الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: المسار
المؤلف: محمد الراشد
التصنيف: طلابي
 

محتويات الكتاب

نشر الأشرعة

أرأيت سيل الوادي الزاخر في موسم الأمطار كيف يتجمع من شعاب وبطون وفروع يمد بعضها بعضا، ويضاف ماؤها، حتى يتولد النهر العريض؟

كذلك أمر العمل الإسلامي، ينبع من أصل دائم، ثم يتوسع ويزداد زخمة بجهود تلقي مع مسيرة تضيفها همم أنصاره، وواجهاته، ومساعي التجمعات الصغيرة المحدودة التي تلتقي أهدافها مع أهدافه.

وهذا هو الذي عناه أبو تمام لما قال:

فاضمم أقاصيهِِم إليك فإنه                  لا يزخر الوادي بغِِير شعاب

فهم ضم، وجمع لكل جزئية خير بتوجيهها في (المسار) ولو لم يكن لصاحها ارتباطا بالدعوة، إذ كل ما هنالك مفيد نافع، حتى الكلمة العفيفة الصادقة نحرص عليها وإن لم تصرح بإسلام.

 

دعوة تروى العطاشي

إن خير الدعوة الإسلامية مثل ماء رائق عذب أودعت فيه أسرار الحياة، ينبجس أول مرة من صخرة صماء، فيتفجر للشاربين ينبوعا، وينطلق فراتا مسرعا مجيبا لكل لهفان.

فمن كان لابد من سلامة (المنطلق) وأن نصعد ربوة نشهد منها انطلاقة بقية معاني الإيمان في مجتمع تحجرت قلوب أعضائه، وكيف تنتشر؟ وكيف يأتيها النماء؟

إلا أن الماء في جريه تعترضه هضاب وعقبات، فتكون سكرًا مانعًا موقفا، فيصبر ويلبث يتجمع، حتى يزداد ويرتفع مستواه، فتكون بحيرة أجمل منظرًا وأوفر خيرًا، يعلو سطحها فيصير أعلى من النتوء الحاجز، فيهبط هادرًا، مكتسبا من زخم الحركة ما لم يكن فيه أولا.

فمن هنا كان اجتياز (العوائق).

وصادفت الماء السهول من بعد، فانساب في هدوء، في غير ما طيش وإسراع، نهرًا يلتف يطيل نفسه، يسقي الحرث ويروي.

فهو هذا الانسياب في (المسار) الحركي، يلج مسالك العمل اليومي وشعاب نشاط مختلف ألوانه، ينظم ويبني، ويلم الشمل ويربي، منبثا في قطاعات المجتمع، قاصدًا الأخيار.

 

دورنا في قيادة الطاقات

إن من الضروري أن نعلم بأن جماعتنا لا يراد لها أن تصارع الباطل منفردة، ومعتمدة على قوة أفرادها فحسب، فإن ذلك أمر صعب، والباطل ممتد العروق، وشرس طويل الأنفاس، إنما يراد لها أن تكون قائدة للمعركة، وأعضاؤها قادة لغيرهم من المسلمين السائبين الذين تمنعهم قلة وعيهم من الانضمام والالتزام الحركي، ففي جمهور المسلمين خير كامن أصيل وافر، ولكن تحول بعض الشبهات التي يسمعونها عنا أ, الشهوات التي يناديهم إغراؤها، دون ارتقاء هممهم إلى سمو الانتماء، وتمحيص الولاء، أو تحول دون بصائرهم والسياحة في آفاق بعيدة بلغها العمل الجماعي المخطط، ومن الممكن للتنظيم المثابر أن يستغل طاقاتهم المختلفة لصالح المعركة الإسلامية متغاضيا عن نوع نقصان يعتريهم لم يؤهلهم لأن يأخذوا مكانًا في صفوف الجماعة.

بلى، الأصل طلب الأكمل، ولكن ذلك الكمال عزيز نادر قليل، فتستعين بالجار والمماثل، حتى أن أبا بكر رضي الله عنه قدسن لك سنة الفرح بالأقرب لما نزل وعد الله تعالى بغلبة الروم على الفرس.

ولقد علمتنا الأيام دروسا غير التي كانت تمليها علينا الحماسة البريئة والتصلبات المعاندة، ولقنتنا التجربة أن نعين على تواجد المحايد إن يئسنا من مجيء المسلم، في الوظيفة الصغيرة أو الحكم الكبير، وأن نصبر على الغافل الشهواني ابن يومه إن نازعه الملحد المخطط البعيد الأهداف، وأن نقدر أن الملحد المفسد سليل الأشراف أقل شرا من جناح آخر في حزبه يضم الرعاع وسفلة القوم، إذ ربما كان في الأول بقية ترفع وإباء عن الدنايا والقسوة يفتقدها الغوغاء.

فمن وعظته أيامه بمثل هذه الموعظة كان حريا به أن يحرص على أي جهد إسلامي في المجتمع وأعمال الدولة مهما كان ثانويا وصغيرًا ووقتيا أو مخلوطا بأخطاء، لا يزهد بلفظ إصلاح واحد، بل يرحب به، ثم يواصل سيره نحو الأحسن، ويحث غيره من أهل النقص هؤلاء على مشاركته في هذا السير نحو الأحسن.

 

مع الريح الطيبة..!

إن هذه النقلة ضرورة لإحداث التأثير الشامل الذي يغير مجري التيار ويستأنف ا لحياة الإسلامية، وبدونها يبقى الجهد الإسلامي مغمورا، بطيئا، لا يملك أكثر من لسان الوعظ الرفيق، بينما تنقله سعة الانفتاح إلى سعة في التربية الجماعية والتحريك، تتنامى لتولد ضغطًا هو لازم لتسيير الأجهزة الحكومية في اتجاه عملية التقويم السياسي الاجتماعي والثقافي النفسي الاقتصادي الذي نبتغيه.

والفرق واضح ما بين المرحلتين، والمعطيات الإيجابية لمرحلة استخدام الوسائل العامة وقيادة طاقات الإصلاح الكامنة في المجتمع لا تحتاج إلى برهان يدل على وجودها، فإن مثلها في ذلك ومثل التربية الصامتة في مرحلة النشأة كمثل ركوب السيارة أو السفينة.

فكل داعية عند الابتداء يكون كأنه راكب سيارة، ولابد له من أن يمر على محطة الوقود ليملأ خزانها، فيطول الوقت، وتزدحم السيارات في قافلة طويلة تنتظر دورها للوصول إلى المضخة.

أما الوسائل العامة فمثلها كمثل سفينة ركبها رهط نشروا شراعهم، وقد تكون هناك آلاف السفن في البحر، فتهب عليها نسمات لطيفة وريح طيبة، فتدفع الأشرعة، وتجري في آن واحد، بلا كلفة كبيرة في الأفق العريض.

إن وجود قرصان يسلب ويقتل، واحتمالات الغرق، أو سكون الريح، ما أزهدت الأمم يوما في استخدام الأساطيل وإنماء التجارة العالمية، وكذلك ما تعطيه الدعوة من خسارة وتلف، أو اضطرارها إلى الفتور والسكون خلال بعض الظروف، لا يزهدها فيما هي فيه من نشر الأشرعة البيضاء المباركة.

(فإذا رأيت الأرض قد اهتزت وربت، وهضاب القلوب القاسية قد تقلبت، فشمر عن الذراع للزراع، واغتنم خفقان الشراع، والإسراع الإسراع.

إذا هبت رياحِِك فاغتنمها                   فإن لكل خافقه سكونا).

 

إفصاح البليغ

ثم فرق ثان يكمن في الكلام السياسي والفكري الصريح الناقد الذي يصاحب الانفتاح، من خلال صحيفة حركية أو نشرات صغيرة وبيانات يوزعها الداعية، في محيطه، ربما وفق قائمة عنده تنسق التوزيع وتديمه، أو خلط ذلك بتوزيع عام لبعضها إلى من لا يعرفه، أو لصقها في المحلات العامة، أو إرسالها بالبريد، فتكون آراء الجماعة ونظراتها معروفة واضحة لدى الناس، وتكون راية الخير قد ارتفعت تدعو الجميع إلى الانضواء تحتها، وتأتي كثير من العناصر تلقائيا نحونا تضيف جهدها لنا، يحدوها الإنصاف الذي تملكه وفراستها في تمييز صدقنا وما في كلمتنا من حق، أو تتربي عناصر أخرى من خلال نشرياتنا وهي بعيدة عنا، فإذا جاءها الداعية من بعد: وجدها جاهزة ناضجة مستعدة للالتحاق، ويعود الداعية يلمس سرعة في التوسع كان يفتقدها أيام التأسيس، يوم كان لابد له من أن ينقل صمت وبلقاء ثنائي آراء الجماعة لمن يدعوه ويثق به فقط، وفي أحسن الأحوال إلى عدد قليل.

فهذا الاختصار في جهود الدعاة توفير يستغل لتوسيع نطاق العمل وتنويعه.

 

نحو الصميم.. بلا التفاف

ومن فروع هذا الفرق: فرق ثالث يكمن في كون هذه النشريات عوامل مبادأة وإحداث تماس مع العناصر التي يتوجه لها الداعية ويطمع في إبدائها العون للدعوة.

ففي مرحلة التجميع الفردي الهادئ يعتمد كل داعية على مجرد لباقته ودهائه وثقافته ومقدراته على حرف كلام المجلس الذي يدخله إلى حوار إيجابي فكري، فإذا دخل بيتا، أو كان في صحبة أقران له في كليته أو مدرسته، أو وظيفته، أو في ملتقى عام في مقهى، فإنه في الغالب سيجد حديثا عن الأسعار والتجارة والامتحانات ومشاكل العيش، أو تعليقات سياسية سطحية مقلدة لما تطرحه أجهزة الإعلام، أو عن آراء ومواقف أحزاب سبقت الدعوة الإسلامية في النزول إلى الساحة، ولا يجد الداعية من جلسائه ذكرا للفكر الإسلامي أو آراء الدعوة، فيبدأ جولة طويلة تستغرق ساعة أحيانًا يناور فيها ويداور، ويتدسس ويتخلص، ليقحمهم في الحديث عما يريد، وربما فشل في محاولته، وذلك تسويف وتبديد للوقت والطاقات.

أما في مرحلة الانفتاح فإن الصحيفة الصريحة أو البيانات ستتولى هذا العبء عن الداعية وتدعه وجها لوجه مباشرة في نقاش وتبادل رأي مع الذين يحيطون به منذ الدقائق الأولى للقائه بهم، بل يجدهم في انتظار له وشوق لمجيئه ليسألوه عن تفاصيل ومزيد تحليل، فيكون اختصار آخر في الجهود، وتتراكم فوائد هذه المجالس يوما بعد يوم حتى يكون رأي الجماعة هو السائد بين أناس كثيرين، يحيطون بدعاة الدعوة، ويولد تيار إسلامي له آراؤه في الفكر والسياسة.

 

تناغم الألفاظ

ومن فروع هذا الفرق أيضًا: فرق رابع يتضح في دور النشريات في توحيد كلام الدعاة وتوجيهه.

فحينما لا تكون في الأيدي بيانات، وكتب صادرة عن الحركة فإن كل داعية يعتمد حينذاك على  اجتهاده واستنباطه في تحليله للأحداث والتعليق عليها، وربما حصل تقارب آراء الدعاة أو عملت القيادات على تقريبها من خلال الندوات، ولكن لا يمكن حصول التوحيد الأكمل، فقد تجد اختلافا في الكلام المدلي به أو تناقضا، ولكن النشر العام يقوم بسد هذا الخلل، ويكمل النقص، وهذه نتيجة إيجابية مهمة لا نتوصل لها إلا من خلال الانفتاح.

بل غالبا ما تكون القيادات في مرحلة النشأة عاجزة هي نفساه عن وضع دراسات متتالية للأحداث تواكب سرعتها، وتنوعها وتقلبها، لأنها نفسها تكون مغمورة في زحمة الإداريات وصغائر العملية التجميعية والتربوية طلبا للإتقان والحزم، حتى تستهلك كل وقتها في ذلك، وهذا سر ما يشكو منه بعض الدعاة في المرحلة الأولى من عجز عن الاستعاب السياسي وفهم ما يدور من حوله، إذ لا يقرأ إلا تحليلات الصحف التي تنظر الأمور من زوايا خاصة غير إسلامية، وربما من خلال ارتباطاتها بدوائر الاستخبارات الغربية والشرقية، وتكتب ما من شأنه إيجاد إيحاء نفسي في القارئ يتفق والمخططات الاستعمارية.

بينما يكون من تمام الانتقال إلى الانفتاح: أشياء من التعديل على الخطة والأدوار، تقلل به القيادات من مباحثها الإدارية، بعد اطمئنانها لوجود قاعدة عريضة سليمة متينة قادرة على أخذ دورها، وتبدأ في ممارسة التحليل السياسي بمساعدة جهاز كامل من لجان فرعية ومتخصصين وباحثين ومسئولي أرشيف يواصلون رفع التقارير إليها للوصول إلى رأي نهائي يصاغ في قبلها في صورة بيانات حركية رسمية، أو يشرح من قبل هذا الجهاز في صورة مقالات صحيفة أو رسائل صغيرة أو كتب مطولة، تنقل الدعاة جميعا إلى وعي سياسي ناضج.

إن الداعية قد يشعر في المرحلة الأولى بأنه ساذج، وأن الحزبيين الآخرين أبرع منه، ويتهم نفسه وقيادته، ويذهل عن أنها ظاهرة طبيعية تزول سريعا بالتحول إلى الانفتاح، وما هي بعجز.

 

شورى... وحوار

وقد يكون من الواجب أيضًا الإجادة في هذا الباب عن طريق عقد مؤتمرات صغيرة ينبثق عنها مؤتمر أكبر لبحث مسائل رئيسة تعايشها الدعوة والوصول إلى حل مشاكل مستديمة تواجهها.

ففي كل كلية من الجامعة أو مصنع كبير مثلا يعقد قدماء الدعاة مؤتمرًا، وفي كل قطاع سكني في العاصمة والمدن الكبيرة يعقد الدعاة مؤتمرا أيضًا، وفي كل مدينة صغيرة، وربما كانت كلها في يوم واحد أو أيام متقاربة، وفي كل منها يبحث المؤتمرون مسألة من هذه المسائل المهمة على ضوء جدول أعمال موحد وأسئلة موجهة من قبل القيادة، وينتهون إلى رأي فيها، وينتدبون أحدهم لعرضه في مؤتمر أعلى يضم أمثاله من المندوبين، أو يوزع المندوبون على عدة جلسات إذا كان العدد كبيرًا، ويكون الانتهاء إلى رأي موحد تقره القيادة ثم يشرح ويرجع إلى عموم الدعاة للسير وفقه لتطبيق توصياته.

فمرة يكون بحث أمر اليسار في ذلك البد: وجوده وقوته وسلبياته وإيجابياته وكيفية التعامل معه. ومرة لبحث أحوال التجمعات الأخرى غير اليسارية على غرار ذلك، ومؤتمر ثالث لبحث الطائفية، والأقليات وخططتها في ذلك البلد والموقف منهم، ورابع للمسألة العمالية ودراسة نفسية العامل وكيفية النشاط الإسلامي في أوساط العمال، وخامس لخطة النشر والإعلامي الإسلامي وطبائع التأليف، وسادس لكيفية خوض معركة تعديل الدستور والمطالبة بدستور إسلامي إن كان ذلك مفيدًا، وسابع لكيفية خوض المعركة الانتخابية البرلمانية، في أكثر من عشرة مواضيع أخرى على هذا المستوى والنسق يكون الدعاة بعدها على بينة من أمرهم ويخلو عملهم من الارتجال.

إن هذه الطريقة من إشاعة المؤتمرات تؤدي إلى استثمار طاقات التفكير المودعة في جميع الدعاة، وتعتبر ممارسة للشورى الإسلامية الأخوية، فوق أنها تجعل الداعية يحس بأن الرأي رأيه هو، أو رأي أكثرية إخوانه، فيندفع في التنفيذ بهمة أعلى وحرص أكيد.

إن البعض يستصعب ذلك ويعتذر بضيق الوقت، ولكننا نرى أن أمر المؤتمرات أسهل مما يظنون، وأنه من الممكن جعل يوم معين من الأسبوع خاليا من الأعمال والاجتماعات على مدار السنة لكل أعضاء الجماعة، ويستغل لمثل هذه المؤتمرات أو الأعمال الطارئة، أو أن تكون الأعمال الأسبوعية المتكررة ثلاث مرات فقط كل شهر، ويفرغ الأسبوع الرابع للمؤتمرات. ولا شك في أن التنبيه المبكر المسبق على موضوع البحث يساعد على نجاح المؤتمر، لا أن يأتي الداعية وهو غافل عنه، راكد فكره.

 

اكتمال الحوافز

فإذا كان أمر المؤتمرات في ذهنك واضحا فإنه من السهل بعده أن تدرك الفرق الخامس المهم بين المرحلتين، المتمثل في تمكين الانفتاح لنا من نشوء طبقات قيادية جديدة متكاملة مختلفة الاختصاصات وفي كل المجالات.

إن النشأة الأولى توجد لك نموذج القيادي البارع في الاتصال الفردي أو التربية الإيمانية الأخلاقية العلمية، ولكن حاجات الدعوة أكبر وأشمل وأكثر تنوعًا، ولابد أن يوجد فيها الخطيب الماهر، والكاتب الرصين، والمحلل السياسي، والقدوة المستقطب، والزعيم الجماهيري، والمدير النقابي، والفقيه الفتى، والصحفي المتفنن، والمانع الحامي، وكل هؤلاء إنما تدربهم يوميات نشاط أيام الانفتاح تلقائيا، وتنفتح أمامهم فرص لإثبات جدارتهم لم تكن أيام النشوء، وكل ميسر لما خلق له، والقابليات متنوعة، وربما كان الكسول في الاتصال والتربية كاتبا ناجحًا، أو رجل سياسية بارع، وتكامل الأعمال ضروري، كأعمال أهل القرية أولئك، الذين بنوا مسجدًا.

 

التربية بالمواقف ممكنة في المرحلتين

إن المواقف الجماعية ستربيهم آنذاك بأكثر مما كانت فيا لمرحلة الأولى.

إن النشأة تحتاج إلى نوع من الهدوء والتكتم وتربية الخلوات، ولكن أصل (التربية بالمواقف) لا يتعارض معها كما يتوهم البعض، فالداعية في هذا الدور لا يحتاج إلى مجرد الزاد الروحي الذي تتيحه له الخلوات الجماعية أو الفردية، وإنما هو بحاجة إلى أن يضع نفسه وجها لوجه مع المجتمع، يجاهره برأيه ويصارحه، ومن خلال هذه المجاهرات ستبرز أمامه أشكال من الاعتراضات المفاجئة والمصاعب الجديدة لم يكن يتصورها أو يتوقع حدوثها، ويشعر بضرورة التخلص من الاعتراض بحجة دامغة، وضرورة الانفلات من المأزق بانتصار عليه، وضرورة استغلاله وقيادته لمن ينحاز إليه بعد الحجة وجاذبية الانتصار في ذلك الموقف، ومن ثم فإن الداعية لن يجد لسد هذه الضرورات خيرًا من ذهنه وجهده، فيبادر إلى قدح الذهن، فيتأمل ويفكر ويخطط، ويبادر إلى إنهاض نفسه، فيتحرك ويغدو ويروح ويتعب، وواضح أن هاتين المبادرتين لم تحصلا إلا نتيجة لوقوف موقفه ذاك الأول، وبذلك تكون المواقف عاملا تربويا وطريقا لتحصيل الجهد من الدعاة، وتعليما لهم على التخطيط.

مثلا: تذهب إلى مجلس وتطرح رأيك طرحك للرأي أمام عشرين سيكون له رد فعل مختلف، وسيكون عشرة منهم من الحياديين، وهذا شأن كثير من الناس، ولكن عشرة آخرين سيقفون موقفا مؤيدًا أو معارضًا، فبعضهم سيتجمل كلامك، وآخرين قد يصل بهم الأمر إلى التصريح بإلحاد سافر.

إنك لم تقل رأيك لتقسم السامعين إلى فريقين وتسكت، بل تريد أن تواصل المعركة بطريقين، فالذين أيدوك تستغل تأييدهم لتقريبهم وتربيتهم، وتزورهم زيارات خاصة لتحدثهم على انفراد حيث لا يختلط صوتك بصوت معارض، وهذا يضطرك إلى زيادة علمك لتفيدهم بفوائد جديدة، ولن تكون زيادة العلم إلا بمطالعة، وهكذا في متوالية من المتطلبات تربيك، فإذا ارتقيت معهم ونظمتهم فستضطر لتعلم الفن التربوي ومطالعة أخبار السياسة لتحلل لهم الأوضاع، وهكذا تكن خطتك للارتفاع بمستواهم هيرفع لمستواك أنت أيضًا كداعية.

وأما من عارضك فإنك تريد أن تذهب عنهم وسوستهم، وهم سيحاولون البرهنة على أنك مخطئ، فتقرع أنت الحجة بالحجة، لأنك إن انهزمت أمامهم لم يعترف بك من أيدك كقائد له، وهذا يضطرك لتعلم فن النقاش الهادئ الذي لا يقرب السباب والشتائم.

فانظر كيف أن موقفا واحدًا قد رباك دون أن يأتيك حث خارجي، بل هو حث نابع من ذات الموقف، فينشغل ذهنك، وتعايش مواقفك معايشة قلبية في غير ما تقليد، حتى لتحلم في منامك بالليل كأنك تناقش، وترد على فيك من الألفاظ ما تحفظها لتقولها في اليقظة.

إن الاستفزاز هو الذي يحرك الذهن ويستدرك منه الأفكار، وانظر إلى نفسك إن كنت وحيدًا ووقعت بقربك حجارة صغيرة، فإن وقوعها سيجبرك على أن تفكر بسبب وقوعها: أهو لص يختبر ساحته أم طفل يلعب رمي بها؟ كذلك أم التربية، إذا في الهدوء التام يستحيل انقداح الذهن للتفكير في مسائل الدعوة، ولابد من وجود من يرميك وترميه من خلال المواقف.

لكن هذه المواقف لا تكون عامة أيام التأسيس والنشأة، وإنما هي مواقف فردية أو لمجموعة صغيرة من الدعاة، كي لا يكون الموقف العام مسببا محنة قبل أوان الاستعداد.

إن الحذر في التأسيس يجب أن لا يقود إلى الاحتجاب والعزلة، ولا يستساغ أن يكون الداعية مجرد سامع، فإن هذه الصفات تنافى مع العمل المبادر، ولكن الاندماج والتفاعل مع المجتمع وأفراده لا يعني بالتالي ضرورة المواجهة الحركية.

أما يوم تنشر الأشرعة: فأن النشريات، ومحاضرات الدعاة، والتصريحات السياسية الجلية القوية، والتصدي للخصوم، كل ذلك يجعل الدعاة في دروس جماعية تربوية عملية واقعية، يقتبسون الفوائد من خلالها لهم وللمدعوين، وهذه الدروس الجماعية العملية تشكل الفرق السادس بين المرحلتين، وما كان الدعاة ليتقنوا تربية أنفسهم من خلال المواقف الجماعية لو لم يتدربوا بتدرج ويتقنوا تربية أنفسهم من خلال المواقف الفردية في المرحلة الأولى.

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error