وضع سيد قطب رحمه الله ثلاثة شروط لتقدم الجماعة الإسلامية فتوقع أن:
(تنتصر هذه الجماعة على نفسها وعلى نفوس الناس منعها تارة، وتنهزم في المعركة مع نفسها أو مع نفوس الناس تارة، بقدر ما تبذل من الجهد، وبقدر ما تتخذ من الوسائل المناسبة للزمان ولمقتضيات الأحوال، وقبل كل شيء: بمقدار ما تمثل هي ذاتها من حقيقة هذا المنهج، ومن ترجمته ترجمة عملية في واقعها وسلوكها الذاتي)().
فأما بذل الجهد فيجب أن يكون بحجم الحاجة، وما مناسبة الزمان والمكان إلا كناية عن وعي تفصيلي وتخطيط دقيق، وتمثيل حقيقة المنهج في الواقع السلكي لا يكون إلا بتحول العواطف المجردة والحماسة الطارئة إلى تربية راسخة.
لكن الماشي في الصحراء سريع الملل، ما لم ير نورًا يسليه ويزيل وحشته، وما هذه الآراء، إلا بارقة أمل تدفع نحو العمل الجاد، ولقد امتلأت حواضر الإسلام اليوم بدعاة رجاة تفخر بهم الأمة، وحق لذلك أن نرتاد لهم ونكشف المزيد من ربوع الرجاء.
الجحافل الملبية
فتلك الانعطافات الأولى نحو تحضير التصورات، وفي الثقافة ونحو تمتين القاعدة القيادية وبناء أجهزة الظل: تسند بعد تحقيق نجاح ظاهر فيها بجملة متطلبات تمهيدية انتقالية تمنح الحركة حق إنهاء مراحل الهدوء والانسياب والتوغل الصامت، وتأذن لها بالصدع والآذان.
*وأول ذلك: التنادي إلى حملة تجميع واسعة سريعة، توصلنا إلى عدد لا نختلف –إذا وجد- في صواب ما بعد الاقتراب، وسبب ذلك أن المئات الأولى، أو الألوف، الذين جمعتهم وربيتهم على مهل، ستحتاجهم لخطة لتكوين المجموعة القيادية الواسعة، ولعضوية اللجان التنظيمية والتربوية والسياسية المختلفة، والمسؤوليات الجزئية، والفروع الإدارية، والتشكيلات النقابية، وأجهزة الظل، والأقلام الصحفية، والقدوات المنبثة، والخبراتا لمختصة، وشبكات الاتصال، وستبدو الحاجة ملحة إلى طبقة تنفيذية منتشرة، الناشئة والشباب من لبناتها الأساسية، بل الأجيال الأولى هم قادة القادة، وهؤلاء نتاج هذه الحملة سيكونون هم قادة لسائبين الذي يلتحقون بنا قرب الزروة، وبعد أن يبدو الصبح لكل ذي عينين.
إن هذه العملية التجميعية الواسعة لا تتم بالطريقة التقليدية الحاضرة، وإنما هي جملة خطوات كبيرة متعاضدة.
*منها: بث البلغاء من الخطباء العلماء للتكلم في المساجد، والمحاضرة في المنتديات، فإن تأثير هؤلاء مضاعف، وبإمكانهم أن يستقطبوا حولهم جمهور واسعًا، يقربون من مفاهيم الجماعة، ويقنعون بإسناد مواقفها، فإذا اختارت الجماعة خوض معركة انتخابية: أوحي هؤلاء إلى جمهورهم وجوب إسناد هذه المعركة والتصويت لها، وإذا رفعت الجماعة لواء المعارضة: شجعوه على المشاركة فيها وحببوا له الصبر على الضرر المحتمل وبذلك الأموال والأنفس في سبيل الله.
وربما لا يوجد في بلد ما عدد واف من هؤلاء الخطباء، فتكون الاستعانة بأخيار من البلاد الأخرى، يصبون إنتاجهم في وادينا، وتحدث نهضة، تستثمر برفع الكفاءة الاستيعابية التي يملكها التنظيم عن طريق حملة توعية داخلية للدعاة.
وهذه الطريقة قد تفرز أضرارًا مع منافعها، إذا اغتر بعض المتكلمين بكثرة الملتفين حولهم، فيخرجون عن الخطة العامة، وربما مالوا لتحدي الحركة ببعض العبارات، ولكن هذه الظاهرة تحدث عندما لا يكون للحركة دور في اختيارهم، وأما دقة الاختيار فهي ضمان أساسي يكفل ندوة لجوء المتكلمين إلى مواقف مستقلة، وربه تذوب شخصياتهم في الشخصية الحركية الجماعية.
وجدير بالحركة أن تنوع مقاييس اختيارها لهم لتلائم كافة الأذواق والاتجاهات، ولنطرق بهم كافة أبواب الإقناع، فيكون منهم أكثر من واعظ عام ممن يكثف علمهم بالقرآن والسنة ويوردون الرقائق، وتراعي عند اختيارهم بعدهم عن البدع، وهؤلاء يصلحون لدروس المساجد والحفلات والأحاديث الإذاعية، ويكون منهم أصحاب العلم بالحديث النبوي الشريف، والمعرفة برجال أسانيده وطرقه، وصحيحه وضعيفه، لإشاعة تدريسه وتأصيل المنهج السني الاتباعي في جمهور أتباع الحركة، ويكون منهم أيضًا من يعرف نقد الفلسفات والمبادئ المعاصرة والاتجاهات الاستشراقية، أو من ينقد الخطط الاقتصادية والسياسية وله اطلاع على التاريخ الحديث، وهؤلاء يصلحون للتحدث في جمهور الجامعات ومنتديات الخريجين والجمعيات العلمية والمؤتمرات العامة، فإنا أناسا من المثقفين بالثقافات الحديثة، قد اصبح الواحد منهم كأنه لديغ، سممته تأثيراتها، حتى أصبح يجفل من الكلام الإسلامي الخالص، ويجب أن نرقي له بمثل رقية العقرب والحية ليشفى، ولو جئناه بكلام الفقهاء وحده لما اكتفى ولما اقتنع، إلا أن نأتي له بمثله معه من أقوال الغربيين، وإلا أن تلوك ألسنتنا له بعض الاصطلاحات بالرطانة الأعجمية لنجره بالتدريج إلى الفصاحة العربية، ولا بأس في ذلك ما دمنا لا نقول له غير الحق، بلا مداهنة أو خلط، فإن مخاطب الناس على مقدار عقولهم مطلوبة، وهذه الأحزاب الدنيوية قد دلست وأوهمت، وأتت بدجاجلة لا يفهمون إلا قليلا، ووصفتهم بالعباقرة والمفكرين، فأوقعوا الشباب الساذج في شباكهم، يردد ما يقولون بلا وعي، ونحن نأتيه بالحق لا بغيره غير أن الرقية في معناها العرفي العام تحتاج بعض الغموض الذي نجعله ممرًا إلى الوضوح، ولابد أن تكون ألفاظها غريبة، كالذي ورد في فكاهات بعض المحدثين لما سأل عن نسب مسدد البصري شيخ البخاري وأبي داود وغيرهما، فقيل له: هو مسدد ابن مسرهد بن مسربل مغربل بن مرعبل بن أرندل بن سرندل ابن...، فقال، مهلا، مهلا، وكفى، وكفى، إنها رقية العقرب!!().
هكذا: زخم متواصل من الخطابة والوعظ، والحوار والنقاش، والوضوح والغموض، يقوم به رهط متنوع الثقافة، مدعوم بدعاية من قبل مجموع الدعاة، مفرغ من الأعمال الإدارية الداخلية يوزع أدواره ضابط تنسيق لبق.
* ومن هذه الخطوات أيضًا: طبع رسائل صغيرة كثيرة وتوزيعها بالمجان، وخاصة ما تتناول تحليل مشاكل البلد المحلية من وجهة نظر إسلامية، بعضها بأسماء صريحة، وبعضها باسم الحركة إذ لا بد من ترسيخ اسم الحركة في النفوس واستثمار وقعه المعنوي ولابد من ربط الجمهور بأسماء من دعاة البلد الذي هم فيه لا بأسماء غريبة، ليحاورهم الجمهور ويرتبط بهم ويأتمر بأوامرهم، كما أنه لا بد من إعادة كتابة المواضيع الإسلامية العامة بشكل يمكنها من مقارنة أحوال البلد وواقعه بالموضوع الإسلامي المطروح فيكون هناك تجاوب وتحسس لأهمية ما تطرحه الكتابات.
إنها حملة إغراق، بعشرات الألوف من النسخ إذا استطعنا، ولو بطبعها خارج البلد وتهريبها إلى الداخل عند وجود ظلم وكبت فتدخل آراؤنا كل منتدى ومجلس وبيت، وفرق هذه الحملة عن النشر الذي يواكب خطة الإصلاح العام أثناء التوغل أن الحرص هناك كان ينصب على إحداث تأثير مكثف يمكن ترسيخه واستمراره و تطويره إلى انتماء حركي، إذ من الخطورة آنذاك أن نساهم في إحداث فورة، إذ ستعود الهمم إلى برود ثانية، لأن النهاية ما تزال بعيدة، ويمكن أن تستنزف الحماسة الحاصلة قبل الوصول، لطول الطريق، أما هذه الحملة فلا ضرر أن تحدث مجرد الفورة التي ليس معها انتماء، لأن خطة التصعيد ستستفيد منها، والوصول قريب.
*ومنها: استثمار منظمة لأشرطة الكاسيت، فإنها اليوم تنتشر بلا تخطيطات مركزية ينبغي أن تكون في كل بلد، وبلا انتقاء للمتكلمين، وفيها ما فيها من الارتجال، أو التكرار، أو الخلط، أو الأحاديث الموضوعة أو الصخب أحيانًا.
إن إمكاننا أن نسجل مائتي شريط أو أكثر، وفق قائمة مواضيع متكاملة، ولمتحدثين من ثقات الدعاة، وبأثمان مخفضة، فتدخل كلماتنا قلوب ربات الخدود، ويتجاوب معها الشيخ، والأمي، والانعزالي، والنائي الذي لا يصله الدعاة، وتملأ أوقات سمر الفلاحين في الليالي، وتشغل رواد المقاهي، وركاب السيارات: كل أولئك على درجة سواء مع المثقف الذي يبتغي التكرار بعد حضور الدرس والسماع، أو العضو الحركي المشغول بالاجتماعات عن الحضور، أو المختص والمسئول اللذين يتعرضان لجفاف القلب نتيجة الاستغراق في الدراسات الاختصاصية أو الجلسات الإدارية، فترطب هذه الأشرطة روحيهما عند إنصاتهما لها في سويعات الفراغ.
إن إشاعة الأشرطة تعتمد اليوم على مبادرات فردية وأذواق مختلفة، ومن الواجب أن تبرمج قياديا في كل قطر، لتكون سلاحا إعلاميا رديفا للكتب والمجلات، تحكمه موازين، ويسيره تخطيط واضح في أهدافه الجزئية التي يراد تحقيقها، ومن الممكن أن تستورد الجماعة الأشرطة الخام لينخفض السعر إلى أقل من النصف، وأن ت تحمل بعض تكلفتها، لينخفض السعر إلى الربع، فتشيع أكثر.
ويحسن آنذاك أن تتم طبع دليل لهذه الأشرطة، تخصص كل صفحة فيه لإيجاز معاني شريط معين والتعريف بالخطوط العامة للكلام الذي يحويه.
وبعد شيوع أجهزة الفيديو التلفزيونية انفتح مجال جديد أبعد تأثيرا يحسن للحركة أن تستغله أيضًا بتصوير تمثيليات إسلامية منوعة، وندوات فكرية، ومقابلات مع مشاهير الكتاب والقادة، وأمثال ذلك، فإن الفرق المسرحية الإسلامية في مختلف البلاد قد مثلت عشرات التمثيليات خلال هذه السنوات، وبالإمكان أن تعيد تمثيلها لتصويرها، وبإمكاننا أن نسجل من ثلاثين إلى خمسين ندوة في مختلف القضايا، ومثل ذلك مع أبطال الإسلام الأحياء، مع أفلام وثائقية عن الثورات الإسلامية والأحداث السياسية المهمة، وبرامج تصور الحياة الإيمانية الواقعية بين شباب الجامعات وفي المؤسسات الاقتصادية والمراكز الاجتماعية، وأمثال ذلك، ولا يصح أبدًا أن يظل الجمهور الإسلامي الذي يدور في فلكنا مأسورا إلى وسائل الإعلام الحكومية، باطرابها وتخبطها وإفسادها، وإنما علينا أن نملأ أوقاته ببرامجنا التربوية الهادفة، وأن نعينه على فهمنا ووعي طريقتنا.
إن الكفايات العلمية الإسلامية ضخمة جدًا، لكنها شبه معطلة عن العمل المتناسق، ولا يعوزنا غير جهد تخطيطي إداري قليل يحصل به كمال التشغيل، بأن نعهد إلى لجنة تحرك هذه الطاقات و تنتج هذا الإنتاج الثقافي الإسلامي.
فرسان الفراسة
ويقترن بهذه الحملة التجميعية الدعائية: بدء عمل اللجنة السياسية الموسعة ذات الفروع الاختصاصية المتعاونة مع جمهرة من الدعاة الباحثين، أما تأسيس هذه اللجنة فيجب أن يكون سابقا على هذه المرحلة، كي يتسنى وقت لأعضائها للتدرب، وزيادة ثقافتهم، والمشاركة في التخطيط الجزئي الخاص بها، وتقاسم البحوث، وتجميع الكتب والوثائق الضرورية وغير ذلك.
ويفترض باللجنة السياسية أن تكون أعرف حتى من القيادة بالسياسة وطبائع الأحداث وشخصيات الحكومة والأحزاب، في بلدها والبلاد الأخرى المجاورة أو المهمة، وليس في ذلك غلو ولا تجاوز، إذ المعرفة السياسية إن هي إلا جزء من مجموع ما تسترشد به القيادة عند تقريرها المواقف، ولذلك فإن أول واجبات اللجنة السياسية أن تمد القيادة بتحليلات وتقارير عن الأوضاع تسهلها من مجموع آراء أعضائها وجمهرة الباحثين، ومن خلال مطالعات الصحف وسماع الإذاعات ومحاورات المجالس.
والأعمال اليومية لهذه اللجنة السياسية كثيرة الصلة بالصحافة الإسلامية والكتابة فهيا، ويدخل فيها أيضًا: نشر البحوث والدراسات الدقيقة وفقا لأساليب البحث العلمي، وإلقاء المحاضرات على طلاب كلية أركان الدعوة، والتسجيل التاريخي التفصيلي للأحداث، وتغذية الأرشيف الخاص بها أو الأرشيف الصحفي، ولكن أهم أعمالها على الإطلاق هو رصدها المبكر للظرف الملائم والتنبيه إلى احتمال حصوله، اعتماد على مزيد من الفراسة والقياس التاريخي والمعرفة الواقعية الجيدة، ذلك أن الانعطافات الهامة في حياة الشعوب والحكومات ليست هي نتيجة مجرد استعمال قوة، لكنها نتيجة تفاقم أزمات اقتصادية واختناق سياسي وتغير اجتماعي، فتهتز الضمائر والقلوب، فيلجأ عموم الناس إلى بحث فكري التماس للمخرج، من بعدما كان هذا البحث الفكري مقصورا على المثقفين، بل على أذكياء المثقفين وشجعانهم وكرمائهم الذين يعافون الدنيويات ويتجردون من أجل تغيير مجرى الحياة وأنظمتها وبنائها وفق ما يعتقدون، فمنهم خيالي وواقعي، ومتكلف وفطري.
إن هذا التحول في حجم البحث الفكري وانتقاله من دائرة خواص الناس إلى الدائرة الواسعة العامة وصيروته ظاهرة شائعة من بعد عزلة الأكثرين وسلبيتهم ليس هو إلا حقب مميزة في حياة الشعوب، تأتي الحقبة الواحدة منها قصيرة بالنسبة إلى سنوات خمول تسبقها ثم تتلوها، فأيما جمهرة من أولئك الخواص كانوا أسرع من غيرهم إلى مخاطبة الناس بآرائهم وأمهر عرضا وأوفر دعاية: كانت الاستجابة لها أكثر، إذ أن أكثر الناس يقلدون ويقادون وإن أقحموا أنفسهم في التفكير تحت ضغط الكبت والأزمات، وتزداد قابليت هذه الجمهرة في التأثير كلما كان أفرادها أبعد عن مسببي هذا الكبت، وهذه الأزمات وأظهر خصومة لهم، وأقدم في المفاصلة معهم.
هكذا هي الانعطافات المهمة: نضوج ظروف نستغلها الجمهرة الأسرع تحركا، الموجهة من قبل قيادة أكثر كفاية، وواجب اللجنة السياسية اكتشاف الإرهاصات الأولى لهذا الاستعداد في وقت مبكر، أما مقدار صواب العقائد والأفكار والآراء والحلول التي تطرحها هذه الجمهرة للناس فإن له بالتأكيد دورًا في التأثير، بل هو دور مهم، يستفيد منه المسرع المبادر القوى، لكن المتماهل المتأخر العاجز لا يقرب النجاح مهما كان أقرب إلى الصواب.
نعم، ربما تستغل جمهرة نضوج الظروف دون أن تمارس هذا الإقناع الفكري للناس والبحث النظري، فتقفز قفزا بالقوة، لكن مثل هذه القفزات غير مرشحة للدوام، وتعود الجمهرة القافزة بدورها إلى الكبت والتخبط تعويضا عما لم تستطعه من الإقناع، وتعود الأعناق تشرئب من جديد، تتطلع إلى ذي عقيدة مبادر، ومفكر محاور.
هدير اللغة القيادية
وللأذان نبرة ثالثة ترفعه الرؤوس القيادية الظاهرة، إذ أن تغمتهم مميزة، وهي بالسحر أشبه.
فوسائل العملية التجميعية توقظ وتثقف، وحديث اللجنة السياسية يقع ويحفز، وتصدي القادة يجذب ويدفع، فالقادة قد يرون لأنفسهم أفضلية التكتم إذا عم الإرهاب والظلم، ولكن مرحلة ما بعد الاقتراب توجب ظهور الواحد والاثنين منهم مع الإشارة إلى طبيعتهم القيادية، ليتحدثوا للناس وللدعاة معًا، بالمانشيت العريض لا بالحرف الصغير بصراحة لا بإيماء، في المجالس الخاصة على الأقل إن لم يكن كلامهم في المنتديات العامة، فتزداد الثقة، ويعوضون عن أساليب التربية التقليدية المتضائلة بفعل المزاحمة الطارئة من قبل مفردات النشاط اليومي الكثيف في الميادين السياسية والفكرية، فآنذاك يكون استغلال الأثر النفسي لطبيعتهم القيادية في المقابل السامع، والناس معادن، تسيرهم أذواق خاصة متنوعة، وقد يكون هذا العامل النفسي أبعد تأثيرا من الخطب والكتب والصحف، فيمضي في الدرب من هو متردد، ويستيقن متشكك، وينتظم سائب، ويزهد طامع، ويصفو مخلط، ويلتئم متصدع، ويسرع بطئ.
وقادة آخرون يمارسون التحدي البطولي، على طريقة الأولين، فيختارون أنفسهم للفداء، ويعزمون على الموت فينقلون ارتباطاتهم الحركية إلى خلف يعوض، ويودعون أزواجهم وأبناءهم وإخوانهم، ويقذفون بأنفسهم في المعمعة.
إن القول اللين الذي يتذكر به الفاجر أو يخشى قد يليق لما قبل هذه المرحلة، والله تعالى الذي أمر موسى بمثله: أمر محمدًا، عليهما الصلاة والسلام، بأن يجاهد الكفار والمنافقين ويغلظ عليهم آنذاك ستكون ساحة المحكمة أعلى من كل منبر، وصلصلة حديد السجن أعذب من كل نشيد، وصوت رصاصة الاغتيال أقوى من عشرات ألوف أشرطة الكاسيت، وحبل المشنقة خيطا ينظم حبات اللؤلؤ المنثور.
إيطاء المنابر
ومن المعالم البارزة لفترة الاقتراب: إصدار الصحيفة الحركية الإسلامية السياسية الجامعة ذات المستوى العالي، لتكون منبرًا يرتقيه فكرنا.
نعم، وجدنا وتوجد اليوم صحف إسلامية، ولكن المراحل المتقدمة من المسار تحتاج صحيفة أقوى رأيا وأصرح لفظا، فإن الصحيفة الحركية تتجاوز مجرد كونها أداة إعلامية، وإنما هي مدرسة سياسية لتثقيف الدعاة وتدريبهم، ويتعلمون عبر عمليات جمع أخبارها وكتابة مقالاتها خفايا السياسية وأوزان الرجال، حتى أنها لتعتبر المجسة المهمة التي تملكها الدعوة للتعرف على مفاهيم الناس واتجاهاتهم، ولتحسس ورصد الفرص قبل مثولها، فوق دورها الكبير المهم توحيد آراء الدعاة، وتقريب الناس منهم.
فصحاء الإقناع يؤججون الصراع
من هنا يتوجب على الحركة في كل بلد أن تضحى ببعض العناصر القوية من الدعاة، تسلهم من زحام الإداريات، وتشعب الارتباطات، لتكون منهم جهاز التحرير الصحفي المتخصص، وإنما وصف هذا التدبير بالتضحية مجازًا، لأن من شأن بعض القادة حصر الجهود ي العمل التنظيمي فقط.
ويكاد أن يكون اختيار رئيس التحرير هو أصعب ما في هذه العملية طرًا، إذ ينبغي أن يكون عنصرا كاملا وأصلا، ليس بالمبتدئ ولا المتوسط، عالي الثقة حاد الذكاء، سيال القلم، ثري اللغة، وليس من الغلو إذا جعلنا شروط رئيس تحرير الصحيفة الحركية موازية لشروط القائد نفسه وفي محاذاتها، لأن الصحيفة تعتبر وجه الجماعة الطالع تلقاء الناس أجمعين.
إن الدعوة لا تنجب في كل جيل إلا القلائل من أصحاب الكفاية الراقية، وأنفاس كل قطاع فيا لتنظيم منقطعة، وراء أصحاب المهارة الذين يحوزهم، وليس من السهل أبدًأ أن تقنع قطاعا أو لجنة بالتخلي عن داعية بمثل هذا المستوى، ولعل انتزاعه منه أو منها بدرجة انتزاع ولد وحيد من حضن أمه، لكنها خطوة ضرورية لا بد منها، وسرعان ما يعوض تأثيره من خلال الصحافة عن غيابه أضعافا مضاعفة.
فإذا حصلت الصحيفة على رئيس بهذه المنزلة: كان لا بأس أن تتحلق حوله حلقة من الشباب الناهض يؤلفون جهاز التحرير، ويصبحون تلامذة له، يدربهم، ويوجه طاقاتهم.
لكن هذه الحلقة ما هي إلا النواة، والمفروض أن تدور حولها شحنات مختلفة في مدارات متتالية:
*منها لجنة تتكون من دعاة قدماء تجتمع ثلاث أو أربع مرات سنويا للمساعدة فيو ضع السياسة المرحلية للصحيفة وتحديد ملامحها.
*ولجنة أخرى تجتمع عند الحاجة لرسم الخطوط العامة للافتتاحيات المهمة، ذات الطبيعة الاستثنائية والتي تتناول التعليق على الأحداث الكبيرة الضخمة.
*ومنها عشرات من الدعاة وأصحاب الأقلام في كافة المجالات من المبثوثين في مختلف البلاد تستكتبهم المجلة، ويراسلهم رئيس التحرير حاثا لهم على المساهمة في كتابة المقالات التي تنسجم مع خط المجلة.
الجهاز الخلفي المساند لهيئة التحرير
والجهاز الخلفي هو بمثابة التكميل لجهاز التحرير الأساسي، وينظر على أنه ظهير معين له، يسد نقصه، ويجعل لآمال رئيس التحرير مدى أبعد تذهب إليه، ومن الممكن، أن يستثمر قابلياته كل الإعلام الإسلامي ولو في بلاد أخرى.
ويتألف هيكل الجهاز الخلفي من ست أنواع من العمل المتكامل:
1- الأرشيف: باقتطاع المقالات المهمة من الصحف وتوزيعها على ملفات، لكل موضوع ملف، وقد لا تقل المواضيع عن مائة، فلكل دولة إضبارة، ولكل حزب، ولكل قضية مهمة، ولكل شخصية مهمة، مع أرشيف آخر للصور والخوارط والوثائق، وما من شك في أن هذا العمل يلزمه انتداب عدد من الشباب له، ولا يكفي الواحد، ولكن طبيعة العمل لا تستلزم أن يكونوا من أصحاب الكفاية.
2- الملخصون: وهم اثنان من أولى الثقافة:
الأول: يلخص المقالات الطويلة المنشورة في الصحف، بأسطر قليلة، ويصطاد التعابير الناجحة من خلال مطالعاته، والالتفاتات الجديدة التي لم ترد في تحليلات سابقة، وأمثال ذلك، ويقدمها كالتقرير إلى أسرة التحرير ليزداد علمها بما تعرضه الصحافة، وهو عمل أشبه بعمل السكرتير الصحفي لكبار الساسة.
والثاني: كالبحاث المؤرخ، يطالع الصحف القديمة الصادرة قبل ابتداء جمع الأرشيف، فيستل منها فقرات مهمة، ويلخص المعني الطويل ويلحقها بالأرشيف.
3- المفهرس: وهو يضيف إلى ملفات الأرشيف قوائم بعناوين المقالات المنشورة حول كل موضوع في مجموعة من الصحف أوسع من التي يطلع عليها الملخص أو التي هي من مصادر الأرشيف، مع أسماء الكتب في كل موضوع، والوثائق الخاصة المحفوظة في دور الوثائق، وأمثال ذلك.
فائدة هذه الفهرسة تظهر عندما يصبح الموضوع الواحد من مواضيع الأرشيف هو قضية الساعة، فإن أسرة التحرير، أو لجنة بحث وقتية، سترجع إلى القوائم لترى المقالات والكتب بنظرات سريعة، تكتمل به الصورة، فتصدر بحثها بعمق اكبر.
4- المستشارون: وهم أربعة أو خمسة فقط، كل منهم يختص بمتابعة قضية كبيرة دائمة، ليكون مستشارًا ترجع إلى آرائه أسرة التحرير بالمشافهة أو المراسلة، وربما بالهاتف، إن لم يكن قريبا، فواحد يتخصص بقضية فلسطين، وآخر في قضايا النفط، وهكذا.
5- الباحثون: بأن تختار بضع عشرات من الشباب الدعاة، و تعهد لكل منهم أن يتابع في أوقات فراغه موضوعا هاما على مدى الأيام ويفتح له ملفا خاصا به لا علاقة له بالأرشيف، يحتفظ فيه بمقالات حول الموضوع متقطعة من الصحف، أو يلخص بعضها، أو يدون ما يسمعه، من الإذاعات أو في مجالس الناس مما هو غير منشور في الصحف، مع زيارة البلد الذي له علاقة بموضوعه، ليري الأمر الواقع ويشافه أهل الخبرة من أهل ذلك البلد، وهكذا.
إن هؤلاء هم من الدعاة الذين يشاركون في الأعمال التجميعية والتربوية، وعندهم واجبات تنظيمية، ولكن نضيف لهم مثل هذا الواجب إذا كانوا من أهل الاستعداد، وسف تكون لهم أهمية من ناحيتين:
الأولى: أنهم يكملون نقص الأرشيف والخلاصات والفهارس، وخاصة إذا كانت الحاجة ماسة لكتابة سريعة تصدر في أول عدد بعد حادث مهم يخص مواضعيهم، إذ هم أقدر على الكتابة آنذاك من أي واحد آخر من أسرة التحرير، أو على الأقل يقدمون للمحرر الحقائق التي يستند عليها.
الثانية: أنهم سيكونون بعد سنين بمنزلة خبراء في موضوعهم بدرجة متعمقة لا يستطيعها المحرر الذي تكون اهتماماتها شاملة.
بعض هؤلاء الباحثين يجب أن يختصوا بمواضيع محلية، كمختص بأمور الجامعات، ومختص بكل حزب في البلد، ومختص بالبرلمان، ومختص بالسياسة الاقتصادية للبلد، ومختص بمشاكل المجمعات الصناعية في البلد، وهكذا، ومنهم من يختص في مواضيع خارجية، ويستحسن أن يكون لكل بلد إسلامي من يختص بأخباره من هؤلاء، وبكل ثورة، وبكل قضية عالمية.
6- المدير المنسق: وشرطه أن يكون مولعا بالعمل، غير مثقل الواجبات التنظيمية، وواجبه أن يزور العاملين في الأرشيف ويوجههم، وأن يحاور الملخصين والمفهرس، ويلتقي بين الحين والآخر بالباحثين والمستشارين، ثم يكون له لقاء متكر ربرئيس التحرير وأسرة التحرير لينقل لهم آخر ما هنالك، فهو همزة وصل بين الجهازين، وبدون هذا القائد المتابع يتعثر كل هذا العمل.
إن تعويض هؤلاء الذين يعملون في الجهاز الخلفي ماليا عن نشاطهم هذا وتفريغهم كليا أو جزئيا أمر نسبي تابع للظروف، ومقدرة الجماعة، وحاجة أحدهم، وربما لم تكن هناك مبررات لتعويض الباحثين، فإنه عمل جزئي يؤدونه، إلا ما يكون من شراء مكتبة لهم في المواضيع التي اختصوا بها، أو الإنفاق على سفرهم المتكرر إلى البلاد التي اختصوا بجمع أخبارها.
دراسات.. لا مجرد العواطف
ويفترض أن يستند عمل هذين الجهازين، الأساسي والخلفي، على جملة قواعد إدارية مهمة لا بد من تضافر لحصول النجاح.
*فمن ذلك: إعطاء هيئة التحرير بعض الاستقلالية، ومزيدًا من الاحترام، ولسانا لينا عند تعرضها لخطأ، فإن فقدان ذلك يقلل إنتاجها، ويحرمها الابتكار، ولا يتعارض هذا مع وجوب تبعيتها للخطة وطاعتها للقيادة، فإن الحاذق المنصف يستطيع الجمع بين الناحيتين.
*ومن ذلك: ضرورة قيام رئيس التحرير بجولات في البلدان المهمة يختلط بالناس، ويسمع تحليلهم لأبعاد السياسة في بلدهم، ويسمع نقدهم لمجلته، ويتصل بالكتاب الذين يكتبون عنده، شاكرًا وحاثا على المزيد.
*ومن ذلك: سفر المحررين إلى مناطق الأحداث المهمة لتغطيتها، ولابد من مد القارئ دائما بالأخبار الجيدة والصور الأصيلة.
*ومن ذلك، أن يكون لكل باب مهم في الصحيفة محرر خاص، يكتب في الباب، وينقح المقالات والأخبار الواردة إليه من غيره بتحويل من رئيس التحرير، ويكون على صلة مراسلة ببعض المختصين بمواضيع بابه، ويصنع له ملفا خاصا، فيه مستلات من الصحف وصور تخص بابه، ويعطيا لمال الكافي لشراء الكتب التي تساعده على تحرير بابه وتكوين مكتبة خاصة به. أما دور رئيس التحرير فهو الموافقة النهائية على ما يقدمه المحررون له وكتابة الافتتاحية، والحث والمراقبة.
*ومن ذلك: تعيين سكرتير إداري للصحيفة للأعمال غير الصحفية، بل لمراسلة الكتابة وإعانة جهاز التحرير، ولا يصح إرهاق هيئة التحرير بالإجابة على الرسائل وتحرير الطلبات وما أشبه، فإن ذلك يؤثر على أصل إنتاجهم الصحفي.
*ويلحق بذلك: تحديد إطار إخراجي فني للصحيفة، فإن الكلام يفقد نصف قيمته إذا كان محشورًا بلا ترتيب وخطوط وصور، أو كان لكل مقال ذوق خاص في إخراجه، إذ تنعدم الوحدة الإخراجية، وينعدم الانسجام، والله تعالى جميل يحب الجمال، وأودع فطرة الإنسان حب الجمال.
إن قراء صحافتنا هم من المثقفين الذين يقرأون الصحف الأخرى ذات المستوى الفني العالي، وتخلفنا في الإخراج بيدينا نشازًا مضطربا بين محيط مرتب منظم، ومن اللائق أن نكثر من الصور الفوتوغرافية للحوادث والرجال، والصور الفوتوغرافية الفنية المعبرة عن المعاني، والزخرفة، مع رسوم تجريدية وإشارات رمزية.
*وأهم من كل ذلك: أن تلتزم صحافتنا إمداد القارئ بدراسات عميقة دقيقة، تستعين بالوثائق، وتحتج بالإحصاء وتذكر أرقام صفحات المراجع، وأن تحرص على بلورة الآراء الإسلامية في القضايا الاقتصادية المهمة وأشكال التعامل المستجدة ونشاط البيوت المالية اللاربوية، في رؤية مستقبلية للتخطيط الشامل الذي سيمارسه الحكم الإسلامي القادم، وأن تعرض المزيد من تصورات الحلول الإسلامية لمشاكل العمال، والتصنيع والإصلاح الزراعي، والتسليح، والتربية الثقافية والعسكرية، مع نقد موضوعي للدساتير، والخطط الخمسية للدولة، والمعاهدات وبرامج قرارات المؤتمرات المختلفة، وبيانات الأحزاب، وما من شك في أن هذه الممارسة تقتضي صرف جهود مكثفة، وفي الجامعات ودور التعليم وأجهزة الدولة مهارات إسلامية عديدة، لا يقف دون مساهمتها في البحث والكتابة إلا بعض التنسيق معها والحث لها، وأن من المؤسف أن نرى الأحزاب العلمانية اليوم أبرع في العلم السياسي من الحركة الإسلامية، وأوسع بحثا، وأوفر مصادرًا، وستظل حركتنا أبعد عن التأثير في الجمهور ما لم تستدرك نقصها هذا.
رحاب الاختفاء
وعند افتقاد الحرية: يجب أن يكون تعويل الحركة على الصحيفة السرية كبيرًا، فإنها من أهم العوامل التي تكسب نشاطنا الجماعي جديته، وبها يتم توحيد الأفكار، وفهم السياسة، وتأجيج الحماسة، وتوثيق الرباط بين القيادة والجمهور، والصحف العلنية المجازة مفيدة، ونحرص عليها، ولكنها لا تكفي، لتضييقات الرقابة على طبيعة القول، والاضطرار إلى الكلام اللين غير الصريح، هذا إذا وجدت هذه الصحف، ولكن الكثير من بلاد الإسلامية التي فيها حركة إسلامية قوية محرومة منها، ومن العيب على الجماعة القوية أن تبقي مصلحتها معلقة على مدى كرم الحاكمين وطبائع قوانينهم فإن معظمهم ظالم مكمم للأفواه، بل عليها أن تحتال على طغيان الطغاة، فتصدرها سرية رغم أنوفهم، وبحرف صغير لا بالرونيو، في عملية مرهقة، لكنه ضرورية. وقد يصح التفكير بإصدارها في أوروبا، لجو الحرية السائد فيها، ولكنها ستكون صعبة التوزيع آنذاك قاصرة عن تغطية الأخبار المحلية المهمة، متأخرة في التعقيب على الأحداث، وقد تتعرض مطابعها لمشاكل، إلا أن تكون سرة هناك أيضًا، ولذلك نضطر للتفكير بإصدارها صحيفة سرية في كل بلد بلغت الحركة فيه مرحلة متقدمة.
إن البعض يستصعب هذا الإصدار ويجعل حيازة المطبعة وتشغيلها أقرب إلى المستحيل، وما هو كذلك إذا علت الهمم وأجادت فن الاختفاء، خاصة وأن إصدارها بطريقة الأوفيسيت ممكن بعد طبعها بآلة كاتبة اعتيادية وتصغيرها بالتصوير، إذ لا يزيد حجم الآلة المصورة والساحبة على حجم ثلاجة صغيرة أو مكانة خياطة، والذي يتابع تطور آلات الطباعة يدرك ذلك جيدًا.
ومع ذلك فليس من الضروري إصدارها مطبوعة...
صوت الإسلام الحر
إن اختراع شرائط التسجيل الكاسيت وشيوع أجهزة التسجيل ورخصها وضع في أيدي الدعاة وسيلة عظيمة الأهمية بإمكانهم أن يطوروها إلى عملية الإذاعة، بأن يكتب جهاز التحرير المختص المادة الصحفية كل أسبوع، ويسجلها مذيعون على أشرطة، كل عدد على شريط مدته ساعتان، فيه ما في الصحف ما تعليقات سياسية وأخبار تهملها الصحافة العلنية وتوجيهات فكرية صريحة، ثم يوضع في كل مدينة كبيرة من القطر جهاز استنساخ الأشرطة السريع، وتوزيع آلاف النسخ في القطر، فتدخل كل بيت ومجلس وتنشد القلوب إليها، ويتعمق الوعي، ويحصل التجاوب، وتكون لنا في كل مكان دولة إعلامية داخل دول الفجور.
إنه نفس الجهاز المفترض لكل صحيفة علنية سيكون وراء هذه الصحيفة الإذاعية، من رئيس تحرير رفيع المستوي الثقافي، وأصحاب اختصاص بموضوع واحد يجيدون التحليل يعاونونه، وأرشيف، ومخبرين، ويتخذ للصحيفة اسم معين وأرقام متسلسلة، ويحرر العدد وكأنه يقدم للطبع، ولكن يختصر ويسجل بصوت غير معروف الهوية، حتى ولو أدى خوف انفضاحه إلى اختفائه، ويحسن ذلك، كي تكون نبرة صوته المميزة نافية لشبهة تزوير هذه الصحيفة أو التعديل فيها، ويمكن لإدارة الصحيفة اختصار حاجتها إلى خامات الأشرطة بإعادة التسجيل على أشرطة الأعداد القديمة إذا أرجعها السامعون إلى الدعاة الموزعين لها، وليكون ذلك عونا على قلة النفقات التي يتحملها السامع، وانتبه إلى ما في طريقة التسجيل من تيسير، فإن الصحيفة المطبوعة تضطر الدعاة إلى حمل رزمة منها إلى كل مدينة من مكان صدورها، بينما يكفي هنا إرسال شريط واحد يسهل حمله وإخفاؤه، ويتم صنع النسخ الكثيرة محليا في كل مدينة.
إنها نعمة كبرى هذه الأشرطة، قلبت الموازين، وفتقت على الحكومات فتقا، ليس له رفاء، ولكننا ما زلنا لا نجيد استخدام هذه النعمة نحن معاشر دعاة الإسلام، وبإمكاننا أن نحدث بواسطتها هزة سياسية كبيرة، ونهضة فكرية تربوية معنوية قوية، وبأرخص التكاليف، ولكننا قوم نحب الكسل.
سيقول العجزة من الدعاة إن هذا العمل سيعرضهم لمتابع مع زبانية الطغاة من رجال المباحث والأمن، وعجبا لهم ثم عجبا، كان طريق الدعوة خلا يوما من المتاعب والتضحيات!
قد تكون مثل هذه العملية صعبة في بعض البلاد التي تحكمها الأحزاب الإرهابية، ولكن أكثر بلاد الإسلام الأخرى يسهل فيها مثل هذا العمل، ولا يحتاج إلى عزمة جد قيادية، والتبكير في شراء آلات الطباعة وأجهزة استنساخ الأشرطة واجب، قبل أن تمنعها الحكومات.
ومع ذلك فإن لكل بلد ظروفه، ومرحلته وطاقاته، وهذا كلام عام، وتمنيات وأحلام، والقيادات أدري بجدواه وإمكانه، وقولها مقدم، ومن العدوان والتخذيل أن ينطلق لسان داعية بنقد قيادة تعرض عنه، فإن الأدب معها واجب، والطاعة لازمة والتخيل سهل، و التنفيذ صعب.
المال عصب الدعوات
ولا شك في أن مثل هذا النشاط الصحفي وغيره يعتمد في نجاحه اعتمادًا كليا على رصيد مالي واسع، وبدون الصرف الكافي يفقد المشروع واقعيته، ولكن الاستنتاج المنطقي يفترض أن قوة الصحيفة وقوة الحركة عموما ستفرضان أسرًا على المعطين يشدهم شدًا ويحركهم نحو البذل، ومن أهل الأموال العريضة كانوا أم من فقراء الدعاة الذين ليس لهم إلا مورد شهري ثابت يجودون بشيء منه في ضغط على حاجات إبدائهم، لتنال قلوبهم لذة العزة.
الخلاصة الصحيفة والوكالة الإعلامية الإسلامية
ومن الأعمال ما يمكن أن تتجه له المشاريع الشخصية إن قصرت طاقة الجماعة عنه، ويجعلها أحد الدعاة كعمل تجاري فيه فائدة الدعوة، أو أن تكون المشاركات الفردية زيادة خير على خير العمل الجماعي.
*وتبرز الحاجة في المجال الإعلامي خاصة إلى جهد فردي على نمط تجاري لإصدار مجلة شهرية للدعاة تختص بإعادة نشر المقالات المهمة المنشورة في الصحافة العالمية، عربية أو أجنبية، بتصويرها كما هي دون حاجة لإعادة صف حروفها، وباتفاق مع الصحف إذا تعذر الاقتباس بدون إذن.
فالملاحظ أن دعاة الإسلام تشغلهم أعمالهم الكثيرة في الدعوة عن قراءة المجلات والصحف الكثيرة إسلامية كانت أم غير إسلامية، وفي بعض البلاد تمنع الرقابة أكثر الصحف، فطلبا لارتفاع مستوعي الوعي السياسي والفكري لدى الدعاة هذه المجلة بجرد الصحافة له، واستلال أهم مقالاتها التي تكشف أسرارًا أو تمتاز بدقة التحليل، وقد تعيد نشر مقال باللغة الإنجليزية أو الفرنسية كما هو من غير ترجمة وتكتفي بمقدمة عربية توضح طبيعة المقال، وقد تورد المجلة مقالات من وجهة نظر يهودية أو غربية أو شيوعية طالما أنها مفيدة لتوسع مدارك الداعية المسلم في أبواب السياسية أو التاريخ السياسي أو الاقتصاد أو غير ذلك، وقد يلخص المقال الطويل ويكتفي بذكر فقرات منه.
*وقد تبرز الحاجة أيضًا لمؤسسات إعلامية تجارية تعتني بالبرامج التلفزيونية، وتقدم تمثيليات وندوات ومقابلات، وتغطيه للأحداث غير السريعة الانقضاء، مع اهتمام بتلبية حاجة الأطفال، وبالدروس التعليمية، والتحقيقات الميدانية المصورة.
أهمية فهم كل داعية لدوره
إن هذه الأنواع من النشاط ليست مثالية، ولا هي من البطر الزائد، وإنما هي العرف السائد في أعمال التجمعات الفكرية.
وقد يرى البعض في ذكر هذه الخطط القيادية أمام عموم الدعاة، إثارة لفضولهم وكشفا للأسرار والنوايا، وهي توقعات واردة، ولا نستبعد أن يجنح بعض المستعجلين إلى تدخل فيما لا يعنيهم، ولكن ذكرها يظل ضروريًا، وأرجح مصلحة، كي يعلم كل داعية من أهل الجد وصدق الاندفاع دوره بالنسبة إلى أدوار الآخرين، ويقدر أهمية مكانته من العمل إذا اختارته القيادة لعضوية جهاز من هذه الأجهزة، أو لجنة من هذه اللجان، ولكي يوقن أنه مهم أينما وضع ولأي تبع، وأنه في مجموعة عمل هي كدائرة مفرغة، لا تعرف لها ركنا ولا زاوية ولا طرفا، بل الكل أركان.