال التربية والحوار والأساليب الحرة المشتقة من الديمقراطية الغربية لا من خلال الإرهاب، وهو اتجاه في صالح الحركة لإسلامية أيضًا، فإن الإسلام والجاهلية إذا تصارعا في جو من الحرية: كان الإسلام هو الغالب، لقوة الحجة، وموافقة الفطرة، وعند ذاك فيت لك المصارعة الحرة، ستبدو أهمية هذه الجوانب في صياغة شخصية الداعية المسلم، والتي أوجبناها آنفا، من الثقافة العامة، وأسلوب البحث الحديث، وإحداث تماس بالمثقفين، والتجمل لهم كما كان الأنبياء عليهم السلام يتجملون.

ولعلنا لا نغالي إذا صرحنا بأن افتقاد عناصرنا لهذه الجوانب الثلاث كان من أسباب الانحجاب عن الناس، وأنها عزلة نحن اخترناها أكثر مما هي عزلة طوقتنا بها حكومات الكفر والأحزاب.

إن مقصدنا واضح، والمعني الذي نذهب إليه صحيح، مع ما عند بعض الدعاة من الاستعداد الانحراف به إلى تفسير دنيوي يبررون به حالهم.

نريد للداعية أن يلبس المعتاد من لبس الناس، ليست ملابس متكبريهم المترفين، ولا ملابس البذاذة المتكلفة، ونقول له كما يقول الشاعر:

خل التأنِق في اللبِِاس وسر على                   نهج الأفاضل في اختصار الملبس

والبس كمثل الناس لا تخرج عن المعِ                 ِتاد في شيء فتخطئ أو تسِِى

فهو لبس كمثل الناس ندعو إليه، ولسنا ندعو إلى تبخترع وخيلاء.

ونريد اختلاط الداعية بالمثقفين من الناس في مجالسهم وأنديتهم لكسبهم، ولا يصح أن يفترض أنه مثل بيضة وأنهم أحجار صلدة، يكسرونه ويهشمونه ويسلبونه إيمانه إذا اختلط بهم بل افتراض العكس أولى وأقرب للقياس، فإن المؤمن قوى الحجة، عزيز النفس، وهؤلاء يعيشون في فراغ روحي ليس غير الداعية يقدر على ملئه، وتضللهم شبهات، ليس غير الداعية يكشفها.

 

كيف بهن؟

والحقيقة أن اختلاط مجالس المثقفين بنسائهم هو السبب الأقوى الذي يمنعنا من ارتيادها، للحرج الشرعي في ذلك، إلا أن نلح في إنشاء عرف يكسر هذا الترخص ويرفع الحرج.

وإحالة النظر في المجتمع ترينا أن هناك عناصر كثيرة من خريجي الجامعات وأصحاب المراكز لهم مستويات جيدة في فهم الإسلام، ويحافظون على الصلاة، ويحبون لنا ما نحب، ويؤيدوننا بتحمس، لكنهم يكتمون مشاعرهم هذه لتورطهم في التزوج من سافرات، ولينهم الذي أكسب نساءهم حقا لا يتنازلن عنه في حضور مجالسهم مع زوارهم من أصدقائهم، وهم يخشون الظهور معنا أو ارتيادهم لمجتمعاتنا الخاصة حياء من أنفسهم إزاء ما ينكشف لنا من ضعف أمام نسائهم.

إن هذه الظاهرة ما تزال هي أعقد العقد التي تقلص ع مليتنا التجميعية في أوساط الكبار والمثقفين، ولا بد أن نأتمر لنجد لها حلا ولربما كان من الحلول أن نشهر في الناس شروط درجاتنا التنظيمية الابتدائية التي تقبل انضمام المسلم لنا كمتعاون ومؤيد ونصير وإن لم تكن زوجته محجبة، وبذلك نأمن عتاب الناس بفهمهم أنه مجرد متعاون وليس عضوا يقتدي به، كما يأمن هو لسان الدعاة، وتكون به جرأة على ارتياد مجالسهم، لعلمه بأنهم يرضون منه هذا التعاون وإن استمروا بإسداء النصح له، بالحكمة والموعظة الحسنة.

 

إحياء طبائع الصدق والإتقان

ونظن أن أهم من هذا وذاك في تحسين الكفاية التجميعية للداعية: أن يمهر بعض الدعاة في اختصاصاتهم المهنية مهارة تشهرهم بين الناس، من بين طبيب ومهندس ومحام، فيحتاجونهم فيخدمونهم من خلال اختصاصاتهم وأمانتهم وحرصهم على مصالحهم وصدقهم، وبذاك تزول الحجب بين الدعاة والناس، ويفهمهم الناس على أنهم النماذج المفقودة التي يكون بها صلاح الحياة، ويفتحون لهم قلوبهم، ويصغون لهم بأسماعهم، ولقد نجح العدو بالأمس في عزل الناس عنا بسيل ظالم كاذب من الإشاعات ولدت صدودهم، وما من طريقة أجدى وأسرع في إرجاع الثقة بيننا وبينهم من هذه الخدمة المهنية التي نقدمها لهم.

إننا لا نعني ربط الناس بنا مصلحيا بعيدًا عن معاني العقيدة، كلا، لكنهم يديرون وجوههم عنا، بتأثير ما تفتريه الأحزاب والصحف، ونريد التفاتهم نحونا بما نقدمه لهم من عمل مهني نظيف، فإن التفتوا: أوردنا الكلام العقائدي الفكري لهم.

إن هذه الحقيقة تدع الناس يفهمون مرغمين أن هناك من دعاة الإسلام (من لا عنوان لهم، وهم في تأدية الواجب ونفع الناس وإصلاح الأمة والجدوى على البشر أصلح وأعظم أثرا من أصحاب العناوين المدونة التي تذهب في الناس كدوى الطبل، والطبل أجوف)، كما يقول عبد الوهاب عزام رحمه الله([7]).

فهكذا دعاة الإسلام دوما، بإخلاصهم، ونفعهم: يبطلون مفعول سحر الحزبيين والجاهليين الذين نفحتهم الدعايات واختاروا لهم العناوين الكبيرة والألقاب الكاذبة.

ولذلك لبث عبد الوهاب عزام يوصي الداعية باستثمار هذه القابلية الكامنة في هذه الظاهرة الاجتماعية الحيوية، وطفق يذكر، ويذكر أنه:

(احذر أن يكون همك العناون، وقصدك الدوي والضوضاء، واجهد أن تعني بالفعل غير معني بالقول، وأن تطمح إلى الحقائق لا إلى الظواهر، وأن تحرص على أداء الواجب لا على الصيت، وأن تقصد وجه الله لا وجوه الناس.

كن كتابا مفيدًا وإن لم يكن له عنوان، ولا تكون كتابا كله عنوان وليس وراء العنوان شيء)([8]).

وإن سنن التواضع الإيماني ا لتي يحرص عليها الدعاة لا تدع لهم مجالا للزهد فيو عظ أنفسهم بمثل هذه المواعظ، مع أن أصل بنائهم قد ابتني على ذلك منذ وضعوا لبنته الأولى، ولكن الناس هم الذين يحتاجون هذا الميزان والتذكير في الحقيقة، ليتقنوا تمييز الرجال، فكم  غرتهم العناوين وسلبت لبهم الظواهر، وما ينتهون.




([1]) كتاب الزهد للإمام أحمد/ 123.

([2]) تاريخ بغداد 4/12.

([3]) الفوائد /194.

([4]) طبقات ابن سعد 7/266.

([5]) الفتح الرباني/72.

([6]) فتح الباري 6/12، طبعة الحلبي، وأما المكروه فهو التجمل لهم بالحرير والحلة والسيراء.

([7]) الشوارد/70.

([8]) الشوارد/70.

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

المسار 

العوائق 

معاً نحمي العراق 

المُنطلق 

صناعة الحياة 

نحو المعالي 

معاً نتطور 

فضائح الفتن 

تقرير ميداني 

الرقائق 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca