لقد أرسله وليد الأعظمى بيتا فصلا، يقضي بين تنافس الأخيار، أن:
أجدر الناس بالكرامة: عبِد تلفت نفسه، ليسلم دينِِه
ليس دون التلف، بل هو، بتمامه يوفى، وإن داعية الإسلام ليقرأ في حروف لفظ التلف معنى المراغمة واضحا، فإن هذا العبد الكريم لم يستعجل حين قذف نفسه في المعركة، ولم يدفعه الشوق إلى الجنة نحو هجمة خاطفة تنفجر بها دماء الشهادة، بل كايد وغايظ، وترك طريق التعب الطويل يستهلك نفسه ويمتص طاقاته، حتى إذا ذبل ونحل، وكان للمراغمة مستوفيا: إذن آنذاك لجسده أن يستقبل ذبحة الصدر. إن لم تكن رصاصة الاغتيال إليه أسرعº فيذهب قدوة للأحرار، ومثلا للنفس الإنسانية حين تعلوº ويذهب الظالم متخبطا، ومثلا للنفس حين تسف وتسفل.
إنها مقدرة دعاة الإسلام على العطاء الدائم، كيف حية أعمالهم وإن سجنوا، وكيف أنها تقود الناس أفكارهم وإن قتلوا، إن لم يكن لهم التمكين.
لا كثرة الأقوال ، كلا، ولا نظم القصائد
إنه من الواجب أن تمد يد التغيير الإسلامية لهذه الجاهلية ومن الواجب إنكار منكرها، ومن الواجب الجهاد.
إن الدعوة الإسلامية لا تعادي ولا تكفر سواد المجتمع من المستضعفين الذين غررت بهم أجهزة الإعلام والتربية فألهتهم عن السجود وشجعتهم على إجابة نداء شهواتهم فكانت فيهم جرأة على الخطو وراء حدود الحلال، فإن فطرة هؤلاء سليمة، وأصل إيمانهم باق، ولكنه فرض تؤديه الدعوة حين تنكر على المستكبرين المتمردين على الفطرة، من الذين يحلون ما حرم الله، ويجثمون على صدر الأمة قسرًا وكرها، يقودونها إلى الإباحية، ويظلمون، ويفرطون في مصالح الأمة، وعن القرآن يبعدون.
لم يعرف دعاة الإسلام أنفسهم عطاشي لدماء، ولا قلوبهم فرحة بصدام، إنما الإسراف عند ذوي التسلط، ونحوهم تشير أصابع الاتهام يمنعون الكلام ويستأصلون الحرية، وينفردون بالناس:يكشفون عورات نسائهم، ويملأون بالإلحاد أدمغة أبنائهم ويروجون لآراء العقول والفلسفات، فإذا نصح عاقل: سجنوه، أو اعترض داعية مسلم: أعدموه، كأن الصواب لهم محتكر، أو قد اشترى لهم آباؤهم الرقاب.
إن الحصار يقحم المحصور إقحامًا، وللداعية أعرف بنفسه إذ تحب الإقناع، والحوار، والجدال بالتي هي أحسن، في أناة رفيقة، ما لم يرتكب المتغطرس لجاجة في الغي، ويبالغ في الكبت، إذ حينئذ لا يقوى الكلام على حمل معناه، ويبقى شاخصا منه مجرد مبناه، وتعود الخطب الرنانة هذرا، ويكون الحزم طريقا أوحدًا.
لما أطال ارتجال القول قلت له: الحزم يثني خطوب الدهر، لا الخطب
إن ثقل وطأة أحزاب الضلالة العلمانية ومجاميع الطغاة على صدر الأمة اليوم لمن أشد الكرب التي أرهقتها عبر تاريخها، ولقد نشأ عند الدعاة فهم لأوصاف المحنة ومسالك الخلاص، وتوطد رأي سديد، إلا أن خطط الأمس لم تستطع أن تعبر رؤية الحق تعبيرًا، ولم ينتصب الحزم للوعي ظهيرًا.
وللإسلام وضوح قديم وإرشاد أصيل انطق الإمام البنا رحمه الله في المؤتمر الخامس، فانبرى يسأل أن:
(ماذا تريد من إنسان يتبع هذا الدين إلا أن يكون قويا في كل شيء، شعاره: القوة في كل شيء؟).
وأوضح أن الدعاة (لابد أن يكونوا أقوياء، ولا بد أن يعملوا في قوة).
لم يكن ذاك ارتجال خطيب متسرع، ولا تصاعد حماسة قائد مندفع، إذ عاد وأعلن ثانية في مذكراته أننا:
(نحن حرب على كل زعيم أو رئيس حزب أو هيئة لا تعمل على نصرة الإسلام ولا تسير في الطريق لاستعادة حكم الإسلام ومجد الإسلام. سنعلنها خصومة لا سلم فيها ولا هوادة معها، حتى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق، وهو خير الفاتحين)().
المبشِِرات...!
وما نظن هذا التصارع السياسي والاجتماعي الذي يشهده العالم الإسلامي اليوم، وسقوط الرؤوس، وحصاد أئمة الكفر بعضهم بأيدي بعض، إلا أمرًا يقدمه الله تعالى بين يدي الدعاة، كنسًا للأصنام المعوقة، وإشارة للحيارى الذين أتبعتهم الضلالات الجاهلية أن يدخلوا في دين الله أفواجًا.
ويومنا هذا كاليوم الذي سبق الهجرة الشريفة، ووصفته عائشة رضي الله عنها فقالت:
(كان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله -صلى الله عليه وسلم- فقدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد افترق ملؤهم، وقتلت سرواتهم، وجرحوا، قدمه الله لرسوله -صلى الله عليه وسلم- في دخولهم في الإسلام)().
وإنما يكون حتف الطغاة على غير قياس، كما يكون فيه عبرة وعظة.
ولو جرت الأمور على قياس لوقي شرها الفطن اللبيب
وذكاء الذكي لا ينفعه في كل موطن، وإلا لنفع الهدهد، فإنه يهتدي للماء في الأرض الفيفاء، ثم ينصب له صبى فخا بدودة أو حبة فيصيده، كما قيل.
(وليس على الإنسان أن يدرك النجاح في العواقب، وإنما عليه أن يتحرر في المبادئ.
ولهذا قال القائل:
لأمر عليهم أن تتم صدوره وليس عليهم أن تتم عواقبه
وقال سليمان بن عبد الملك –أو غيره من أهل بيته- ما لمت نفسي على فوت أمر بدأته بحم، ولا حمدته على درك أمر بدأته بعجز)().
تربية الحماسة اللاهبة
فهذا هو ما يوجب بدء التربية الإسلامية الحركية بتأجيج شعلة الحماسة في قلوب الدعاة، لتساعد على توفير الحزم.
إن الفقهاء والمفكرين كثير عددهم، ولكن قضية الإسلام الحاضرة تريد أصحاب القلوب الملذوعة، الذين يتفاعلون مع الأحداث أولا بأول، ولهم تعبد في مراغمة الباطل ومعاندته ومحاربته، فعلى مثلهم ينعقد الرجاء، لا على أصحاب الأصوات المرفوعة.
وذلك يعطي لمنهج الدعوة سمتا خاصا في تجاوز مجرد الدراسات الفقهية والتوجيه الفكري القريب من طبيعة المنطق الجامد، إلى مخاطبات قلبية، تسبقه، وتقارنه وتتلوه، تغذي الأرواح، وتنمي الأشواق، وتحبب البذل، وتدفع نحو الجهاد.
وهو مذهب إقبال، اكتشفه لما رأى براعة الإمام الرازي في الفلسفة خلال تفسيره للقرآن الكريم براعة وافية وافرة، إلا أنها عجزت عن تحريك القلوب.
يقول، غير غافل عن الإقرار لفضل أهل الفضل:
من الرازي كتاب الله فافهم ومنه النور خذ، فالليل أظلم
ولكن لي كلام فيه، فانظِر: أنحيا بالفؤاد وما تضِِرم؟()
كلا، وقراء كتاب الرازي يشهدون، فإنهم آمنوا وحسن إيمانهم، وأفحموا الملاحدة وأبانوا خطل آرائهم، غير أنهم لم يتقنوا تربية أبناء الأمة وإيقاد الجذوة فيهم وقيادتهم نحو الجهاد، بل ولدت مجالس الحوار العقلي ترفا علميا خفض الهمم ولم يرفعها، وأذهل عن الحاجات المتكاملة، ولم يوفرها وبرز نموذج فقيه:
خلي الغمد، ما في الكف مال وهذا الرف يهوي بالكتاب()
وهو نموذج ناقص، كأن الدعوة الإسلامية المعاصرة قد كررته فغزارة الإنتاج الفكري عندها لم يبلغها حزب آخر، حتى لتئن الرفوف وتتقوس هابطة، لتكسر غمدًا فارغًا تتخذه الدعاة عمادًا لها تحتها، يضحك الرائي له ضحك الرافعي لما هته خدعة سيوف الخشب في الأيدي المتوضئة.
إنها حيرة الإسلام المتكررة بين جهل أبنائه، وعجز علمائه، ووداعة دعاته.
أغاني الحصاد
ولذلك فإن تربية الدعاة في أسلوبها الحاضر لا تبدأ بمخاطبة عقولهم ببحوث جافة كالتي تتداولها الجامعات، بل تخرجهم إلى جولة واقعية يتفاعلون خلالها مع يوميات الحياة.
إن أول نداء ينبغي أن يسمعه السائر مع ركب الدعوة نداء عبد الوهاب عزام حين يقول:
يا حبيسا بالدور خدن كتِأب قارئا من مقال كل عليم
ابرزن للحياة واقرأ سطِورا ماثلات لعين كل حكيِم()
سطور معاملة الناس، ومعرفة أطوار جاهليتهم، والمساعي المبذولة لإصلاحهم، وصبر الأحرار في المحن، وكيف يسبق المراهق المغامر الفاسق الشيخ الحكيم المؤمن.
بهذه السطور تكتشف النفس المعانين فإن الحياة إن خلت من حركة التغيير: فقدت مغزاها، وحركة التغيير إن انحرفت عن حدود حقائق الفطرة: أخطأت هدف المسير، وهدف المسير إن لم تستعن على بلوغه، بما وراء المعادلات العقلية من منح التوكل: طال دربك، وتبدد من جهدك الكثير.
وذاك هو تعليل ما يصيب الدعاة من انخلاع عما حولهم من طبائع التوكل العام، فالأدعية من كل جانب تطرق سمعهم، لكنها لا تلقي منهم الاهتمام، إذ لا تعدو همس طالب غني، أو منتظر لذائذ، إلا صوتا يأسرهم من بعيد عبر القرون، تطرب له قلوبهم، فتنجذب، فتقترب، فتنصت، فتجد نبرة الزاهد سديف بن ميمون، يلقنهم دعاء المفاصلين، ويعلمهم كيف يلبون:
اللهم قد (حكم في أبشار المسلمين أهل الذمة، وتولى القيام بأمورهم فاسق كل محلة. اللهم وقد استحصد زرع الباطل، وبلغ نهايته، واجتمع طريده، اللهم فأتح له يدًا من الحق حاصدة، تبدد شمله، وتفرق أمره، ليظهر الحق في أحسن صوره وأتم نوره)().
فتأخذهم إطراقة حين يوازنون: في أيهما كان هذا الصالح أبلغ: أفي كشفه سبب واقع السوء، أم في وصفه الحصاد؟
وما تدري أهم لسديف يقدمون، وله يقلدون، أم للخليفة العباسي، القائم بأمر الله بن القادر لما تفنن في تضرعه إلى الله تعالى عندما تغلب المفتتن الباطني الفاطمي المسمى بالبساسيري عليه، وأرسل رسالته:
إلى الله العظيم، من المسكين عبده.
اللهم إنك العالم بالسرائر، المطلع على الضمائر، اللهم إنك غني بعلمك، واطلاعك على خلقك، عن إعلامي. هذا –أي البساسيري- عبد قد كفر نعمتك وما شكرك، وألغى العواقب وما ذكرها، أطغاه حلمك حتى تعدى علينا بغيا، وأساء إلينا عتوا وعدوا.
اللهم قل الناصر، واعتز الظالم، وأنت المطلع العالم، المنصف الحاكم. بك نعتز عليه، وإليك نهرب من بين يديه فقد تعزز علينا بالمخلوقين، ونحن نعتز بك، وقد حاكمناه إليك، وتوكلنا في إنصافنا منه عليك، ورفعنا ظلامتنا هذه.. ووثقنا في كشفها بكرمك، فاحكم بيننا بالحق وأنت خير الحاكمين).
وقد علقت رسالة القائم في الكعبة، فقتل البساسيري بعد تعليقها بقليل.
استعلاء.. بعد الموت أيضًا
وفي كل خير، في الخليفة، وفي سديف، ومن كليهما الداعية ينتفع ولإخباتهما يواطئ، فيكون أبدع منهما في دعائه وأبرع، وأتم منهما في انتداب نفسه للمهمة الجسيمة، فإن من أزهر بدعاء حقيق أن يثمر بفعل، فهو في مضى نحو همته، يطلب النصر قرة عين لإخوانه الدعاة، وله الشهادة جزاء، ويلح سائلا:
فيا رب إن حانت وفاتي فلا تكن على شرجع يعلي بخضر المطارف
ولكن قبري بطِِن نسر مقيلِه بجو السماء، في نسور عواكِِِف
وأمسى شهيدًا ثاويا في عصابِة يصابون في فج من الأرض خائِف
فوارس من بغداد ألف بينهِِِم تقى الله، نزالون، عند التزاحِِِف
إذا فارقوا دنياهم فارقِوا الأذى وصاروا إلى ميعاد ما في المصاحف
هكذا في الرواية الراجحة، أنهم من بغداد، وفي روايات أخرى أنهم فوارس من صنعاء، أو من بيروت، أو من عمان، وكل ذلك وارد، وفي وزن الشعر سائغ.
والشرجع: النعش، والمطارف: الأطراف، أي الأيدي، والخائف: المنخفض.
وبذلك يبتكر داعية اليوم في المراغمة ابتكارا، إذ ليست تنقطع فنونها: أنه لا يحلق بروحه سامية في فلك الشموخ فحسب، بل ببدنه أيضًا، أنهم لن يصلوا إليه، بل في بطون النسور، فيراغمهم ميتا، كما راغمهم حيا.