ونعني بالجدية: حالة من التيقظ المتواصل المستديم يتيح استغلالا وافرًا لطاقة مجموعة الدعاة في سد الحاجات واستثمار الفرص دون تعطيل شيء منها.
وهذا الوصف يقتضي: تجاوز التعويل على المقادير الضئيلة للقابليات الفردية الذاتية إلى أنواع من التوجيه لها أو الجمع والتنسيق بينها، تكفل تنميتها وتطويرها.
وشرط دوامها: أخذها بلا غلو، فإن الإفراط يؤدي إلى التعب السريع، ولذلك جعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خير الأعمال: أدومها وإن قل، وكان الرافعي يؤكد: (أن روح العمل الدائم تكون فيما يشق بعض المشقة، ولا يبلغ العسر والحرج، كما تكون فيما يسهل بعض السهولة، ولا يبلغ الكسل والإهمال)().
ويبدو اليوم ساذجا من يظن أن الكلام الحماسي المجرد يبعث هذه الجدية، إذا أن نفعه آني، وإنما هو مفيد وقتيا فحسب، ولكنها تنمو في ظل جملة احتياطات قيادية عامة وظروف مساعدة، وتكون بها سمتا يكتسبه الداعية الجديد تلقائيا وذاتيا مع وضع قدمه في طريق العمل الجماعي، متخلصا من مرض تنظيمي شائع يظهر في أعراض من السلبية والتسيب.
وتنتصب أمام نظر المجرب عشرة عوامل تكون الظروف الملائمة لتأسيس وتصعيد جدية المجموعة العاملة، مع ما لها من مردود حسن آخر على شعب الخير الإسلامي الواسعة المتنوعة كلها.
(العامل الأول): وضوح الفكرة الإسلامية في نفس الداعية
فإن الوضوح يؤدي إلى شعور الداعية بأنه يحمل إسلاما ليس كمثله مبدأ آخر مما عند الأحزاب العلمانية، وينتج عن هذا الشعور بالتالي فهم لضرورة الاستقلال عن غير المسلم، ومفاصلة الأعداء، ويلمس دوره في مسؤولية الحفاظ على السلام، في عمل دائب ومصارعة للفكر المضاد، ويستيقن ضرورة الممارسة الحركية الجماعية إذا أريد للصراع أن يكون متقنا.
ويمكننا أن نفقه دور هذا الوضوح من مثل نضربه: أن رجلا يريد أن يشترى تحفة، فهو يتحرى الأتقن صنعا والأجمل منظرًا، إذ الفطرة السوية تقوده إلى ذلك، فيري ذات النقش الفني اليدوي الدقيق على خشب الأبنوس النادر، ويري ذات النقوش الغليظة التي تنتج المكائن ألوف النسخ المتماثلة منها من لدائن كيماوية، فإذا ظفر بالأولى: ازداد إعجابا بها مع الأيام، وحرص على حمايتها من يد تعبث بها، ووضعها في صندوق أو بعيدًا عن اللصوص والأطفال، وجعل ميزاتها موضوع حديثه إن زاره أحد، لما لمس فيها من الاتقان والجمال، من بعد ما رأي الكثير غيرها من البائر القبيح الرخيص.
وهكذا إذا أحس الداعية فعلا بإتقان الله تعالى لأحكام الإسلام، واستمتع بجمالها ولمس المصالح الكامنة فيها، فإنه يشعر عندئذ بأن إسلامه دين عزيز، وليس كمثله دين آخر أو فلسفة، ويندفع ذاتيا لصيانته والذود عنه والتحدث لجلسائه بإحساسه، ولله ولدينه المثل الأعلى.
إلا أن هذا الوضوح الفكري سهل تمنيه، لكنه في التطبيق يمثل جهدًا جماعيا مكثفا في تثقيف الدعاة، وتفهيهم الأحكام الشرعية وفضائل الإيمان، من خلال تربية تعليمية طويلة ومطالعة منهجية، فتجمع لهم بذلك صورة كاملة لجمال الإسلام، وأما مجرد المقالات التي تمدح الإسلام وتذكر عدله فإنها لا تولد غير جدية سريعة الانقضاء والنفاد.
إن هذه الحقيقة تطلعك على ارتباط عوامل الجدية الجماعية بجميع أعمال الدعوة على اختلاف أنواعها، وصلتها هذه بالناحية الثقافية دليل على أن التحسن والنجاح في أي جانب من جوانب الخطة الشاملة يؤدي إلى زيادة ونمو في جدية المجموع، مما يقنعنا بأننا إن أردنا كمال التشغيل إن أردنا كمال التشغيل والاستغلال للطاقات فإن علينا أن نتوجه لرفع المستوى التربوي العام أكثر مما نتوجه للتعويل على حث الدعاة على انفراد.
ومما نستله من المثل الذي أوردناه: أن من متممات ذلك أن نطلع الداعية على قبح واضطراب الفلسفات وأفكار الأحزاب الأخرى، ولكن في خطوة مؤجلة لاحقة، حذرًا من أن تعلق بقلب الجديد شبهة أو ينطلي عليه تدليس.
(العامل الثاني) البرمجة الفردية والجماعية:
فنعلم الداعية كيف يبرمج يومه، ونقيد تصرفاته ونشاطه في بعض أيام الأسبوع، لا ندعه فيها حرا، ليتعلم تنظيم الأوقات، ولكن من الضروري أن ندعه في الأيام الأخرى يماسر تجربة ذاتية بغير رقابة، إذ النفس تمل الرقابة الكثيفة.
ونعلمه برمجة أسبوعه، بحيث يخصص بعض الأيام لعمل معين أو لون من النشاط، مع الانتباه إلى تخصيص يوم راحة له مهما بلغت الضرورة لأن الإرهاق يولد الملل ويضاد حقيقة الجدية.
وتزداد أهمية البرمجة الشهرية ثم الفصلية ثم السنوية، فنعلم الداعية أن يضرب لنفسه موعدًا منذ الشتاء أن يعمل كذا وكذا في الصيف، وأن يقرأ كتبا مسماة خلال السنة، ولا يترك همته تحركها الصدف فحسب، أو حين ساعة يتذكرها من بعد نسيا، أو يطالع ما تقع عليه عينه من الكتب دونما اختيار للأنفع والأهم، بل نلزمه بجدول وخطوات متتالية مدروسة سلفا.
إن فائدة هذه البرمجة لا تكمن في أنها تمنع من التفلت فقط، بل لها أثر نفسي كبير يؤدي إلى إتقان التنفيذ، إذ الداعية يظل يفكر فيما يتعلق بالأمر الذي سينفذه بعد مدة تفكيرًا متواصلا، ويصطاد الخواطر التي تأتيه حوله، حتى إذا جابهه وبدأ التنفيذ: بدأه بتصور واضح، ولكن إذا نفذه بعد انقداح الفكرة في ذهنه بمدة قليلة فإن صورة الأمر ستظل ناقصة عنده، لقصر وقت التفكير التمهيدي، فيهمل بعض الفوائد نسيانًا، ولقلة الاستعداد والتهيؤ، ولطبيعة الارتجال.
وتأتي بعد ذلك: البرمجة الجماعية والخطط التنفيذية مكملة ومستدركة على نقص البرمجة الفردية، فتوجه وتنسق فرص الاستفادة من القابليات المختلفة على نسق خطط التنمية التي تضعها وزارة التخطيط في كل دولة، وليس هناك مانع من وضع جداول زمنية مفصلة والتطرق في الخطط ذات الطبيعة التنفيذية إلى فرعيات مختلفة، وهي غير الخطط التي تعين الأهداف والسياسات الخارجية والداخلية للجماعة والتي تكون هي المقصودة عادة عند إطلاق اصطلاح (التخطيط).
إن نجاح كثير من القادة العسكريين يعزي إلى تمكنهم من إصدار أوامر واضحة مفصلة إلى كل ضابط بمعيتهم، كل حسب صنفه وموقعه في ساحة المعركة، وقيادات المناطق والقطاعات فيا لجماعة يمكنها أن ترفع مستوى الجدية في التنفيذ كثيرًا إذا استطاعت ترجمة الخطة العامة التي تضعها القيادة العليا للجماعة إلى جملة خطط تنفيذية تعين الوسائل ومجاميع العمل والواجبات التفصيلية.
إن لجان الجماعة المختلفة إذا تمكنت من وضع برامج سنوية لها فإن التزامها بها كفيل بإيجاد ما يمكن أن ندعوه بأنه الذاكرة الجماعية العامة التي تبرز كعامل رئيسي في إحلال الجدية، ولا ننفي أن صياغة مثل هذه البرامج تستدعي صرف جهود مكثفة، إلا أ، المصلحة الكامنة فيها تسوغ صرفها.
(العامل الثالث): التخصص وتوزيع الأعمال:
إذ أ، لكل داعية طبيعة وهواية، والمفروض أن القادة يملكون أخبارًا وافية عن صفات العاملين معهم، في شبه عملية إحصائية تنتج عن تتابع الجلسات الإدارية، وبذلك يمكنهم تطبيق القول العرفي الصائب في وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ونضيف هنا أن يكون بصحبة مجموعة مناسبة قريبة في صفاتها منه، فتنشأ عن ذلك عندئذ مجاميع التخصص واللجان الاختصاصية المختلفة وفروعها.
إن علاقة التخصص بالجدية واضحة، لأن المتخصص يعمل في محيط من الرؤساء أو الأقران أو المساعدين الذين يفهمونه، ويحاورهم ويحاورنه على بينة وعن إدراك وفي تجانس فكري وتقارب في الآراء، يشعرونه بأهمية صوابه إن أصاب، فينطلق لزيادة، ويفرح بخير يجري على يديه، وإن هو إخطأ: أعطوه الدليل على ذلك، فيفرح أيضًا بفقه عند إخوانه لم يحوجهم إلى تهجم عليه، وبذلك بنفتح باب واسع للإبداع المتواصل لا يتاح لذي مقدرة مغمور بين إخوة له، يخالفونه في طبيعة الاهتمامات والثقافة، وليس للجدية غاية أبعد من الإبداع.
إن العمل اليوم في كل الدول والأحزاب إنما يبني على المشاركات الجماعية، وحتى العلوم البحتة، كالفيزياء والكيمياء، لم يعد فيها مجال كبير لاكتشافات فردية، بل لعمل مجاميع العلماء، وهكذا فإن العمل الجماعي الإسلامي من ضروراته: تقسيم التخصصات وعمل المجاميع المتعاونة، في البحث السياسي، والتخطيط، والاتصال بالكبار، والعمل الصحفي وغير ذلك وبذلك تسير الداعية همة جماعية لا تدع له فتورًا.
ومن الضروري أن تنتبه هنا إلى أننا نتحرى في الداعة الكفاية الفطرية والموهبة الكامنة فيهم إذا أردنا توزيعهم على اللجان الاختصاصية، وليس من شرط ذلك أن يساندها اختصاص مهني أو شهادة جامعية، فقد يكون الخبير السياسي أو الصحفي عندنا طبيبا أو مهندسا يحوز ما لا يحوزه الممتهن الخريج.
السعي لحيازة مراكز التأثير الفكري والتربوي
ولئن كان هذا التخصص مهما في أداء الأعمال داخل البناء التنظيمي فإن من الواجب أن يسانده تخصص آخر في العمل الخارجي المهني الذي يؤديه الدعاة في أجهزة الدولة ومرافق المجتمع، فإن المهن والوظائف تتفاوت في قربها أو بعدها عن المجال الفكري والسياسي الذي يهمنا، ومن البداهة أن نحرص على احتلال المراكز التي تتيح لنا تربية غيرنا وإسماع صوتنا أو تجعل لنا هيبة أكبر، في عملية شبيهة بما عمله خصوم الإسلام في السيطرة على المرافق المهمة وتكوين أجيال من الأدباء والقانونيين والمربين استطاعت تبديل الموازين وإحداث انحراف في مجرى الحياة لصالح الجاهلية، وكانوا قد نجحوا في هذا الباب نجاحا عظيما لا يتيح لعمليتنا المعاكسة إلا أن تكون رد فعل لها نستدرك به الشيء دون الشيء.
وتبدأ عمليتنا بإحلال توازن في اتجاه طلابنا الدعاة الجدد في المدارس الثانوية بين الفروع الأدبية والفروع العلمية التي تحدد مجال اختصاصهم الحيوي. فنشجع صغار الدعاة والمؤيدين لنا على دخول الفرع الأدبي، ثم دخول كليات الحقوق والآداب والاجتماع والتربية والإدارة والاقتصاد والعلوم السياسية، ثم تشجيع البعض منهم لنيل شهادة الدكتوراه في هذه المواضيع والعكوف بعد نيلها على مواصلة البحث في نفس المواضيع، ومن قصرت إمكاناته المادية عن تلبية رغبته ولم ينحل منحة مالية حكومية: أرسلته الدعوة على نفقتها ما أمكنها ذلك، مع توجيه الجميع لاختيار مواضيع رسائل دراساتهم اختيارًا ماهرًا، بحيث يكون البحث مفيدًا لتوسيع علوم الدعاة أيضًا وليس مجرد بحث لنيل الشهادة فحسب.
أما الطبيب، والصيدلي، والمهندس، والجيولوجي، والكيماوي وأمثالهم، فإنهم يفيدون الدعوة، بقابلياتهم الشخصية فقط، وأما مراكزهم الوظيفية فصلتها ضعيفة بمجالاتنا، بل وأمامهم مجال فتح العيادات والمكاتب الخاصة مساء، فيتقلص كثيرًا وقت اشتغالهم بالدعوة، بعكس الموظف العادي من الحقوقيين أو المدرسين ومن شاكلهم، حتى أنك لتجد الداعية قبل تخرجه من كلية الطب أو الهندسة أكثر إرهاقا من طالب الآداب والقانون، منفقا أكثر وقته في التشريح أو رسم الخوارط.
إن من التطرف وضعف التدبير أن نحرص على صنف واحد من الصنفين، وإذا كنا ندعو اليوم لتكثيف الدخول إلى كليات الدراسات الإنسانية فإن ذلك لما لمسناه من عزوف عنها، وأما الصواب فكامن في حالة من التعادل والتوازن بين مختلف الاختصاصات، مع بعض الرجحان لدراسة القانون والاقتصاد والآداب، تقتضيه طبيعيتنا الحركية، ف إن دراسيها يستطيعون في الغالب إقناع الطبيب والمهندس وضمه إلى صفوفنا، ويندر حدوث العكس، ولا ننفي وجود أمثلة مغايرة، ولكننا نتكلم عن الشائع الأغلب، وإنما نعني بالتعادل: ذلك التعادل في توجيه أهل الذكاء والجد الدراسي إلى هذه الاختصاصات، وأما الاكتفاء باضطرار أصحاب المعدلات الضعيفة والهمة الدراسية الواطئة لدخول كليات الحقوق والآداب فإنما فيه تحقيق تعادل ظاهري لا يؤدي ما نقصد إن روح الصراحة تتيح لنا أن نفصح عما نلمسه عند كثير من الدعاة من رواسب نظرة الإكبار العرفية التي يضيفها مجتمعنا للمهندس والطبيب، ورحنا نقلد الناس دون تدبر في مستقبل الدعوة، ولابد من أن يشترك كافة الدعاة بحملة واسعة سنوية وبتربية دائمة للترغيب بهذا التوازن ثم التخصص، ويجدر بمن يعمل للإسلام أن يلزم العزيمة وعلو الهمة والصبر، فيتحمل ما هنالك من فروق في الرواتب والفرص المعاشية والمردود المادي بين الصنفين إن بقي دون شهادة تخصص عالية تساويه بغيره.
تواضع... ووفاء
إن استرسالنا في الكلام إذا أوصلنا إلى هذا الموطن فإنه جعل الباب مفتوحا لتذكرة أخوية نوجهها للدعاة المختصين قد نتردد في قولها في مناسبة أخرى، ذلك أننا نود أن ينتبهوا إلى احتمال دخول الغرور والعجب والكبر إلى نفوسهم، لما في مجال التخصص ودراسة الدكتوراه من شائبة المعاني الدنيوية، مما لا يميزها إلا من أوتى الأنوار الإيمانية الوافرة.
وعلامة تخلص الداعية من هذا النوع من الغرور أن يعتقد على طول الخط أ، الفضل لله وحده فيما وصل إليه من علم وخبرة، وأن للدعوة ومجموع العاملين فيها أكبر الأدوار في ذلك، إذ أتاحت وأتاحوا له فرصة التعلم وأرشدوه إلى خدمة الدعوة عن هذا الطريق، وإذ كانوا له مصدر أنس واطمئنان حين صحبوه في هذه الأيام الظلماء ولم تصبه وحشة الطريق، أو يهجم عليه خوف ويأس كذلك بأن يعتقد أن الشادة وحدها ليست هي مظنة حيازة العلم والخبرة، وأن غيره من الدعاة قد يكون فيهم من هو أعلم منه في نفس موضوعه نتيجة للمطالعة والتتبع ولقاء العلماء وإن لم يحصل على شهادة، وأن عليه أن يطيع الثقة المؤمن الواعي إن وضعته الجماعة مسؤولا عليه، وإن لم يحز مثل علمه التخصصي أو شهادته فإننا نحتكم في ذلك إلى الشروط الحركية لا إلى الشروط المهنية.
وأيضًا، فإن من علامة فقه المتخصص لحاجيات الدعوة أن يكون منفذا للواجبات التي يكلف بها حين الدراسة إزاء أنصار الجماعة ومؤيديها، وفي أن يمتنع ويرضخ طائعا إذا استأذن بالسفر للدراسة ومنعته الجماعة، أو أجلت الإذن له مراعاة للضرر الذي يصيب التنظيم إذا ترك العمل في وقت غير مناسب، وعلى قلبه أن لا يظل معلقا بما أراد، فيقل نشاطه ويفتر اندفاعه، وأشد ما يكون من ذلك إذا استأذن أخ له وأجيز وأتاه المنع له فقط، إذ قد يلقي الشيطان في روعه بعض معاني الحسد الرديئة في تلك الأيام، مما لا ينقذه منها إلا الفقه الوافر والإيمان العميق واعتبار هذا التخصص من الواجب والتكليف وليس هو من مصادر الفخر والتشريف، وإنما الفخر في التقوى وفي تمني الخير لجماعة المؤمنين، على أي يد كان تحقق هذا الخير، ويكفيه أنه إن دل عليه فله مثل أجر فاعله.
إن القيادة كما يهمها أن تنفذ خطة التخصص فإنها يهمها أيضًا أن تحافظ على الجماعة كحركة عاملة ذات قوة تنفيذ وإمكانية توسع، وتظل تراقب بحذر مزالق تحول الجماعة إلى مجمع دراسي علمي ورواق فلاسفة، فتمنع البعض عن مواصلة دراسة التخصص وتجيز البعض، دونما هوي وانحياز.
دموع المربي...!
ولعلها كلمة قاسية أيها الإخوة، ولكنها من الحق: أن نستشهدها هنا، في هذا الموطن، بقول صادق لسفيان الثوري رحمه الله، فقد رؤى حزينا يوما، فقيل له: مالك؟ فقال:
(صرنا متجرأ لأبناء الدنيا، يلزمنا أحدهم، حتى إذا تعلم: جعل قاضيا أو عاملا)().
إنها الحقيقة المؤلمة في حياة كثير من الدعاة.
تعلمهم الدعوة الفصاحة واللباقة التي تمكنهم من حيازة فرص جيدة فإذا حازوها: فتروا، أو تفتح لهم الدعوة باب الدراسات العليا، ولعل إخوانهم سعوا لهم لدى المسؤولين الحكوميين لحيازة البعثات والزمالات، ولربما أعانوه بالمال، ثم يؤنسه إخوانه في غربته ويعصمونه الفتن ويخلفونه في أهله، فإذا تخرج ورجع: فتر وفكر في عذر يتملص به من العمل.
قد تصير الدعوة متجرًا لأبناء الدنيا، يلزمها أحيانًا، حتى إذا صار موظفا كبيرا أو أستاذًَا جامعيًا، و(اختصاصيا خبيرًا): تركها، وانفرد يبني مستقبله.
كلمة مرة يجب أن يتقبلها الدعاة، فإن كتف الدعوة يئن لكثرة الذين حملهم وتنكروا له.
فاعقدوا العزم على الوفاء لهذه الدعوة المباركة أيها الإخوة، واجعلوا الشهادة العالية أو التجارة أو المنصب في خدمة الدعوة لا للصيت، وإلا فإن الأمر كما يقول بعض السلف:
(إنه قل من يسر لنفس الجاه والصيت فأمكنه الخروج منه).
أي يقع في إثم التكبر المصاحب للصيت، ويترك التواضع.
أهمية لجنة التخطيط
وقد يسأل سائل من الدعاة، عن سب عدم تنفيذ هذه الأماني التخصيصية في بعض البلاد، وعن سبب عدم توزيع الأعمال الحركية؟
ونظن أن الجواب يكمن في سببين:
في قلة الطاقات المتوفرة لدى الحركات الناشئة، فهي في شد وجذب بين الرغبة في حشد كل الطاقات في مجالي التجميع والتربية تلبية للحاجة الآنية، وبين الرغبة في التوزيع والتخصص رعاية لمصالح المستقبل وحرصا على تكامل العمل، ولا مانع من الإبطاء في هذا الباب نوع إبطاء إذا كانت فرصة التجميع حسنة، وكانت الدلائل تشير إلى خطأ تفويتها، لاحتمال عدم تكررها بنفس السهولة، ولكن هذا الإبطاء يجب أن يكون مقترنا بقناعة تامة في أن تحويل بعض أصحاب الكفاية عن التجميع لا يعتبر غير خسارة وقتية لمجهودهم، وأن نتائج أعمالهم التخصصية الجديدة وستزيد مقدار الجدية العامة، وعندئذ فإن هذه القناعة ستتحول إلى مبدأ يدفع إلى تطبيق خطة التخصص الحركي والمهني في أول مناسبة سانحة دون تسويف، أو يدفع إلى التبكير في ذلك نوع تبكير يعادل ذلك الإبطاء يتيح مدة تدريب كافية للمتخصصين قبل أن نترقب منهم الإنتاج.
ويشكل عدم وجود لجان تخطيط سببا ثانيا في ذلك، لأن كثرة الأعمال اليومية المتنوعة التي تتصدى لها القيادة قد تلهيها عن متابعة الإشراف على خطة التخصيص، بينما تكون لجنة التخطيط أقدر وأوفر وقتا وطاقة، خاصة وأن بإمكانها الاطلاع على كافة اقتراحات قدماء الدعاة في ذلك من خلال المؤتمرات التنظيمية التي تعقدها بإشرافها أو تحضرها إن كانت بإشراف غيرها، مع ما تتيحه طبيعة تركيبها من حرية التنقل في البلدان والتعرف على ما تبتكره الأجزاء الأخرى للحركة في هذا الصدد، وجردها لأنواع الحلول المناسبة لمشاكل التخصص ثم الاقتباس من كل ذلك، في الحين الذي تكون فيه القيادة العامة مأسورة، غارقة في متابعة الأعمال، وتمنعها واجباتها في الأشراف على القطاعات والمناطق عن مثل هذا التنقل.
قضية التنظيمات الاختصاصية
بيد أن التخطيط التخصصي لا يقتضي بالتالي بناء التنظيم على أساس التخصص المهني للدعاة، والأفضل أن يكون تنظيما مختلطا يندمج في وحداته النموذجية المنبثة في المناطق السكنية كل الدعاة على اختلاف مهنهم، ولا مانع بعد ذلك أن تنهض إلى جانبها لجان مصغرة تعين تنظيمات المناطق السكنية على استثمار آخر ثان لقابليات أهل كل مهنة خلال أوقات ممارستهم المهنية أو في مجتمعاتهم الخاصة التي تربطهم بزملائهم في المهنة، كمثل لجنة عمالية تنسق نشاط العمال الدعاة في المعامل والمجالات النقابية، أو لجنة أخرى تنسق نشاط المدرسين في المدارس ونوادي المدرسين.
إن البعض ينادي بضرورة وجود تجمع للقانونين وآخر للاقتصاديين وثالث للمهندسين، ورابع وخامس، بحيث تضم هذه التجمعات أجود الدعاة معدنا من أهل الاختصاصات، وكل تجمهر يعتبر تنظيما أساسيا للدعاة الذي ينخرطون فيه، وتخضع كل التجمعات لقيادة واحدة تمثل رؤساء هذه التجمعات، ويكون واجب كل تجمع أن يقوم بدراسات مستفيضة في حقله ينشرها للناس تكون هي أساس إقناعنا لهم لا الكلام الشرعي المجرد، وأما تنظيمات المناطق السكينة فإنما تضم من لا يستطيع أن يستطيع أن يشارك بنوع فائدة في هذه التجمعات.
ولكن معارضة القيادات، وكتابات سيد قطب رحمه الله في الظلال، دعت أصحاب هذا الاقتراح إلى عرضه في صورة معتدلة، وجعلتهم يتوسطون ويكتفون بالدعوة إلى تكوين هذه التنظيمات الاختصاصية ضمن الإطار العام للتنظيم الحركي.
ولا تخلو هذه النظرة المعدلة من صواب، ولكنه دعاهم إلى المبالغة، والذي نراه أن يكتفي من ذلك بوجود اللجان الصغيرة فحسب، أو وجود التنظيمات الثانوية المعينة التي تغطي الأوقات المهنية للدعاة إذ هم في المعامل أو المدارس أو دواوين الحكومة، وأما حشر جميع أهل الاختصاص الواحد أو أحسنهم مستوى في تنظيم واحد فهو إسراف في استغلال هذا الصواب.
إن الحركة يهمها أن يوجد الآن في كل قطر بضعة دعاة مختصين في كل فرع يتشاورون بينهم ويبحثون ويضعون الدراسات، وأما الجمهرة العظمى من الدعاة فتمارس التجميع والتربية،وإعداد الصفوف نم خلال تنظيمات المناطق، وتلك القلة الاختصاصية تستطيع أن تنمي قدرتها برفع عملها إلى مستوى عالمي يتم فيها تعاونها مع مثيلاتها في الأقطار الأخرى على شكل مؤتمرات ومحاورات وتبادل للخبرات والدراسات والإحصائيات المجموعة والوثائق المكتشفة.
ونستطيع أن نرصد أسبابا عديدة تنتصر لوجهة نظرنا هذه في تحديد حجم التنظيمات الاختصاصية، منها:
1- أن أي تضخم في حجم التنظيمات الاختصاصية يعرضها إلى انتهاج خطة مخالفة للخطة الشاملة التي تضعها قيادة التجمع الحركي العام، لأن صاحب كل اختصاص قد ينظر من زاوية ضيقة ومن خلال حماسته لاختصاصه من حيث لا يشعر أحيانًا، وربما يعطي في تصوره لعمله التخصصي مكانا من الأهمية في حياة الحركة الإسلامية في مرحلتها الحاضرة أكبر مما يستحقه نوع العمل ومدى الحاجة له، وقد يؤدي كل ذلك إلى اختلاف المنهج التربوي بين التنظيمات الاختصاصية وتنعدم الوحدة التربوية أصلا، فإن مسائل التربية تحركها قناعات ومفاهيم وأعراف تنشأ من خلال تبادل وجهات النظر والحوار أكثر مما تحركها أوامر قيادية وبنود مكتوبة.
2- وربما كان في تداخل الأعمال سبب آخر يقنع المجرب، فإن كثرة التنظيمات ذات العمل شبه المستقل تجعل التشابك والتعارض محتملا، لأن المجتمع الذي تعمل فيه واحد، وتأمل حال مدعو مهندس مثلا يتوجه إليه داعية مهندس، وفي نفس الوقت يتوجه إليه جار له من الدعاة أو بعض المصلين من الدعاة معه في المسجد الذي يعتاد الصلاة فيه، وليس بين الاثنين تشاور وصلة.
3- كما أن من سلبيات هذا التوزع الاختصاصي ما يكون من تفويت استغلال بعض أوقات الداعية وهدرها، إذ ليس من الممكن استنفار الداعية في كل ساعات نهاره وليله للتنقل ولقاء الناس، كأنه ضابط جيش في إنذار وتعبئة عامة، بل هو يقضي الكثير من أوقاته في بيته وفي المسجد القريب من بيته، ومع جيرانه وفي مقاهي منطقته، هكذا في استرسال بلا تكلف، وهذا يعني أن مثل هذه الساعات سوف لا يستثمرها.
4- وكأن الدافع الذي يدفع بعض الدعاة إلى تضخيم أهمية التنظيمات الاختصاصية يرجع في نشأته إلى تقليدهم ما يرونه من طريقة عمل الأحزاب الغربية دون مراعاة النسبية ودون رؤيتهم الفارق بين مجتمعنا والمجتمعات الغربية، فالفرد هناك تحركه المصلحة المادية الذاتية أولا وآخرًا، ولذلك يهم الأحزاب أن تقدم له دراسات اقتصادية وسياسية تنقد من خلالها خطط الأحزاب الحاكمة وتعد بحلول بديلة، مثل الموقف من السوق الأوروبية المشتركة، ومشكلة الطاقة، والتضخم النقدي، والتلوث، والهجرة، وأما مجتمعنا نحن في كل قطر إسلامي ففيه بقية خير من الناس باقية، ومازالت تؤمن بالإسلام إيمانا فطريا لا يحتاج إلى تكلف الدراسات الكثيرة، وتستطيع ببعث الهمة في هذه البقية وتنظيمها وتوعيتها أن تعيد إلى الأمة حكمها الإسلامي المنتزع، دون الحاجة إلى المبالغة في تنوع الأساليب وفنون العمل، إذ لا تستلزمها بساطة معظم الناس المتعاونين مع الدعوة من أصحاب الفطرة السليمة والاندفاع الذاتي.
وهناك فارق أساسي في طبيعة عملنا يجعله يختلف اختلافا بينا عن طبيعة عمل الأحزاب الغربية، ذلك أن جهاز الحكم في الدول الغربية راسخ، وعمل الأحزاب تنافسي لا يحاول التغيير الجذري، ولا هو عقائدي، ما عدا الأحزاب الشيوعية، وبالتالي فإنها تع تمد على الأصوات الانتخابية مما تعتمد على العضوية الدائمة والتربية الداخلية، ولا يهمها ذلك كثيرا لتحقيق وحدتها الحزبية.
بينما عملنا تغييري عقائدي حركي، ونحن نعمل في وسط صعب يعرضنا للمحن، ولا بد من متانة الوحدة التنظيمية، ونرى أن تعدد التنظيمات الاختصاصية يضر بمصلحة هذه الوحدة المبتغاة، ويفتح أبواب الخلاف والفتن، وقد ينحرف التنظيم الاختصاصي كله إذا انحرف المشرفون عليه في انشقاق، لانغلاق حياتهم عن الدعاة الباقين، وكثرة تناجيهم وانحجابهم عن رؤية مصالح بقية فروع التنظيم، ومن طبيعة القلوب: التقلب، والحذر والاحتياط آكد.
وحتى في مرحلة المجابهة التي يكثر احتياجنا خلالها لبيانات باسم الجماعة في قضايا الساعة الاقتصادية والسياسية والدستورية:
نمنع المبالغة في تصوير ارتباط هذه البيانات بإنشاء التنظيمات الاختصاصية، فإن الوحدة التنظيمية ومتانة الصف الداخلي تغدو أكبر ضرورة من ناحتين: من ناحية كثافة يوميات العمل أولا، المسببة لاحتمالات كثرة الخلاف في وجهات النظر بين العاملين، ولابد من تحصين الدعاة ضد تطور تباين الآراء إلى تباين القلوب والافتتان. ثم من ناحية تتعلق بالطبيعة الهجومية لعمل الحركة الإسلامية، وهي طبيعة تستدعي مزيدًا من الانضباط والسيطرة القيادية، كالتي يحتاجها الجيش المهاجم، ولم يكن العمل الصامت في التجميع والتربية ليستدعيهما بنفس الدرجة.
*ومن الغريب أن الحزب الشيوعي السوفياتي قد لمس أضرار تجزئ ارتباط أعضاء المنطقة الواحدة حتى بعد خمسين سنة كاملة على ثورة أكتوبر، وقد كان من قناعة ساسة الحزب بعد رحيل خروشوف، بمثل هذا المنطق: العمل على تنظيم جميع الشيوعيين في المنطقة الواحدة معا في وحدة واحدة بدون انفاصل.
* إلا أن بعض الحركات تظن أن بمقدورها أن تتملص من هذه الأضرار والسلبيات إذا جعلت الموظفين كلهم على اختلاف اختصاصاتهم في تنظيم موحد ولو انعزل عن الطلاب.
*ولسنا نرى صواب هذا الشكل أيضًا، فإن الأسباب الأربعة المذكورة آنفا تبعث على التخوف منه، فوق وجود أسباب أخرى، منها:
5- ما أشرنا إليه عند الكلام على توحيد المستويات التربوية من أهمية اختلاط الكبار بالصغار، والجيل الرائد بالجيل اللاحق، ليتم التعادل، ويحصل للخير تبادل.
6- وفي كلامنا الذي يوشك أن يأتيك في هذا الفصل عن ظاهرة تكامل الأجيال ما يعطيك مزيد قناعة للإقرار بمثل ما نذهب إليه من وجوب اختلاط جميع الدعاة في تنظيم واحد، ولا نرى أن يعترض علينا معترض هنا فيقول بأنهم يحيون كأجيال متكاملة وإن اختلفت تنظيماتهم، ذلك أن العلاقات التنظيمية المختلفة تجعلهم في عوالم مختلفة متعددة وإن رأى بعضهم بعضا رؤية عين يوميًا.
7- وسنوجب في آخر المسار أن يتمثل في القيادة جيل الشباب كما يتمثل فيها جيل الكبار المجربين، وهذه النظرة تصدق على القيادة العليا كما تصدق على قيادة كل منطقة، وكل مجموعة عمل صغيرة، وما لم تتواجد كل نوعيات الدعاة ونماذجهم وأجيالهم على صعيد عمل واحد مختلط فإن أنواعًا من النقص ستحصل:
§ وهكذا تتجمع سبعة أسباب تبعث الزهد بالتنظيمات الاختصاصية أو بانحياز الموظفين والكبار في تنظيم مستقل، هي:
§ احتمال تعدد الخطط وثلم الوحدة التربوية.
§ وتداخل عملها مع عمل المناطق.
§ وهدر بعض أوقات وطاقات المنتظمين فيها.
§ ومغايرة طبيعتنا الحركية لطبائع الأحزاب في العالم الغربي.
§ واضطراب عملية توحيد مستويات الدعاة.
§ وانثلام تكامل من أجيال الدعاة.
§ وفوات التكامل القيادي.
§ لكن إنما نسوغ استقلال الموظفين في الحركات الناشئة إذا لم يكن عددهم كبيرًا، فلربما لا يجد الموظف قرينا في المنطقة قريبا، فيكون لم شتاتهم في تنظيم واحد منطقيا، وأما في حالة كثرتهم فإن الأولى أن يتم تنظيمهم في مناطق سكنهم، باختلاط مع الطلاب والعمال وغيرهم، أو في حلقات ووحدات تنظيمية منفردة، لكنها تابعة لمسؤول المنطقة، مع مشاركتهم في الأعمال العامة.
ولا نمنع أن يكون هناك تنظيم مستقل للموظفين وكبار السن، يضم من لا ينفع المناطق إذا اقتضت مصلحة من المصالح ذلك، أي عكس نظرة إخواننا هؤلاء الذين يدعون إلى إنشاء التنظيمات الاختصاصية ورصد أكثر الدعاة كفاية لها، وكنا قد استصوبنا خلال فقه الاصطفاء، إيجاد زوايا تنظيمية خاصة لغير أهل البراعة واعتبارهم خزينا تنظيميًا.
(العامل الرابع من عوامل الجدية): منع الهجرة، حفاظًا على تكامل أدوار الدعاة في كل جيل منهم.
فإن ظاهرة التوازن الاجتماعي التلقائي ما زالت سرًا من أسرار حركة هذه الحياة تنبني عن حكمة خالق عليم خبير يسيرها، وقد لا يشاهد هذه الظاهرة من تركه الاضطراب اليومي الحاضر في دوامة لا يستفيق مناه ليتاح له التأمل الهادئ، ولكن المتفكر في بعض حقائق العلم والسائح الناظر إلى طبائع حياة الشعوب يريان هذه الظاهرة جهارًا في وضوح تام.
إن هناك عشرات الأمثلة لتأثير معدل درجات الحرارة والرطوبة والرياح على توازن حياة النبات وانتشار البذور ونموها أو توالد الحيوان ولكننا نتجاوزها اختصارا، لنضع أنفسنا وجها لوجه أمام أعظم ظواهر الحياة المتمثلة في محافظة الجنس البشري على نسبة ثابتة من نمو الذكور تعادل أربعة من كل عشرة مقابل ستة إناث، في كل البلاد، وكل المجتمعات، حارها وباردها، أبيضها وأسودها، فهي في غابات إفريقيا والأمازون كما هي في الصين وأطراف سيبيريا، بحيث إذا اختلت هذه النسبة أثناء التلقيح الأول في الأرحام: عادت فقاربت التعادل بعد مدة الحمل، بالإسقاط، وإذا بقيت مختلة عند الولادة، عادت فتعادلت بعد الولادة بالأمراض المميتة، بحيث تظل نسبة المحافظة على أربعة يافعين مقابل ست بنات فتيات، مع اختلاف الأرحام، وكونها بيضة واحدة تغزوها ملايين الحيوانات المنوية من الرجل، مما يجبرك على الإيمان بحكمة حكيم تدبر هذا التوازن، وقد كشف الدكتور الفاضل حسان حتحوت كبير أطباء الولادة في الكويت عن هذه الحقائق في مقال علمي رائع نشرته مجلة العربي الكويتية.
والمراقب لأصحاب المهنة المتعبة القليلة الربح في بلاد الشرق يظن أنهم ضحية التخلف المدني وسوء التخطيط، وأنهم أجدر أن يكونوا عمالا فنيين، وبعض ظنه صحيح، إلا أن بعضه الآخر تنقصه مخالطته لمختلف الشعوب، فإن السائح يري مثل هؤلاء في أوروبا الغربية، وفي أعلى بلاد العالم تقدما، فيري في الإنجليز والألمان مثلهم، فيدرك، أن الله قد خلق الذكاء والهمم مراتب مختلف في كل الشعوب ليتم تكامل المهن والمصالح الحيوية وليصدق قوله في تفضيل بعض على بعض في الرزق، فإذا انتقل إلى البلاد الشيوعية في شرق أوروبا وغيرها ورأى مثل هؤلاء أيضًا: ازداد يقينا بهذه الحقيقة وبوجود هذه الحكمة وراءها، وإدراك أنها ليست من ظواهر الحياة الرأسمالية فقط، وإنما هي ظاهرة توازن عامة في الأمم تتكفل بإدارة دولاب الحياة، ولو انتقض هذا التوازن لأصاب الناس حرج شديد، إذ ليست كل البلاد ذات مال وفير تستطيع به استيراد عمال المهن الواطئة المستوي إذا ترفع أبناؤها عنها.
تكامل وتكافل وتجانس العلاقات وتناسق الأدوار في حياة الدعاة
هاتان المقدمتان تكفيان لتوليد مقدرة على رؤية حكمة ربانية تتمثل في ظاهرة اجتماعية ثالثة يبدو بها كل جيل من الدعاة في كل مدينة متكاملا تكاملا ذاتيا، بحيث جعلته أيام العمل ونتائج التربية متوازنا تلقائيا توزعت فيه أدوار أفراده دونما تكلف لتؤدي مجتمعة إلى حالة من العمل الدعوى التام الشامل والجدية الجماعية، فتجد في كل جيل من هو قيادي ومن هو منفذ، وتجد المربي، والكاتب، والقدوة في العبادة، والممول لحاجات أقرانه المقرض لهم، والمتكفل بتزويجهم، وخليفتهم في أهليهم عند السفر، وحلال المشاكل العائلية عند حدوثها بينهم، ومن يحمل إخوانه على أداء الواجبات العائلية عند حدوثها بينهما، ومن يحمل إخوانه على أداء الواجبات الاجتماعية في التهنئة أو التعزية ويذكرهم بها ويصطحبهم معه، ومن يتسوق لهم ويدلهم على البضاعة الجيدة الرخيصة، أو يشفع لهم، أو يساعد على علاجهم، وأمثال ذلك، بحيث الاتحاد السوفيتي كامل مصالحهم ويتراكب بعضها على بعض، حتى أن بعض أصحاب العقلية التقليدية هم أبرع في التنفيذ التبعي وأصبر على شظفه، ولو حل القيادي المجتهد محلهم لكان أقل براعة منهم في التنفيذ ولأسرع إليه الملل، أو إنهم افتقدوا المتعبد لحلت القسوة في قلوبهم وأحاطتهم الغفلة مهما كان المنهج التربوي جيدًا، أو لو أن المتكفل بتزويجهم غاب عنهم لأخطأ بعضهم في اختيار الزوجات، فما بين مطلق متعب أو تارك للدعوة تابع لزوجته.
إنها علاقات متنوعة يكيف لها كل جيل نفسه تبعا لحاجاته، وتزداد إتقانا مع مرور السنين، حتى أن جملة صغيرة من النصيحة من أحدهم لبقية جيله الذي يألف كلامه لتغني عن مقال من غيره، وحتى أن خاطرة ترد إلى ذهن أحدهم يبثها لإخوانه يكون لها من الأثر ما ليس لخطة تحريك فصلية، بما نشأ له معهم من تاريخ مشترك، ولد تجانسا قلبيا، امتزجت به الأرواح.
إنه توازن يأتي بحكمة ربانية وقدر مقدور خفي، ووجهه الظاهر كامن في التربية المتبادلة، بمعناها التأثيري الواسع، لا من المربي الأعلى إلى تلامذة في الأسفل فقط، بل هي تأثيرات منسابة تتردد بين الأقران تنتجها طباعهم وهواياتهم وميولهم، فهم قد يطيعون مسؤولا لهم ويحبونه، لكنهم في نفس الوقت يذهبون إلى غيره في أمورهم الحيوية، من زواج وطلاق وتجارة وتوظف وتسوق، فيفتيهم بالأصلح فيها، ويتبعون قوله، فيتئد أحدهم في زواج قد يكون فاشلا، ويرجع عن طلاق قد يكون به ظالمًا، أو صفقة تجارية قد يكون بها خاسرًا، وبذلك يبعدون عن المشاكل القاتلة للمعنويات، وتتسق حياتهم المعاشية أيضًا لا الحياة التنظيمية فقط، وتقام علاقات صحيحة سائرة بلا اضطراب ولا ثلمات، وتحوطهم سعادة يسهل معها الحفاظ على سمت الجدية.
وفي نطاق المجاميع المختصة تبرز هذه الظاهرة بشكل أوضح، فإن مجموعة العمل الصحفي مثلا تتجانس مع الأيام، ويكون أحدهم أعرف بالاصطلاحات المفضلة، والأساليب والمعاني التي ترضي الدعاة ويفهمها الناس ولا تولد حرجا تجاه الرقابة، فإذا تبدلت عناصر هذه المجموعة: اضطرت لتجديد التجربة وتكررت الأخطاء.
هذه الحقائق تفرض علينا حرصًا على تواجد الأجيال كاملة، بمنع الهجرة من البلد إلا في أحوال الضرورة أو المصلحة التي تقدرها القيادات، وما مصاعب العمل الإسلامي في مصر وسوريا وبعض البلاد الأخرى إلا نتيجة لاختلال هذا التكامل وسعة هجرة الدعاة إلى الخليج والغرب، وكاد أثرها أن يكون أكبر من المحن، لأن السجين يمد إخوانه الطلقاء بمعنوية تثير فيهم معني الثبات والوفاء للدعوة، ولكن الهجرة ذات أثر عكسي، إذا لربما أثارت في الأقران معاني التنافس الدنيوي، فوق ما تسببه من انثلام التوازن ونشوء ظروف تسهل فيها الفتن الجماعية أو الفردية.
بل إن المأساة التي يشهدها الشعب المصري بأجمعه ليست من نتاج الاقتصاد الضعيف كما يقولون، ولا من نتاج الحروب المتكررة، بمقدار ما هي من نتاج هجرة الأخيار، فإن قطاعات واسعة من علماء مصر في الشريعة أو في مختلف الفنون، ومن أدبائها ومربيها وقضاتها وأبطالها، والمستورين من أطبائها ومهندسيها، وأشرافها وسادة أهلها، قد هاجرت إلى الخليج والمملكة السعودية وأوروبا وأميركا واستراليا، بضغط الظروف السياسية أو الحاجة المادية، حتى لم يبق من الأخيار في دالها عدد كاف تتعادل به الحياة الاجتماعية، وكثر الجهلاء والغوغاء والجبناء واستبدوا في احتلال الساحة وأرغموا بقية الخير على السكوت. والانسحاب من الحياة العامة.
نظرة إلى معني الزهد في بعده الدعوى
نعم، نحن لا ننفي مصاعب العيش التي تضطر بعض الدعاة إلى هذه الهجرة، وطلب اليسار والغني وازع وغريزة، ولكن تربيتنا مكلفة بأن تحمل الدعاة على شد ركبهم والأخذ بالعزيمة وتكلف الصبر على الفقر، وأن تشعرهم بحلاوة الجزاء الأخروى ولذة النجاح في تحقيق التأثير الفكري الإسلامي والأخلاقي في الناس.
ولعل من أسمج الجزاف أن يطلق البعض قوله فيصف البلدان التي يهاجر إليها الدعاة بأنها مقابر لهم، وإنهم يتحولون فيها إلى أصفار على الشمال، ذلك أن الأرض كما أنها لا تقدس أحدًا ولا تشرفه فإنها لا عقله أو تأسره، وصاحب النشاط هو هو أينما ذهب، ولكن استجابة المجتمع الغريب له تكون ضعيفة جدًا، فلربما مال إلى يأس، ونظرة الانصاف تريك أنواعا من الفوائد قدمها المهاجرون، وإنما نحن ندعو إلى موازنة مصلحية كمية لسنا نجد كبير عناء لاكتشاف رجحان مقدار نفع الدعية في بلده وبين أقرانه وأهله على مقدار نفعه في الخارج، ومن هنا كانت وصية الجاسوس الأميركي إلى رؤسائه بحمل الدول النفطية على إيجاد فرص عمل للدعاة جيدة، وهي الوصية المشهورة في الوثيقة الخطيرة التي فضحتها مجلة الدعوة.
لكن حمزة لا بواكي له
بل وأكثر المهاجرين إنما هم ضحايا تصورات خاطئة كونوها لأنفسهم قبل رحيلهم، فإنهم لا يزيدون في هجرتهم على أن يستبدلوا متاعب الحاجة المادية بمتاعب أخرى من نوع جديد تنغص عليهم حياتهم أيما تنغيص.
فالمهاجر إن أحسن في المجتمع الغريب: لا يشكروه، وإن أخطأ: لا يعذروه، ويظل يعيش عن أهل البلد بمعزل، ومع بقية المهاجرين في تنافس وتتوالى التهم عليه عند أدنى خلاف أو سوء تفاهم دونما حماية من أحد يستجير به، وتتراكب على عاتقه كل أمور بيته ولا معين له من أقاربه أو أصحابه فتبدأ الانتكاسات النفسية تترى عليه وعلى زوجه وأولاده، ويتأسف على أيام كان يسير فيها في بلده مرفوع الرأس، عزيزا بين معارفه، مهما ظلمه المتجبرون، أو أرهقه العوز، ويبدأ يحس أن الناس يعاملونه نفس معاملة أي صعلوك لمجرد انتسابهما إلى بلد واحد، ويفتقد الأيام التي كان يمشي بها بين الناس بمفاخره وتاريخه ونسبه ومناقب أهله، إذ كل ذلك مهدر في المجتمع الغريب مجهول، وإنما يعاملونه كابن ساعته.
إن في هذه الحقائق ما يجعل من منع الهجرة عاملا مهما من عوامل الحفاظ على الجدية الجماعية، إلا هجرة مضطر يخاف أن يهدر دمه أو يطول سجنه أو تنتزع الأسرار منه بتعذيب، أو هجرة بعثة دراسية موقوته، أو هجرة قيادي يربي ويخطط.
الخطط تحتاج إلى حنان وحضانة
(العامل الخامس): تهيئة الأوليات الممهدة والظروف المساعدة وزخم الاستدامة لكل عمل مهم أو مهم أو انعطاف خططي.
فإن العمل الحركي الحزبي شبيه في بعض جوانبه بالعمل الحربي، كيف أن النصر في المعارك لا ينال بالمقاتلين فقط، بل بجاسوسية واستطلاع أيضًا تكشف لهم قوة العدو ومكامنه، وبتعبئة معنوية للشعب، يدفعه لتأييد الحملة، وبحرب نفسية توجه للعدو، فكذلك أعمالنا، لا بد لها من مجهود مساند وخلفية إرتكاز.
إن نظرية إيجاد البيئة المناسبة والمناخ الملائم ما زالت من أهم أركان إحلال الجدية في كل عمل سياسي أو تربوي، إسلامي أو جاهلي.
وهي ذات ثلاث مراحل:
*مرحلة الأوليات الممهدة: قبل البدء بالعمل، وقد تشمل تحضير الأجواء النفسية، بالتفهيم الجيد لأبعاد العمل المراد تنفيذه من خلال دراسات وصفية وشروح وإقناع بجدواه وأسبابه، أو بتحضير الضرورات المادية كأرشيف مثلا لإسناد عمل صحفي، ويدخل في معني هذه المرحلة أيضًا: أسلوب التدرج في التنفيذ، ترفقا بالعاملين ومنعا للإرهاق، كمثل إناء زجاج بارد لا نضع فيه ماء حارا لئلا ينكسر، ولكن نحميه بالتدرج، ذلك أن بعض النفوس ت نكسر إذا وضعناها في العمل الجدي مباشرة وبخطوة واحدة.
وتساهم البحوث الميدانية بدور كبير في إتقان التمهيد، ولها أثر واضح في اكتشاف الحلول الملائم لكثير من المشاكل التربوية والصعوبة التنظيمية، لما فيها من استقصاء الواقع وجرده جردًا دقيقا يتيح للمخطط صواب التشخيص، حتى غدت نتائج هذه البحوث أجدر بأن توصف بأنها الفراسة الحسابية الجماعية التي تشتق لها دورًا يطور دور فراسة المؤمن الذكي، فصاحب القلب الحي يكون له حدس وتخمين صحيح إذا كان يعلم السوابق ويقيس الأمور بالموازين الإسلامية، حتى أن الساذج ليظنه يعلم بعض الغيب، وهذا هو الذي أشار إليه إقبال لما ذكر خفاء الغيب ثم قال مستدركا.
ولكن رب القلب: للغيب يشهد.
أو هو عند آخر:
يصير بأعقاب الأمور بِرأيِه كأن له في اليوم عينا على غد
وهكذا الصنف القيادي أيضًا: تنشأ له فراسة جماعية بواسطة البحوث الميدانية، يطلع بها على تفصيل يوم الدعوة وغدها.
*ثم تأتي يثانيا مرحلة تكوين الظروف المساعدة: أثناء القيام بالعمل، تضارعه، وتقترن به، والغالب أننا مطالبون بأن نوجد هذا الظرف، كنشر بحوث فقهية في السياسية الشرعية والقانون المقارن تسند معركة مطالبتنا بدستور إسلامي مثلا، أو الحصول على تصريحات مؤيدة من قضاة كبار، ولكن يدخل في هذا المعني أيضًا: استغلال ظرف حسن تكون تلقائيا بدون جهد منا.
*ثم مرحلة لاحقة لتوليد زخم الدفع الذي يديم الجهد الأولى المبذول وينميه ويطوره ويخرجه عن حد الفورة: بوضع مشرف مراقب مثلا يختص بذلك العمل، أو عقد مؤتمر لتقويم نتائج التنفيذ الأولية.
إن إيراد الأمثلة الشارحة لهذه المراحل التي تسبق العمل وتواكبه وتتلوه لا يمكن أن يوضع لها حصر، والمرفوض أن تسأل كل قيادة نفسها عن ذلك قبل كل عمل كبير تنويه، وسوف تجد نفسها غير عيية عن الجواب، إذ أن متممات العمل تفرض نفسها على المفكر في بإمعان.
دور المؤثرات التربوية في الاستدراج والإبهام
وانظر كيف يستغل أهلا لباطل هذه النظرية لترويج تدليسهم بمقابل ما نستغلها في البناء والخير، وخذ من ذلك مثالا كامنا في الصحافة: كيف تستخدمها الدول الكبرى لغرس مفاهيم وانطباعات وتصورات في شعوب العالم تمهد بها لأعمالها السياسية، بل تصل أحيانا إلى درجة غسيل المخ، كما في الحملة الصحفية في مصر لتبرير الصلح مع اليهود.
ويحصل ذلك في النطاق الاقتصادي أيضًا، ومن أمثلته: تنادي التجارب وأصحاب الأموال في البلاد المستهلكة خاصة لإنشاء جرائد بعد الغلاء الذي حدث أواسط السبعينات تبرره وتقذف في نفس القارئ بالتدريج ومن خلال التحليلات المدسوسة بحذر مع الأخبار السياسية قناعة بأن التجار المحليين لم يستغلوا الغلاء العالمي لمضاعفة الأسعار بل هم صرعاه أيضًا وضحاياه، هم والمستهلك الذي استعجل اتهامهم على درجة سواء.
وقد أوردنا هذا المثل لتفهيمك دور الإقناع والتمهيد، وإنما للباطل المثل السافل.
تناسي الحقوق: ينشئ العقوق
(العامل السادس): ضبط حقوق وواجبات الدعاة بنظام داخلي صريح.
فإن ترك العلاقات لأحكام الأعراف يجعلها واهية غير حاسمة ويقل الوضوح فيها، مما يوجد مجالا لاختلاف التفسير أو افتيات أحد الطرفين على الآخر، القائد، والتابع.
إن أهمية الحريات داخل الجماعة تماثل أهمية الحريات العامة في المجتمع، وتكون سببا في إطلاق الطاقات وتحفيزها وتنميتها، وعلى أساسها يغرس الشعور بالمسؤولية، وكما أن الحكم المستبد يقتل الكفايات واضطرها إلى التواري والانعزال، أو إلى الهجرة والرحيل، فإن تفرد القيادة يؤدي أيضًا إلى ضمور الولاء لها في نفوس أتباعها وتجعله يتضاءل إلى حده الأدنى، وإذا وجدت قيادة لا تشاور، وتتجاوز، وتضييق ذرعا بالنقد: عمت النجوى، واحتبست الآراء في صدور أصحابها، وصار التفتيش عن مسارب التملص.
ولا نستبعد أن يستغل بعض ذوي الأغراض أو الجدد الذين لم يستكملوا الوعي هذه الحريات في الجماعة الإسلامية استغلالا سيئا يولد الضرر، ولكن المصالح الكامنة في هذه الحريات تبقى هي الراجحة، وما من إيجاب إلا وله صور ناقضة من السلب، ولا صفاء إلا وتعكره بعض الشوائب، مهما قلت، وكل سوء وانحراف يعالج بما يناسبه.
وقد تحتاج بعض المراحل أو بعض قطاعات التنظيم إلى حزم مضاعف يقتضي تضييق هذه الحريات، ولكن هذا التضييق يليق كاستثناء توجبه الضرورة، ويأتي قصير الوقت أو محدود النطاق، وتبقى أيام العمل الأخرى على طبيعتها حرة، مليئة بالتشاور.
وتبدو إتاحة حرية القول سمة بارزة في هذه الحقوق التي يكسبها الدعاة وتأتي في صورتين مهمتين:
صورة إطالة النفس القيادي في الاستماع لرأي المخالف، و عقد الاجتماع معه، مع توقع صوابه، وعقد النية على التواضع للحق إذا أقام الدليل عليه أو أورد من القرائن ما يقنع، ويظل هذا النفس طويلا ما دام المخالف ملتزما أدب القول والجندية، مهذبا، بريئا من التحدي، بعيدًا عن ولوج الجيوب.
ثم صورة ثانية: تكونها كثرة المؤتمرات التي يسبقها تحضير جيد وتضبط بجدول أعمال مسبق، يستقصي الاقتراحات من خلال استنطاق الدعاة الذين سيحضرون المؤتمر، ذلك أن المؤتمرات تعتبر أحسن مجال لتبادل الرأي، وتعليل المواقف، وبيان فقه الخطوات، قبل أن تكون مجالا للتخطئة، وإظهار الخلاف، والقيادة القوية تستطيع أن تجعل صوتها في المؤتمر هو الأعلى، وإقناعا لا فرضًا، ولكن من شأن القيادة الضعيفة أن تفترض لنفسها ابتداء موقف المدافع أمام انتقاد الدعاة.
ولعل من أهم معالم الأنظمة الداخلية: النص على وجوب توقيت البيعة وتحديد مدة ممارسة القيادة بسنوات معينة وجعلها مشروطة بشروط تمليها طبيعة المرحلة، أو شخصية القائد، يتم الاتفاق عليها قبل الانتخاب، ذلك أن في هذا التحديد والاشتراط ضمانات عديدة لجعل عملية تغيير القيادة عند عجزها أو عند تباين وجهان نظرها مع نظرات الأتباع عملية طبيعية، ينتظر لها الجميع أوان انتهاء المدة دونما حاجة لعصيان.
أما البيعة مدى الحياة فنرى فيها إلغاء لدور عقول الدعاة لمدة مستطيلة ليس غير الله يعلم ما يحصل من تقلب في أفكار واجتهادات المجموعة العاملة خلالها، وما كان من عدم توقيت البيعة للخلفاء الراشدين لا يلزمنا بوجه وإنما ذلك مقدار اجتهادهم السياسي أو تقليدهم لأعراف الأمم آنذاك.
وأي ضرورة للإطلاق إذا كان من الممكن إعادة انتخابات القائد الناجح المرضي وتجديد البيعة له؟
إن القول باستساغة البيعة لقائد مدى الحياة بضمان الاستدراك الذي ينص على جواز إقالته عند العجز، لا يمكن أن يعطي لهذه البيعة مقدارًا كافيا من التبرير الفقهي والمنطقي لها، فإن هذه الإقالة لا تستعمل إلا عند الانهيار الكامل الذي يقع فيه القائد، وأما الضعف غير الشديد واختلاف النظرات فإنهما لا يدفعان إلى هذه الإقالة، رغم ما يحس به أهل الحل والعقد من الدعاة من أفضلية التحول إلى آخر أصلح منه وأقدر لو كان بمقدورهم أن يأتي هذا التحول بطريقة طبيعية تلقائية ودية عند إعادة الانتخاب يوم تنتهي مدة البيعة، ولكن التعقد اللاصق بطبيعة الإقالة، ومعنى التحدي الكامن فيها، وكونها استثناء مثير مجفل قد يصدهم عن اللجوء إلهيا مع شعورهم بوفور المصلحة في مجئ قائد جديد.
(العامل السابع): اتخاذ الاحتياطات قيادية تدرأ الفتن:
فإن الكثير من التنظيمات الجديدة لم تراهق بعد، فيظن من فيها أنها بدعوة في العاملين، وأنهم أجادوا التربية فانتفت ظواهر الخلاف والتطرف والتساقط بين إخوانهم.
وذاك نوع من الاعتداد لا تصدقه سنن تطور الجماعات العاملة، فإن من شأن البداية الهادئة أن لا يختلف في حيثيات خطتها البسيطة اثنان، ومن شأن المجموعة الصغيرة أن لا يكثر المتطلعون للصدارة فيها، ومن شأن الترغيب والترهيب أن لا يصرعا صرعاهما من بعيد.
أما حين يتقادم عهد التنظيم وتكون له بعض القوة فإنه يبدأ مرحلة مراهقة صعبة، إذ تكثر المواقف تجاه الأحداث والحكومات والأحزاب، فتتعدد الاجتهادات، ويأتي احتمال الخلاف في ثنايا هذا التعدد. كما أن اتساع المجموعة يبرز رؤوسا قيادية متعددة، أيضًا بحكم مركزها التنظيمي، أو بحكم قابلياتها العالية التي تشد قلوب الآخرين إلى تبعيتها، ومع هذا التعدد احتمالات لخلافات أخرى، مبعثها الاجتهاد المتباين أو الغرور وروح التزعم، كما أن الترغيب إذا اقترب تكون همسته الخافتة في الأذن أقوى من ندائه العالي عن بعد.
والعلاج يكمن في أن تتوقع القيادات هذه الصعوبات منذ البداية، وأن لا تبني أمرها على وداعة تراها تغمر سنوات العمل الأولى، بل تشرع في تربية تقلل الخلاف المحتمل وفي توعية تضعف أسبابه،، وأما القضاء ع ليه وعلى أسباب فنحسبه مستحيلا.
وكأن أسباب الفتن تتقاسمها طبيعتان:
طبيعة النفس: بغرورها وكبرها وتطلعها للصدارة وحبها للجدل واحتكامها إلى الهوى، وتتكفل المواعظ بدرء هذه الأسباب، ولعل في النداء المرفوع لاجتياز (العوائق) ما يكفي للاحتياط تجاهلها، وفي كل موعظة سبقته أو تلحقه بركة.
ثم طبيعة الأحكام الضابطة للعلاقات التنظيمية: والمفروض أن نحاول إبعاد هذه الأحكام عن الجمود وجعلها ذات مرونة كافية تسمح ببعض التنازلات القيادية من أجل فسح المجال لبقاء العنصر المخالف في رحاب التنظيم مطيعا، أو في رحاب المودة محبا.
وليس هناك حصر للأنواع المناسبة لدرء الفتن من هذه الأحكام، ولكن التفرس في تاريخ الجماعة ورؤية الخط البياني لسيرة أكثر من داعية يرينا أمثلة منها لا دليل على وجوبها غير الفراسة وحديث القلب.
*فمن ذلك: قبول استقالة الداعية المسؤول إذا طلب إعفاءه من المسؤولية المناطة به، لئلا يكون في إرغامه حرج عليه يولد هاجسا يراوده يسوغ له العصيان.
وكثيرا ما يسأل السائلون عن الحكم الشرعي في الاستقالة من العمل الحركي وما إذا كان حلالا أم حرامًا؟
والحقيقة إننا لم نجد ما يدل على الحرة الواضحة، ونظن أن المسألة تنظر من جانبين:
الأول: جانب الداعية فإن عليه الصبر، مروءة لا فرضا، وتحليا بأخلاق الإيمان العالية، فيقدر مدى الضرورة إلى عمله بتجرد، ويعزم على الاستمرار حتى ولو كان هناك تعب وإرهاق، وأحوال عائلية ومهنية صعبة، فلا يطلب الاستقالة إلا بعد تأكده من ضرورتها له، بحيث يصيبه الحرج الشديد من جراء الاستمرار.
الثاني: جانب القيادة، فإن عليها إن لا تلتزم جوابا واحدًا لكل متقدم باستقالة لها، تبلغهم رفضها القاطع، فإن ذلك يخالف العدل المكلفة بأن تحكم به، بل تطيل الإنصات البذل، بحيث لا ترفض طلبه إلا إذا لم تجد القرائن الكافية على حصول الحرج.
*ومن أمثلة الاحتياطات أيضًا: إذن القيادة لمبايع أن ينقض بيعته بالتراضي معها، وأن تقيله إياها، إذا عزف عنا وأحب التفرد أو الانتماء لجماعة إسلامية أخرى، فإن قناعة المرء تتبدل، وتتغير اجتهاداته، أو يختلف قلبه، أو يلقي له الشيطان من الشبهات والظنون الرديئة ما يحمله على اعتقاد ضرورة تملصه مما ألزم نفسه به، فإذا ترفقنا معه، وسهلنا له طريق التراجع: اعتبر ذلك فضلا ن تفضل به عليه، وعونا له على إصابة مراده، فيتئد، ويتأدب، ويحتفظ بالود، وربما عاد فاعتذر إذا بلغت نزوته أبعد مداها ورأى بعين الإنصاف فراغ دربه الجديد وبعده عن السمت الأوسط، ولكننا إن منعناه وحصرناه واتهمناه بفرار ونكوص: استولى عليه الاعتداد بالنفس، وحرص على تجاوز حصارنا له بافتتان يفلت معه منه اللسان فيقطع عليه طريق الأوبة من بعد إذا أفاق، خجلا مما كان منه من البهت.
*ويرد مثل ثالث لهذه الاحتياطات يدعونا إلى أن لا نعتبر التخلف عن تنفيذ أمر واحد فقط نقضا للبيعة إذا كان الداعية متأولا، حتى ولو كان مخطئا في تأوله، فإن الخواطر التأويل استبداد بالعقول والقلوب رهيب، لا يفلت منه إلا داعية له فقه عميق، ولا يكاد يبرأ أحد من حيصة في حياته، ولربما تتكرر، ولو تعاملنا مع الدعاة مفترضين براءتهم منها لما صدق فرضنا إلا قليلا، ولكنه العفو، والتسامح، والتسديد.
ولربما ظن البعض بسبب هذه الأمثلة أن على الاحتياطات الدارئة للفتن أن تلتزم جانب الترخيص والمرونة دائمًا، وليس ذلك الذي نعنيه، فإن العزيمة تفرض نفسها من جانب آخر كاحتياط ضروري مقابل.
وأجدر مثل يوضح ذلك أن تسلك القيادة مسلك بيان تبعات البيعة الثقيلة لكل داعية جديد من خلال رسالة مكتوبة تحيطه علما بأبعاد العمل الذي يقدم عليه قبل دخوله فيه، فإن بعض الدعاة يصطادون الشاب صيدًا، كما يأسر القانص الظبي، ويأخذون منه البيعة دون أن يدري معناها وتكاليفها وما عليه بعدها من تقديم وقته وماله ودمه فداء للدعوة، ويظل الشاب فرحا في أيامه الأولى بصحبة خير الناس أخلاقًا، جذلا في رحاب المحبة والأشواق، فإذا جد الجد، وواجه المصاعب، وطلب منه الصبر: تلكأ إن لم يكن يتوقع ذلك.
من هنا وجب أن لا نستغفل أحدًا تعويلا على احتمال اتعاظه بتربيتنا من بعد، بل لابد أن نصارحه كل الصراحة، لا على لسان الدعاة، فإن منهم من قد تعوزه البلاغة، وينقصه حسن الإفصاح، ولكن برسالة نموذجية موحدة تبعث بها القيادة إلى كل من ينوي الانخراط في صفوف التنظيم، تحدثه خلالها بالتزاماته المقبلة، وتروى له قصة الصراع في هذه الحياة، وتريه فضل إقدامه والأجر الأخروي الذي ينتظره.
قد يحجم بعض الشباب إذا علموا ذلك ابتداء، ويقل عدد الذين يبايعون، ولكن من يبايع ويثبت سيكون أجدر بالوفاء، وأقرب للبذل، وأرسخ في الثبات، وتزدهر معاني الجدية في الجيل الذي أعطى صفقة قلبه على بينة وفي ظروف من الإدراك الواعي لحقيقة انتمائه.
(العامل الثامن): وفرة المال الكافي لتنفيذ الخطط.
فإن المراحل النهائية تقتضي إسنادًا ماليا لكثير من ميادين النشاط، كرواتب المتفرغين، والعاملين في اللجان والمجال الصحفي والعلمي، ولإرسال بعثات التخصص، وتوسيع خطة النشر، ووجوه أخرى كهذه، وتكاد أن تبقى الخطة حبرا على ورق إذا لم يتوفر لها المال.
ولو أردنا الجد فعلا لحصل المال، فإن تبرع المتبرعين من الدعاة والمؤيدين يتناسب طرديا مع إحساسهم بوجود الجد والإتقان القيادي، ويتصاعد حماسهم للعطاء مع تصاعد النشاط، ومع ذلك فإن التعويل على مبالغ اشتراكات الأعضاء لا يناسب آمالنا البعيدة، ومن الواجب تكوين مؤسسات استثمارية تتكفل بتحقيق أرباح لائقة يعهد بإدارتها إلى دعاة من أصحاب العقلية التجارية المتحركة ولو كانوا ضعافا في المهارة التربوية، ولا يصح أن تباشر القيادة الإشراف على هذه المؤسسات، لانصرافها عن التفكير التجاري من باب، وصيانة لسمعة القادة من باب آخر، إذ أن بعض أهل الفتنة لا يتورعون عن ظلم القيادة واتهامها بالتلاعب بالأموال، وينبغي أن لا يكون فشل بعض المؤسسات السابقة مانعا لتكرار التجربة، فإن عدم مراعاة هذه الاحتياطات هي التي سبب هذا الفشل.
ولعل من أهم واجبات الدعوات في البلاد الغنية التي أفاء الله عليها أن تساعد الدعوات الأخرى، دونما قيد أو شرط، فإن أكثر ما يحز في نفس الآخذ أن يطلب المعطي الإشراف على صرف ما أعطى، فإن التعامل على أساس الثقة المتبادلة أولى، وقادة كل بلد أدرى بما فيها.
ومن المهم أن يكون هناك فهم متبادل بين القادة والأتباع لما تحتاجه الخطط ويوميات النشاط من صرف سخي فيه مسحة من شجاعة الكريم وسرعته المبادرة إلى إجابة الحاجة، فإن من الخطأ ما يفهمه بعض القادة من أن مال الدعوة في أيديهم كمال اليتيم في يد الوصي، إذا أن الدعاة الذين أعطوا أموالهم ليسوا أيتامًا، وهم يحبون للقيادة أن تحقق أحلامهم، وقد أعطوا ما أعطوه عن رضى ورغبة في إسناد النشاط، وأجدر بالقادة أن ينظروا إلى المال في أياديهم كنظرة عمر بن الخطاب إليه، لما كان يحيز الوفد، ويجزل العطاء، ويوسع على أهل السبق في الإسلام.
(العامل التاسع):رؤية تزايد المخاطر الخارجية الحدقة بالدعوة فإن الأعداء كثرة، وعلى مقدار كبير من الحيوية والعمل المنظم، وتحركهم أحقاد متنوعة، ويظاهرهم إسناد دولي، وليس لنا غير اتخاذ الأسباب الممكنة، ثم التوكل على الله تعالى.
إن تحسس الداعية لهذه المخاطر يبعث فيه همة الدفاع عن إسلامه ونفسه وأهله وماله، إن لم تكن همة الجهاد وافرة، وإذا كان الوضوح الفكري يدفعه للعمل، حرصا ورغبة، فإن تجسم الأخطار أمام نظره يجذبه، خوفا من وضع أنكي، ورهبة، ويظل متحفزًا يقظًا سائرًا في طريق البذل.
ولهذا كان من تمام وسائل الجدية أن نتعرف على حجم الأعداء وخططهم وأساليب مكرهم، وأن ندعو أصحابنا وأنصارنا إلى رؤية ما نكتشف من أخبارهم، فإن الكثيرين منهم ينامون ملئ جفونهم، لا يحسون بزحف الإلحاد.
ولكن المبالغة في تقدير قوة الأعداء قد تحول الإيجاب الصاعد المبتغي إلى سلب انهزامي نازل، وقد أحسن الأستاذ الدكتور جعفر إدريس التحذير من التطرف في ذلك()، وكان لسيد قطب رحمه الله تشجيع متكرر للمسلمين على النهوض بوجه الباطل مهما كانت سطوته، فإن عوامل ضعفه كامنة في أصل كيانه، والدعاية الواسعة التي يحيط بها نفسه كاذبة يبتغي بها إرهاب نفوس من لا يفطنون إلى ما في الحق من قوة ذاتية وإن قل أنصاره وسلاحه وماله، وإنما ذلك إلقاء الشيطان.
(إöنَّمَا ذَلöكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوّöفُ أَوْلöيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونö إöن كُنْتُم مُّؤْمöنöينَ).
(إن الشيطان هو الذي يضخم من شأن أوليائه، ويلبسهم لباس القوة والقدرة، ويوقع في القلوب: أنهم ذوو حول وطول، و أنهم يملكون النفع والضر، وذلك ليقضي بهم لباناته وأغراضه،وليحقق بم الشر في الأرض والفساد، وليخضع لهم الرقاب ويطوع لهم القلوب، فلا يرتفع في وجوههم صوت بالإنكار، ولا يفكر أحد في الانتفاض عليهم، ودفعهم عن الشر والفساد.
والشيطان صاحب مصلحة في أن ينتفش الباطل، وأن يتضخم الشر، وأن يتبدى قويا قادرا بطاشا جبارا، لا تقف في وجهه معارضة، ولا يصمد له مدافع، ولا يغلبه من المعارضين غالب، إن الشيطان صاحب مصلحة في أن يبدو الأمر هكذا، فتحت ستار الخوف والرهبة، وفي ظل الإرهاب والبطش، يفعل أولياؤه في الأرض ما يقر ع ينه! يقلبون المعروف منكرًا، والمنكر معروفا، وينشرون الفساد والباطل والضلال، ويخفتون صوت الحق والعدل، ويقيمون أنفسهم آلهة في الأرض تحمي الشر وتقتل الخير، دون أن يجرؤ أحد على مناهضتهم والوقوف في وجههم، ومطاردتهم وطردهم من مقام القيادة بل دون أن يجرؤ أحد على تزييف الباطل الذي يرجون له، وجلاء الحق الذي يطمسونه.
والشيطان ماكر خادع غادر، يختفي وراء أوليائه، وينشر الخوف منهم في صدور الذين لا يحتطون لوسوسته، ومن هنا يكشفه الله، ويوقفه عاريا لا يستره ثوب من كيده ومكره، ويعرف المؤمنين الحقيقة: حقيقة مكره ووسوسته، ليكونوا منها على حذرا، فلا يرهبوا أولياء الشيطان، ولا يخافوهم، فهم وهو أضعف من أن يخافهم مؤمن يركن إلى ربه، ويستند إلى قوته، إن القوة الوحيدة التي تخشى وتخاف هي القوة التي تملك النفع والضر، هي قوة الله وهي القوة التي يخشاها المؤمنون بالله، وهم حين يخشونها وحدها: أقوي الأقوياء، فلا تقف لهم قوة في الأرض، ولا قوة الشيطان، ولا قوة أولياء الشيطان)().
ولئن كان هذا عند البعض حديث حماسة يسوغون لأنفسهم الإبطاء في مجاراته، أو حديث إيمان يعجزون عن استيعاب موازينه فإن في المثل الأخير الذي ضربته الثورة الإيرانية من حديث الواقع مالا ترده آذان ولا ترفضه قلوب، وقد وعظت فأبلغت، وكما أنها قد فضحت ضعف الجبروت، فإنها قد أوضحت –بكثرة من تساقط في الشوارع والساحات من عشاق الحرية-: مقدار الثمن الذي يجب أن تدفعه الشعوب، وأزرت على حركة تتراجع وتتوارى بمجرد أن يتساقط منها العشرات.
(العامل العاشر من عوامل الجدية):
إشاعة أدب الحماسة والرقائق الوعظية:
هكذا، الآن الآن فقط تأتي الحماسة، بعد كل هذه العوامل لتستثمر نتائجها، وتستصرخ، وليس قبل ذلك، فإن بعض من يعالج أسباب الفتور الجماعي، يتوهم العلاج، ويكون بعث الحماسة هو المفهوم الوحيد الذي يتبادر إلى ذهنه ابتداء وانتهاء.
كلا، بل هي آخر الأسباب، وأضعف العوامل، ولكن يرجى أن يتضاعف أثرها إذا استطعنا تجاوز التعابير الحماسية العرفية إلى أساليب أعلى فيا لمعني والمبني، مع تفنن بلاغي متنوع.
وإذا أجدنا إعادة الحاسة الجمالية الشعرية إلى جيل الدعاة الجديد المقطوع عنها فإن غرر الشعر ستكون عند ذاك مصعد حماسة وأداة ترقيق للقلوب بالغة الأثرن ولعل أشد الشباب غفلة وافتئاتًا على مصالح نفسه يتعظ بربته على كتفه مع همسة في أذنه، خفيضة النبرة، عالية الأصداء، إذا عاتبته فقلت له:
فكم تسدر في السهِِو وتختِِال من الزهِِِو
وتنصب إلى اللهِِِو كأن المِِوت ما عِِم
وحتام تجافيِِِِِك وإبطاء تلافيِِِِِِك
طباعِِا جمعِت فيك عيوبِِا شملهِا انضِم
وزود نفسِِك الخيِر ودع ما يعقب الضيِِِر
وهيِئ مركب السيِر وخف من لجِه اليِِِم
وكما أن الرقائق تقطع القلب بالدنيويات، فيتفرغ لأعمال الدعوة، فإن القصص كذلك أيضًا، ويجدر بأدبنا أن يتناولها بسعة.
ولعل بعض من ينحي المنحى الشديد الالتزام بنصوص أقوال أئمة السلف يرى في القصص بأسا، لما ينقل له عن دور القصاص فيوضع الحديث وإلهاء الناس، ولكن السمت الوسط يدعوه إلى قبول الدائر في حد الصدق والجد منها، فإن (القصاصا لا يذمون من حيث هذا الاسم، لأن الله عز وجل قال: نحن نقص عليك أحسن القصص، وقال: فأقصص القصص، وإنما ذم القصاص لأن الغالب منهم: الاتساع بذكر القصص دون ذكر العلم المفيد، ثم غالبهم يخلط فيما يورده، وربما اعتمد ما أكثر محال فأما إذا كان القصص صدقا، ويوجب وعظا، فهو ممدوح، وقد كان أحمد بن حنبل يقول: ما أحوج الناس إلى قاص صدوق)().
على أننا نعني ما هو أبعد من ذلك، من أسلوب القصص الأدبي، الواقعي أو المحتمل الوقوع، والذي ينهض ظهيرا لأدب الحماسة، ونظن أن من الضرورة بمكان سعي من يقص للدعاة نحو التجديد فيها، فإن تكرار قصص الصدر الأول والمشاهير كاد أن يولد مللا فيا لنفوس وإشباعًا، وهم مدعون إلى الكشف عن بطولات جديدة معاصرة أو من التاريخ الحديث والأوسط للأمة الإسلامية، على نمط ما ذكره الأستاذ أبو الحسن الندوي من ظهور معدن البطولة في الهند (إذا هبت ريح الإيمان) فيها، أو ما ورد من أخبار الغازي عثمان باشا وصدارته لملحمة بلافتا الإسلامية في القرن الماضي، أو جرأة البارجة حميدية في ضرب موانئ اليونان.
ومع ذلك فإن ظهور القدوة يبقي أساس التربية ويبعث الحماسة فينفس المقابل، ويكون له من الأثر التلقائي الدائم في المجموعة ما لا تصل إلى مستواه المواعظ المجردة.
التخطيط يفجر الطاقات
هذه هي العوامل العشرة التي نظن أن اجتماعها يولد الجدية الجماعية.
فاشهد بربك، ألا تجتمع الجدية من أطرافها لجيل متكامل، واضح الفكرة، مبرمج السير، ممنوع الحقوق وفير المال، عارف بكيد العدو، يسوده التخصص، وتوطأ له الدروب، وتحدوه الحماسة، وقد حجبت عنه أسباب الفتن؟؟؟
أو يجوز أن تتمنى أخاك داعية جماهيريا وأنت ترسله مفردًا؟
أم يحل أن تتهمه بالخمول وهو ضحية قصور خططي؟
كلا، أيها الأخ، كلا: ليس هناك في مجموعتنا كسول ما دمنا قد انتقينا في الابتداء، وابتعدنا عن البليد والجبان، ولكن هناك تخطيط ناجح يطلق الطاقات، أو تسيب مضياع ينتج الجمود.
ومن المفيد أيضًا أن تنظر إلى عملية التدارك والتكميل الآنفة الذكر من خلال ارتباطها بعوامل الجدية الجماعية هذه، فإن إذابة الاجتهادات الفردية ووحدة المستويات التربوية تعتبران من أهم العوامل لإحلال الجدية، ولا يصح أن يأتي المربي ببساطة يصافح أخاه، ويدعو له، ويحاسبه على حفظ للأربعين النووية ومطالعة في كتب الفقه ورسائل الدعاة، ويوصيه بالجد والبذل، في وقت ربما كانت مشاكله الجامعة أو آراؤه الحبيسة، تعصر قلبه.
لا تلم أخاك، ولا توسعه تقريعًا، فإنه برئ، ولكن ضعه في تيار عوامل الجدية الجماعية تجده السابق المقدام.