حين يعمل المسلم عمله السياسي من خلال الممارسة الجهادية، فإنه يختلف في منطلق عمله هذا عن كل منطلق يصدر عنه الآخرون.
ينطلق المسلم دائمًا في ظل شعور ينفرد به، يفهم به مبرر تدخله لتقويم الاعوجاج في الحياة بعيدًا عن المبررات التي يتعلل بها اتباع الفلسفات والأفكار الأرضية، ويحس أنه هدية الله إلى الإنسان، ينتشله من تخبطاته، وإن متى حاز العلم صار جزءًا من الرحمة الربانية المرسلة إلى العالمين، إذ العلماء ورثة الأنبياء كما في الحديث الصحيح، ولقد امتن الله سبحانه على الناس، كل الناس، لما قال لنبيه -صلى الله عليه وسلم- (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إöلاَّ رَحْمَةً لّöلْعَالَمöينَ).
وهذا معني أصيل في الإحساس الإيماني، كان الداعية الشاعر عبد الرحمن أحمد بارود ممن اكتشفه وبشر به في ظلام فترة حالكة من حياة المسلمين المعاصرة، تعرضوا خلالها لبطش وتنكيل، فقال يصف الحال...
يتجبر الفجار.. فالأبرار قتلى أو طرائد
والدين هذا الدين في نفر من الغير الأماجد
كالطود يهزأ بالرياح الهوج، للطوفان صامد
ثم ما الشاعر يعظ الدعاة أن لا ينسوا دورهم...
أطلائع الإيمان.. إن محمدًا أرسى القواعد
والرب يحضركم كم بعزته.. لديه الكون ساجد
أنتم هديته إلى الإنسان.. في يأس يكابد
رهط يجاهد في سبيل الله.. والقرآن قائد()
هكذا هم، هدية ربانية إلى الإنسان اليائس الكسير الشقي التائه، يجاهدونه رغم عنه ويقسرونه على التخلي عن جهالاته، لمصلحت، بعد إذ صد وأبي واستكبر ونفر نفورًا، وإن قوما ليقادون إلى الجنة بالسلاسل.
مذهب السيف السلفي
ولذلك فتح الإسلام باب الإيجابية الإصلاحية واسعًا، فلم يشترط وقوع المتخبط في الكفر للإذن، إذ ربما كان ذكيا يتحاشى كلمة الكفر الصريحة، بل يكفي أن يقوم الدليل عند شهود من الفقهاء على أنه ظالم جائم فاجرن ليكون انتزاع الدور منه، وقد أقحم بعض الدعاة أنفسهم فيما لا يعنيهم وجلسوا قضاة، وألزموا أنفسهم ما لا يلزم، وكان يكفيهم أن يعلموا أن مجرد الفجور والحكم بغير ما أنزل الله إدانة تامة وإذنا بالتقويم.
وكان من السلف أقوام يرون السيف، منهم المحدث الحسن بن صالح بن حي الكوفي، فضعفه البعض من أجل ذلك، فاعترض ابن حجر اعتراضا قويا، وقال:
(قولهم: كان يرى السيف، يعني: كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور، وهذا مذهب للسلف قديم، لكن استقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى أشد منه، ففي وقعة الحرة، ووقعة ابن الأشعث، وغيرهما، عظة لمن تدبر ومثل الرأي لا يقدح في رجل قد ثبتت عدالته واشتهر بالحفظ والإتقان والورع التام)().
وكان في الحسن بن حي هذا نوع تشيع لم يبلغ الغلو والرفض، بل كان يرى تقديم علي على ع ثمان في الخلافة لا على أبي بكر وعمر، رضي الله عنهم، وكأن اقتران مذهبه في السيف ببدعته الطفيفة هو الذي انطلق بعض النقاد بتصعيفه مع علو كعبه في الصدق، وإلا فمجرد تجويز اللجوء إلى السيف ليس عليه اعتراض، إذ كلام ابن حر صريح في أن المنع طارئ ويوجبه سد الذرائع لا النصوص، وإنما البأس هو في مشاركته بسيفه من خلال الاستعمال الشيعي الجماعي للسيوف، فإذا لم تكن في فرقة الفرسان ثمة بدعة: كان زحفهم عبادة، إلا أن يكون هناك دم كثير يسفك أكثر مما يريقه الظالم خلال حكمه بأضعاف، فعندئذ يكون الانتظار لفرصة تغيير أخرى قليلة الدماء.
فالمنع طارئ، بعد ظهور إساءة أداء هذا الواجب، أو بعد تسارع الثقات إلى عجلة وتهور، أو نزوع أهل الأهواء إليه بلا شهادة الفقهاء، وسيبقي صواب العمل بهذا الرأس مشروطًا بشروط الموازنة المصلحية، وشأن كل واجب شرعي أن يوزن بهذا الميزان، فتسد الذرائع عند نشوء فساد مقترن بتنفيذ أمر واجب أو مندوب، وتحتمل عند ذاك المفسدة اليسيرة لدرء المفسدة الكبيرة، وأما تقويم ظلم الفاجر بفتوى العدول، وحيثما لا يقترن بمفسدة أكبر، فهو المذهب السلفي الأول المستفاد من مجموع الآيات والأحاديث، والقديم على قدمه، ما لم تصرفه الصوارف، ولا حاجة لتكلف التفتيش عن كفر من لا يحكم بما أنزل الله، بل شيوع ظلمه وتفريطه يكفي لتوليد القناعة بضرورة التغيير، عند المقدرة، دون تهور وإن كان لا يزال له موضع قدم جانبي في أرض الإسلام الواسعة ولم يقف في أرض الكفر.
ولا تقل إن معرفة الفقيه أمر يصعب، وإن هناك من يدعي ذلك بلا حدارة، حتى أصبحت الصيحات مختلطة، بل نميز العدول كما ميزهم الأولون من السلف الصالح، بالفراسة والقرينة، وصاحب الأهواء يعرف بلحن القول، وما زال المتصدون كثرة، رضيت أم أبيت، فمنهم صادق وكاذب، وحركة الحياة دائبة، تحركت أنت أم سكنت، ومحركوها ناجح وفاشل، ولا ينفعك الانزواء حذرا من الاشتباه والخطأ، بل يسعك أن تجتهد وترشح نفسك إن عرفت منها التجرد، وأنت فقيه نفسك، ولست بحاجة إلى تقليد أحد تكشف الأيام اغترارك به.
ويروى عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه خرج على أصحابه رضي الله عنهم، فوجد جابرًا قد أجلسه قدر الخير بينهم ليحمل عنه فقال العمل ويمد صوته مبلغًا.
قال ابن تيمية: قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه:
(أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نضرب بهذا – يعني السيف- من خرج عن هذا- يعني المصحف)().
ولو صحت هذه الحادثة لجاءت دليلا فيه الوضوح كله، ولكان ال فقهاء في غني عن تكلف فتوى وخوض خلاف، ونظنها صحيحة، إذ الراجح من أمر ابن تيمية في أحكام الحلال والحرام خاصة الاستئناس، بصحيح النصوص فقط ولكنا لم نجد هذا الحديث في ما شاع من كتب الحديث.
إنه لا يخرج عن القرآن غير شخص سبق إيمانه به، وأعطى المواثيق ليعملن به، أو شخص يفترض فيه ذلك وقد كتب أبواه إسلامه في وثيقة ميلاده، ثم راهق، فقفز، فحكم فأرهق.
ولا حظ جيدًا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يذكر كفر هذا الخارج أو عدم كفره، ولم يخصص هذا الحكم ويشترط قيام علاقة بين الخروج والكفر، والضرب والكفر، بل أطلق القول، وليس من حديث آخر يقيد هذا الإطلاق، بل يستفاد منه أن أي حاكم بغير القرآن يجب أن يغير ولو بقي في دائرة الإسلام، لأنها فسيحة، تسع الفاسق والظالم إلى جنب المؤمن، وهذا هو الذي فهمه السلف القدماء، الذين أشاروا ابن حجر إلى مذهبهم.
وأما حدث (إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان)، فهو عن حاكم يطبق الإسلام في حكمه ويأتي المعاصي أو البدع، لا نغيره بمجرد ذلك، إلا أن يأتي فعله هي من الكفر أكبر من المعصية، وأما من لا يحكم بالإسلام، مثل حكام الأمة اليوم، ويفرط في مصحالها، وربط سياستها بالأجانب، ولم تنصبه بيعة شرعية منا له، بل جاء به تنصيب المستعمر أو استولى على الحكم وغصبه غصبا بالقوة، فأنى له أن ينال ت جاوزن، وإذا كان ذكيا ويحرف الحكم عمليا دونما تصريح لسانه بكفر، ويتملص تملصا ليحوز رضي من يفسر أحكام التكفير بحرفية متناهية فهل يلزمنا أن نكون بمقابله أبعد عن الذكاء؟ وهل نزل الإسلام هكذا، مخدرًا للناس، ولو مسخت الأمة والتربية وسحقت المصالح، أم نزل ثورة على الظلم والخيانة؟
إن نقطة القوة في موقفنا أن هؤلاء لم تأت بهم شورى الناس وآراء أهل الحل وا لعقد والثقات، وإنما ورثوا كراسيهم وانتهبوها أو أجلسهم المستعمر عليها، وهي نقطة ضعفهم، فلا بيعة لهم ولا طاعة، وإنما مذهب السيف السلفي يقودنا في معركتنا تجاههم وحديث جابر يزيد حجتنا وضوحًا.
أما إن الامتناع عن تغييرهم خوف المفسدة العظمى فنعم، وقاعدة الموازنة بين المصالح صحيحة صريحة في كلام الأولين والآخرين، ودلائلها كثيرة والمقر بها من باب أولى بعدم حتمية العمل في آن واحد ضد كل خارج عن القرآن، فإنهم درجات في بعدهم عنه، وبعضهم عظيم الشر، ومنهم من هو قليل الشر، ومنهم من لا يعدو تلبية شهواته والحفاظ عليها دون دعوة الناس لاعتقاد ضلاله وكفر، لكن هؤلاء مهددون بأن تستأصلهم حركات إلحادية وتجمعات هدامة مستغلة الأخطاء التي تورطوا فهيا وطبائع حياتهم الشهوانية والبعيدة عن مصالح الأمة، والدعوة والإسلامية مخاطبة في هذه الحالة باستباق الأمر واللجوء إلى استدراك معجل، حذرا من قفزات الملاحدة، إن لم تكن هناك قناعة بوجوب تغيير هؤلاء الضعاف الشهوانيين الذين ما هم بكافرين، فغن اليد الإسلامية إن لم تمتد لإزاحة الفاجر الضعيف، فإن يد الملحد القوى ستمتد وتزيح الفاجر ودعاة الإسلام معًا.
فالعجب إذن ليس ممن يبادر، بل العجب ممن يتلكأ ويسكت، وذلك ما أورد السؤال بعد السؤال على لسان الوليد، مستشكلا المشي الوئيد...
فكيف يرتاح للبلوى أخو شِمم وعينه تبصر الأوباش يبغونا
وكيف يسكت ذو حق وقد عبثت بحقه عصبة تقفِو الشياطينا
عافت هدي الله وانقادت بعاطفة معصوبة العين لم تعرف موازينا()
فالإذن واضح، وقد ترك المذهب القديم سمته وطابعه على كلام الدعاة.
قواعد الاشتقاق الخططي
إن هندسة الاقتراب هذه التي أطلعك عليها الرجاء ورواها لك الأذان، لم تأت الأمثلة فيها لتحصرك في نطاق من التنفيذ الحرفي لها، وإنما سيقت لتستفز ذهنك لبحث صوابها و تنفيذها بعدما تحوز إقراراك، أو لاكتشاف شبيهاتها، في نظرة اجتهادية حرة.
لكنك تستعين في ذلك بعشرة أنواع من التفكير الخططي، تشكل قواعد هذا الاجتهاد، وإنك لأنت الأعرف بما يناسب واقعك، ويحتمله رصيدك ويحتاجه مستقبلك.
(النوع الأول): التفنن في شكل البناء الهيكلي للتنظيم:
بحيث يتم إنجازه دقيق الأبعاد، متينا قويا، قابلا للإضافة والتطوير، تحكم أصله الرئيس وفروعه التخصصية وحدة تجانسية وتناسق في المبدأ النظري الذي تقوم عليه، سهل الممرات غير معقد.
فالمهم أن تتوفر عندك هذه المزايا، بأي شكل وصلت إليها، بهذا الذي اقترحناه أو بغيره.
أمره كأمر الهندسة المعمارية وارتباطها بالهندسة المدنية، تفننت فيها مدارس عديدة وكل طراز له طابعه الخاص المميز، ولو بني مهندس كل جزء من بناء واحد بطابع معين لأتى بناؤه غريبا شاذًا قبيحًا، ولكن هناك من يمهر في اقتباس لمسات متقاربة من مذاهب هندسية مختلفة، فيخرج من الجميع جمالا جديدًا.
لا تستغرب هذا القياس، فإن البون شاسع بين تنظيم هرمي وآخر أفقي، وبين تنظيم يعتمد السكني في منطقة أساسا للانتساب إلى مجموعة عمل مختلطة، وآخر يعتمد التخصص المهني ويربط كل صنف في تنظيم خاص، وبين تنظيم يتخذ شكل كتلة واحدة، وآخر تتعدد حوله الواجهات، والفارق كبير بين تنظيم يتساهل في شروط قبول الأعضاء وشروط تدرجهم القيادي، وآخر يتشدد ويضع مواصفات عالية، وبين تنظيم علني يتوسع في اختيار مسؤولية بالانتخاب وتكثر فيه الصلة المباشرة بين الأعضاء والقادة، وآخر سري يضيق نطاق الانتخاب أو يجعله درجات ويعتمد الواسطة.
(النوع الثاني): الحرص على التكامل في المجموعة القيادية، فإن تعمل في مجتمع معقد وحياة صاخبة، وبين أعداء متنوعين وتتعدى في تخطيطك الإصلاح الجزئي إلى استئناف شامل للحياة الإسلامية عن طريق الحكم، وهذا يوجب عليك أن تتصدى لجميع الجوانب الفكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، نقدا للواقع المنحرف، ووضعا للبدائل وتجميعا لجنود انتزاع الحق، ولن يتأتى هذا بأجهزة قيادية ليس لكل أعضائها إلا العلم الشرعي، إذ إنهم يصبحون آنذاك مثل جنود شجعان بلا تدريب، أو ليس لأعضائها إلا العلوم الأخرى، إذ يحل جفاف القلب ويسود الابتداع، أو كل أعضائها من المفكرين، فتضعف الإدارة والمبادرات، أ, كل أعضائها من المنفذين العمليين، فيضمر الفكر والاجتهاد، بل لابد من تنويع المهارات، وترادف الاختصاصات، ليحصل التعادل والسير المتكافئ الجدي الساد لجميع الحاجات.
(النوع الثالث): الاقتباس من النظريات الإدارية العامة، فإن الإدارة اليوم علم متطور، أتي بمبتكرات كثيرة لتسهيل التحركات الداخلية ضمن المجموعة، والوصول إلى أقصى استغلال للطاقات بأرخص التكاليف وأبسط التشكيلات، وإقامة العلاقات الخارجية بالجمهور والإدارات الأخرى على أساس من حيازة ثقة المقابل و تحصيل تعاونه إلى أشياء أخرى.
إن ذا اللباقة بإمكانه أن يستعير بتوسيع من أساليب الإدارة الحديثة، وعلى الأخص أساليب إدارة الأجهزة الضخمة، كالمجمعات الصناعية، ووزارات الخدمات، والشركات ذات الفروع الكثيرة.
وفي نفس السياق تبرز قواعد تنظيم الجيوش وتحركاتها كمورد آخر لوعينها الإداري، وكذلك أيضًا: الاقتباس من هندسة السيطرة وهي شعبة من الهندسة الحديثة، تمكننا من جعل كمية متغيرة –أو كميات متغيرة- تتبع سلوكا معينا نريده قد خططنا له، ويتم ذلك بتغيير بعض العوامل والعلاقات التي تسمى بأدوات السيطرة، وهي مزيج من الإحصاء والمسح الكمي، والمنطق الرياضي والمقارنات ونظريات الاحتمال، والقواعد الكلية العامة في كل علم وفن، وتستثمر للتوصل إلى اكتشاف أفضل تشكيل للعلاقات المختلفة، وأجمع ربط للجزئيات، ووضع ضوابط ومقاييس موحدة تحقق التناسق الموضوعي، بغية التحكم والتأثير في عوامل ونتائج بحث علمي، أو إنتاج صناعي، أو ظاهرة إدارية، وغير ذلك.
إن هذا الاقتباس من نظريات الإدارة وتنظيم الجيوش وهندسة السيطرة لا يراد له أبدًا أن ينقل تخطيطنا إلى تقليد كل ما فيها، إذ سننتقل آنذاك إلى وضع معقد في الحين الذي أردنا فيه التبسيط، وستقتل همم العاملين في متاهة جزئيات هذه العلوم، ولكننا نبغيها اقتباسات عامة، ولمحات، وأمرنا أبسط بكثير و أوضح مما يظن المتحمس للتقليد التام.
(النوع الرابع): استقطاب الطاقات الخارجية التي لم تلتزم تنظيميًا معنا، وهي عملية متشعبة جدًا، تشمل التعاون مع أفراد من المسلمين سائبين يمكنهم أن يؤدوا عملا ينسجم مع خطتنا، والتحالف مع تكتلات إسلامية أخرى، أو مع تجمعات مستورة لا تحمل فكرًا مخالفا للإسلام، أو تسيير الجمعيات والنوادي ذات الأهداف الجزئية التي تشملها أهدافنا الكبيرة.
وتشتق من هذا الاتجاه محاولات السيطرة على النقابات المهنية والاتحادات الطلابية، والانبثاث في أجهزة الدولة والمؤسسات الإعلامية والعلمية، والمشاركة في البيوت المالية والنشاط الاقتصادي.
(النوع الخامس): الارتقاء بالمستوى التربوي، في حده المنهجي العام الذي يوضح الفكرة، ويهذب الأخلاق، ويعلي الهمم، وفي حده الخاص، الذي يدرب أصحاب المواهب لإتقان الأعمال القيادية.
(النوع السادس): الوقاية من مضايقات الأعداء والفتن الداخلية، ويقتضي سلسلة أعمال واحتياطات يعض بعضها بعضا وليس مجرد التحذير والوعظ والتوعية، والمدخل إلى ذلك: أن نحيط علما بواقع هؤلاء الأعداء، كثافة تواجدهم في القطاعات.
(النوع السابع): تحريك الخاملين وعلاج الفتور، فالعمل الحركي لا ينبغي له أن ييأس من تحصيل الفوائد من كل شخص انتمى له أو دار في فلكه، وعلينا أن لا نكثر في ألفاظنا وصف البعض بالخمول أو الفتور، بل كل ميسر لما خلق له، وبإمكان الخطة المتنوعة أن توجد مجال عمل لكل مسلم حسب اختصاصه وذوقه والمهارة التي يحملها ما لم يكن قليل الذكاء، وليست المشاركة في التجميع والتربية هي الصورة الوحيدة لعمل العامل، فإن الاقتصار على هذا التصور هو ضيق أفقنربأ بأنفسنا عنه، فخامل في الاتصال الشخصي: ناجح في الكتابة الصحيفة والتخصص. وفاتر في حضور الاجتماعات: يتقد ذهنه في الصفق بالأسواق والصناعة وتحصيل الأرباح للمشاريع الجماعية، وهكذا.
(النوع الثامن): نشر الفكرة، والدعاية الإسلامية، فإن الحرف سمير، واللفظ ممهد وسفير، يفاوضان عنك، إذ أنت غائب ورب ديمة هزت أرضًا فأنبتت وأغرت القاطف وما حرثها زارع.
ولا يكفي أن تعتمد الكتابات المطلقة فقط، التي ألفها أعيان الدعاة بل لا بد من كتابات محلية تسندها، تعتني بقياس الواقع الخاص لك بلد على الموازين العامة، وإبداء رأي في طبائع مشاكله على ضوء القواعد الشرعية، وأن تطور الكتابات القديمة لتشمل بحث ما استجد، وأن تبسط المعاني للعامي والصغير، وتدقق للمثقف والكبير.
(النوع التاسع): استغلال الأثر النفسي الحسن لطبائع بعض الأعمال ولو كان أثرها المادي ضئيلا، فإننا نتعامل مع نفوس ذات مشاعر ورغبات، وتنعكس عليها معاني الأحداث الخارجية، فتطمئن وتخاف، وتأمل وتيأس، وتزهد وتطمع، وتثق وتتهم، تبعًا للذي تري وتحس، بفهم اجتهادي مباشر، أو بإملاء وإيحاء، وبدلالة صريحة، أو بقرينة ذات إيمان، والمقايس التي تنتج إحدى القناعتين في نفوس الدعاة والعامة ليست كلها شرعية تغرسها كلمات الفقهاء، بل منها مقاييس عرفية أيضًا تتغير وتتجدد، وتعدل وتظلم، التأويل أو تتصلد، حتى لتنحرف نفوس فتتوهم الظن السيئ فراسة صادقة، وعلى القيادة أن تراعي ذلك في خططها ومواقفها، إصلاحا بين الناس، وسدًا للذرائع، وخروجًا من الشك إلى اليقين.
(النوع العاشر): التعاون بين أجزاء الحركة المنتشرة في العالم فقد قسم الله الرزق بين العباد درجات، وألهم العلم درجات، فكل حائز خير يفيض من خيره على الآخرين، والمسلمون يد واحدة على من سواهم.
فهذه عشرة أنواع من التفكير الخططي، هي عشرة قواعد تحكمه، وهي عشرة موارد تروي أرض العمل العطشي.
وقد توجب الفعل الخططي الواحد أكثر من قاعدة، وتبرره أكثر من حكمة، فيكتسب قوة، وينال شبه إجماع ولكن ربما صعب تخريج فعل آخر ونسبته إلى قاعدة أو الاستهاد له بسابقة ويكون دليله نوعا من الحدس الخفي الذي تعجز عن وصفه العبارات، فيتم قبوله من القديم الجرب، أو يتريث الأقران إذا اقترحه أحدهم، يخضعون أحاديث نفسه لتمحيص وتأمل زائد، ولربما يهملون رأيه فتصدقه الأيام، ولي في ذلك كبير بأس، إذ يعتبر هذا التفويت ثمنا ضروريا لحصول الثقة فيما بعد بآراء هذا القرين وقوة فراسته، وتكرر مثل هذا الاختلاف في التقويم ثم جريان الأمور، والأحداث مصوبة ومخطئة البعض دون البعض هو المحيط الطبيعي والظرف الحقيقي لبروز العناصر القيادية الفعلية، التي تستحصل طاعة الآخرين لها بشكل تدريجي تلقائي، وعن إقناع، لا بالتنصيب وفرض الأوامر.
قواعد الإتقان التنفيذي
فإذا أحطت بهذه الطريقة المنطقية لاشتقاق أشكال النشاط والتنسيق بينها ضمن خطة واحدة، فاعلم أن هناك منطقا تنفيذيا تطبيقا يكملها، تجمعه أربعة قواعد، تحفظ النتائج النظرية التي تتوصل لها من أن يلغيها استعجال، وتردعك عن التقلب السريع في التفكير.
(القاعدة الأولى): إن أيام الشروع الأولى في تنفيذ أي عمل لا تصلح مقياسا لمعرفة مدى جدواه فإن تعثر التنفيذ، وقلة الثمرة، وضعف التأثير، والحجم الكبير للطاقة المصروفة، كلها عوامل أو نتائج سلبية قد تصاحب الفترة الأولى لبعض الأعمال، ويكون من الضروري التمهل في الحكم عليه وإطالة المدة التجريبية، فربما لم يكن التدريب عليه قد اكتمل، أو أنه عمل جديد في سمته لم تعتده نفوس الدعاة ومفاهيهم ولزمهم وقت يألفونه خلاله، أو أن يكون قد زاحمه حدث عام شغل النفوس عنه.
ويصح هذا المعني في الاتجاه الآخر أيضًا، فإن النجاح السريع الذي يلاقيه عمل آخر قد يستبد بمشاعر الدعاة، فيحكرون الصواب له، ويجازفون بإلغاء أعمال أخرى نافعة نسبة نجاحا ومردودها أقل من النسبة في هذا العمل الجديد، وليس ذلك بصواب، فلربما يكون هذا الفرق الزائد في نسبة النجاح فورة مفتعلة ساعدت عليها ظروف خاصة وليس سمتا دائمًا، فإن لبعض الجديد لذة تهيمن على ذائقة فتدعه يبالغ حتى في جهده، ثم يرجع بعد حين إلى اعتدال، أو يكون العمل نتيجة اقتراح، فيرصد المقترحون أكثر طاقاتهم لإنجاحه والتدليل على صوابهم، ثم يسري فتور تدريجي وتكون ظاهرة استطراق بين الأعمال تكاد تتوازن كالسائل في الأواني المستطرقة.
(القاعدة الثانية): مراعاة الاقتران بين الأعمال، فإن بعضها لا يمكن تنفيذه ولا يؤتي نتيجته المرجوة إلا بقرين له مكمل، ويكون أحدهما الظرف المساعد للآخر، في مقابلة وتبادل أو هو كشرط لازم ولا يحيط بهذا الاقتران حصر و تسميات، بل يدرك بالمنطق والتجريب.
(القاعدة الثالثة): انتظار الظرف اللائق لتنفيذ ما لا يتلاءم مع الظرف الراهن، وتلك بديهية يغني وضوحها عن الإشارة لها، ولكن الذي نعنيه هنا أن يتم تسجيل هذا العمل غير الملائم الآن ضمن بنود الخطة، ويشار إلى تأجيله، فإن كثافة الأحداث تلهي العاملين وتذهلهم عنه، فينسونه حين الحاجة ويتوهمون –إن لم يدون- اختلاط توازن الخطة ونقصها عن الشمول والإحاطة. كما يحرمه عدم ذكره من الاستفادة من احتمالات التصحيح، بالإضافة عليه أو التعديل فيه، من خلال النقد المستمر الذي يمارسه الدعاة لمجموعة الخطة في مؤتمراتهم أو تقاريرهم، وهكذا تتكون من عدم النسيان، ورؤية الشمول، وحصول النقد والتقويم: ثلاث نتائج إيجابية لذكر هذا الأمر المؤجل في سياق الأعمال المختارة.
(القاعدة الرابعة): تذليل العقبات التي تحول دون تنفيذ ما يصعب الآن، فإن بعض الأعمال ضخمة في حجمها، أو تقتضي علوما تخصصية وكفايات عالية، ولابد من فترة إعداد لأولياتها، وتدرج في تجميع أفراد الجهاز الذي سيديرها وينفذها، ولهذا فإن على المخطط أن يكون واسع الأفق بعيد النظر، بأن يعتبر فترة الإعداد ضرورية وإن لم تقدم نتيجة سريعة، ومتى اعتبرها جهودًا مهدرة صعب عليه الوصول إلى عمل ضخم، وعليه أن يقاوم ضغط الحاجات الصغيرة المتنوعة التي تدعوه إلى سدها بتشغيل الدعاة الذين رصدوا للتحضير والإعداد للأعمال الكبيرة.
ويتفرع عن هذه القاعدة نداء إلى الدعاة في البلاد التي يسودها الإرهاب الشديد ولا يستطيعون تنفيذ الكثير من هذه المقترحات، أن يوسعوا صدورهم، ويفهموا أن هذه الخطط موضوعة لمن يستطيع تنفيذها في بلاد غير بلادهم، وليست هي خيالا ولا مجازفة، وليس من الصواب أن نحجر على أصحاب السعة إذا كان المتعرضون لضيق قد اكتسبوا طبيعة من المبالغة في الحذر بسبب طول معاناتهم.
ويتوجه مثل هذا النداء إلى الدعوات المستجدة الصغيرة أيضًا، فإن قصور طاقاتها ورصيدها عن مجاراة مثل هذا التفكير الجرئ لا ينهض سببا يدعونا لحذفه، فإن كلامنا عام مطلق، من كان واسع الرصيد: أخذ به، ومن عجز عن ذلك: انتظر اكتمال نموه.
إن هذه القواعد الأربعة تكفل حسن الاستفادة من مجالات التفكير الخططي العشرة، وبدونها يطيش المخطط، ويسرع إقرار الأمور وحذفها، ويكون أشبه بمراهق متقلب الآراء، تذهب به خاطرة، وترده هاجسة.
فاضمم هذه القواعد التنفيذية إلى قواعد الاشتقاق تلك، واجمعها إلى نبرات الأذان المتنوعة فوق المنابر الموطأة، وقسها على موجبات التكيف المرن وبعض عوامل الجدية الجماعية: تنظيم صفوف المتعبدين خلفك مجيبة، ملبية.