الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: المسار
المؤلف: محمد الراشد
التصنيف: طلابي
 

محتويات الكتاب

انسياب الانفتاح

مثلما أن التقديرات المصلحية تدعو إلى مثابرة الجيل الرائد في العمل الفردي الهادئ،  فإن المصلحة نفسها تدعو بالمقابل إلى الظهور بعد انتهاء التأسيس، واستخدام الأساليب الجماعية العامة، والمقارعة الفكرية، والمنافسة السياسية.

إنه لا يسوغ لداعية أبدًا أن يرى جودة معان الصفوة فيستطرد ويود بقاء التخطيط الأول ليحصل على المعادن الجيدة فقط، العالية الهمة، القوية الشكيمة، ذلك لأن الكثرة العددية مطلوبة أيضًا، وأثرها في الصراع كأثر الجزالة والجودة النوعية، ولن تكون معادن الصفوة في المجتمع كثيرة.

نحن في ذلك محكومون بقدر من الله مقدور علينا، كشف عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله: (إنما الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة)([1]).

والراحلة هي الناقة القوية السريعة السير، لا تجدها إلا قليلة في الإبل، كأن نسبتها، لقلتها، لا تتعدى الواحدة في القطيع.

وكذلك العنصر القيادي في الناس، لا تجد النبه الشجاع الدؤوب ذا الفطرة السليمة، إلا بنسبة ضئيلة في الناس، وأكثرهم تتعدد فيهم أنواع الضعف والنقص:

فمرحلة الابتداء كنت تحرص فيها على الرواحل فحسب، أو لا يأتيك أصلا ويتصدى لمجازفة التأسيس إلا الرواحل، ولكن إكمال الشوط يستدعي منك انفتاحًا وانبثاثا واسعة بعد انتظار التأسيس، ولا تستطيع ذلك إلا بأنصاف الرواحل.

 

التشدد في الانتقاء أصل

إن لكل مرحلة جيلها وأهلها.

فالاستعداد للموت في سبيل الله، وبذلك الروح، ووضع قطرة الدم في الحساب: صفات أساسية في الرواد، لقميص كل منهم زر واحد وليست أزرارًا عشرين، فإذا طلب منه أن يفتح صدره للرصاص: فتحه دونما تأخير وتسويف، وكل منهم، روحه في يده، إذا قيل له: هات روحك! قال: هاك، وليست روحه في القفص الصدري، يريد مهلة ليفتح القفص، فيفتش عن مفتاحه في جيوبه فلا يجده، فإذا ذهب إلى بيته ليجلبه: وجد حسن زوجته يخذله، ويعود ويعتذر ويبرر.

إن كل تشدد في انتقاء جيل الرواد مستحسن، بل يجب أن يبلغ أبعد مداه، فإنه هو الجيل الذي سيقود الأجيال التي بعده، وعليه يقع ثقل البناء، ومنه يطلب الصبر على طول الرحلة، وإليه تشرئب الأعناق، تنتظر مبادرته إلى ضرب الأمثال، وهو الذي سيقص القصص للذين يقتدون، ويبتدع السنن للذين يقتفون.

إن أمر هذا الجيل كأمر المهاجرين وقدماء الأنصار في الثبات يوم كثر ا لنفاق بعد بدر، وفي الشجاعة يوم انهزم الطلقاء في حنين، وفي الوفاء يوم ارتدت العرب بعد موت النبي -صلى الله عليه وسلم-.

 

تساهل.. بعد التشدد

فإذا ما اجتمعت الصفوة بعدد كاف، وأمنت الدعوة صفاء الجيل القيادي، فقد جاز لها أن تتساهل بعض التساهل كي تتمكن من تكوين جيل منفذ يرابط أفراده في قطاعات المجتمع المختلفة، فتقبل الأقل شجاعة، والأقل ذكاء، والأضعف شخصية، والقادر على المحاكاة دون ابتكار، والذي تهزه المواعظ ويحركه الحث وإن فقد المسارعة والابتدار، لا الجبان الرعديد، ولا المغفل البليد، ولا التائه المعقد، أو الجامد الكثيف.

إن هذا التساهل اصطلاح مجازي أكثر مما هو حقيقة، فإن توافر عناصر الواقعية في عمليتك التجميعية، يخبرك على العدول عن التزمت، إذ أن معظم الناس يفتقدون الصفات العالية، ولا بد من تكثير سواد العاملين، وضخامة العدد تتطبها الظروف في أغلب الأحيان، ولن تصل إلى هذه الزيادجة، إلا بأن تصحب معك في قافلتك من فيه عيب يسير، وإذا حرصت على الرواحل القوية فقط فإن السنين الثمينة ستمر بزيادة قليلة، وتسبقنا التكتلات الأخرى، ولربما ينعدم تكرر الفرصة.

فهاهنا مصلحة كبيرة متمثلة في المبادرة إلى اغتنام مجال المنافسة الذي ما يزال مفتوحا، وتصادمها مصلحة أصغر منها متمثلة في الحرص على الانتقاء الجيد، أو مفسدة كبيرة تتمثل في فوات الفرصة، ومفسدة أصغر منها في احتمال من لم تتسام صفاته إلى الفلك، الأرفع، والقاعدة  الفقهية تقتضي بتفويت أقل المصلحتين ودفع أكبر المفسدتين، من غير غفلة عن شروط الإيمان عند الاثنين، ومع بذلك منا لهما، نبذل لهما التهذيب، والتربية والوعي.

ولست بحاجة إلى تنبيهك هاهنا إلى أن هذا التساهل لا يعدم أصل الحرص على النماذج العالية الرواحل في هذه المرحلة أيضًا، كي يشاركوا في تخفيف الثقل الجديد الذي يلقيه التوسع على عاتق المؤسسين، فالتساهل إسالة لمورد جديد ثري لا يقتضي غلق المورد الأول أو تضييقه.

 

تكامل الهمم

وضرب بعض الدعاة مثلا لنا في ذلك كمثل أهل قرية، يمر بهم رجل عالم فقيه لا يسمع خلال دورهم أذانا، فيبتئس، ويعظهم، ويطلب منهم حملة يتعاونون فيها على بناء مسجد، فهو الرائد المؤسس.

ثم يتنادون، من كل حسب استطاعته، فيقول أحدهم: أهب للمسجد ناحية من أرضي تبنونه عليها وليس لي مال، ويقول آخرون:لكم أكتافا نخلط الطين ونصنع اللبن، ويقول ثالث: وعلى إقامة اللبن جدارًا، و يتبرع رابع بالأبواب، وخامس بالفرش، وسادس يسرجه وينيره، وسابع يقول: ما عندي كتف ولا مال ولكن صوتي جميل، فأنا المؤذن، ويقول المستضعفون: وعلينا تكثير السواد، والانتظام صفوفا، وإظهار هيبة الإسلام، وتعميره بالتسبيح والتكبير، ثم يؤمهم الرائد، وتقام الصلاة.

فانظر كيف اجتمعت الجهود والهمم بحيث إنك لا تستطيع أن تفضل صاحب الفكرة الفقيه، وتقول: لولاه لما بنى المسجد، ولا صاحب الأرض، ولا من عمل بساعده، ولا المؤذن والمنير، بل كل منهم قد أصاب ووفقه الله لعمل صالح تراكب بعضه على بعض وأسنده.

وكذلك الجهود التي لا بد منها لبناء الدعوة: هي متكاملة، متضافرة، وكلها مهمة، حتى الصغير منها، فلابد من القيادة التي تخطط، ولابد من المفكرين الذين يكتبون، ومن يبشر ويربي، ومن يدير وينظم، وتحتاج الصحفي، وصاحب المال، وذا الجاه، والعسكري، والمفتاح الانتخابي، والطالب، والعامل والفلاح، والمرأة والناشئ الصغير.

وهو جدل بارد، جدل المفاضلة المطلقة بين أنواع الجهود المبذولة لخدمة الدعوة.

فالجهود مترابطة متلازمة، بعضها لبعض ظهير، ورديف، فإن تفاضلت كان تفاضلها نسبيا، تبعا لوقت معين أو مكان معين.

ولإقبال إنكار على مثل هذا الجدل الملهي، يقول فيه:

شرار الفأس دع من قال عنه:                 أمن فأس؟ أمن حجر يكون؟

فالمهم أن يمسك داعية الإسلام بفأس ويحرث أرض الخير ويبذر فيها، حبة مثمرة، أو يهوي بها على دارة باطل فيهدمها، وليس له أن يدور في حلقة مفرغة من فضول التفضيل.

إن الشرارة لن تنقح إلا بتماس الحديد والحجر، وشرارة الدعوة لن تنير طريق المسلمين اليوم ما لم تتكامل الجهود.

 

استقطاب عناصر التأثير

من هذا المفهوم نستطيع رسم صورة مرحلة النمو والتوسع والانفتاح فهؤلاء المنتشرون المبثوثون الرواد عليهم الاستمرار في الأذان والصدع، والتبشير والإنذار، والتجميع والتربية، حتى تتنامى القوة الإسلامية، في البلد الذي هي فيه لتقارب قوة أعداء الإسلام، مستخدمة ما يمكنها من وسائل الكتب والنشرات والبيانات والصحف، والحفلات والخطابة والتجمهر والتظاهر، وإقامة النوادي والجمعيات المتخصصة، ودخول انتخابات الاتحادات الطلابية والنقابات العمالية، وخوض المعارك البرلمانية، وإنشاء مرافق الخدمات الشعبية، وإقامة المؤسسات الصناعية عند الاستطاعة والمنافسة المالية والتجارية، وكل وسيلة حرة أو مقبولة شرعًا.

وهكذا توجه الجهود من خلال هذا التغلغل والنشاط لاستقطاب الذين يحترمون الإسلام ويتحلون بالأخلاق الفاضلة من عناصر التأثير في الحياة الاجتماعية والفكرية والسياسية، كأساتذة الجامعة والمدرسين، وكبار الموظفين الحكوميين، ورجال الصحافة والإعلام، والأدباء والشعراء، والفقهاء وخطباء المساجد والوعاظ، والمحامين والقضاة، وصفوة من الأطباء والمهندسين، وعمداء العوائل ذات النسب أو الهيبة وأبنائهم، وشيوخ القبائل وأقاربهم، والتجار، ورؤساء الجمعيات والنقابات والنوادي  الرياضية والفكرية والاجتماعية والمهنية وأعضاء اللجان الإدارية الذين معهم، والمذكورين في الناس ببطولة أو فعلة خير، ونواب الشعب في البرلمان، حتى من يكسل عن الصلاة من كل هؤلاء ما دامت فطرهم سليمة، فإن نصائحنا وتربيتنا يرجى لها أن تبعث فيهم حمية وهمة كافية لالتزام العبادات وعدم الوقوع في حرام، ولا نبعد إلا عن المصلحي الطامع منهم، الذي تدلنا فراستنا على أنه يريد استغلال الدعوة لمأرب شخصي دنيوي.

 

نهدر المشاعر والممارسات الطبقية

 إنها ليست الروح الطبقية المتعالية تدعو لتجميع هؤلاء أو كسب تأييدهم للدعوة، فإنهم والعامل والفلاح البسيط يحيون في رحاب من الأخوة الإيمانية في ظلال دعوتنا، ولكن تأثيرهم الفكري والسياسي المضاعف هو الذي يفرض الحرص عليهم.

إن الأحزاب الاشتراكية تتخوف من أن يستغل بعض أصحاب الأموال والمراكز من هؤلاء الحزب لأغراض نفعية ومكاسب طبقية، ولذلك يعنون بتجميع العمال والضعاف، ويحركون لهم الحق في السلطة، وذلك علاج رديء لواقع منحرف ظالم، أما عندنا فإن الأخوة الإسلامية التي نربي الجميع عليها تعتبر فريدة من نوعها وتأثيرها، والعدل الذي جاء به الإسلام لا يسمح للظلم أن يوجد ويزداد، ومن شأن إخوتنا أن تستل من الأنفس كل سخيمة طبقية، من أصحاب الأموال والنفوذ، أو من الفقراء والمستضعفين، وأما من يظل سافلا في مشاعره وينوي الاستغلال فإن الحركة الإسلامية أبعد من كل بعيد عنه، ولقد أرساها الإمام البنا رحمه الله قاعدة في تجميعنا ماضيا: أن نحذر هيمنة الكبراء والأعيان، كما سماهم، وهل كانت البعثة النبوية الكريمة إلا ثورة على سطوة الملأ المتعجرف من بيوتات قريش، وظلمة العرب، وعلى استغلال اليهود ومن حالفهم من المنافقين؟ وهل كانت الفتوح الإسلامية الغراء إلا هدما للطواغيت وأعداء الشعوب؟ وهل للدعوة الإسلامية اليوم غير تلك السيرة الشريفة والطريقة الراشدة نبراسا تهتدي به؟.

 

تجميع شامل

كلا، إن الخطر لا يأتي من هذا الباب، ولن يجد الكبراء لهم في دعوتنا مكانا، ولكن الخطر المحتمل يأتي من أن الدعوة، في أعوام من غياب التخطيط، قد تتحول إلى مجرد حركة مثقفين مدنية تهمل العامل والفلاح، فتنصب العناية على المدارس والجامعات وطوائف التخريجين، لما لهم من استعداد للمباحث الفكرية، ولا يكون ثمة نزول لمستوى العامل والفلاح ورعاية مشاكلهما وتبني حلولها، ولقد تلبست الحركة في بعض البلدان بمثل هذا التقصير، وسبقها اليسار إليهما سبقا لم تستطيع معه الاستدراك، ولم يعد بالإمكان قيام تعادل في الممارسة السياسية، وصدق على الدعوة المثل القائل بأن العين بصيرة واليد قصيرة، فإن لمجموعة الدعاة المثقفين بصائر من الوعي، إلا أن يدهم التي يمدونها إلى الباطل قصيرة، لا تطيلها يد العامل والفلاح.

ولربما سلكت الدعوة مسلكان قصوريا آخر تتحول به إلى اتجاه فكري أدبي يكثرمن البحوث الفقهية، والتأليف والنشر، والمحاضرة والخطبة، ومجالس الحوار والنقاش، وهو اتجاه أخطر من الأول، يمس أصل مفهوم الدعوة، بابتعاده عن التجميع الواسع والتنظيم الدقيق، وبانصرافه عن النهي العملي عن المنكر، وليست الدعوة ذات استغناء عن التأليف والنشر والحوار، ولكنها ليست مجرد مجمع علمي.

إن الشمولية في التجميع ضرورية، ويجب أن تكون رديفة لشمولية الأفكار والأساليب.

 

خلاصة المجتمع.. لا الغثاء

ويخطئ بعض الدعاة من باب آخر حين يسرفون في تصور معنى مقاربتنا لقوة الاتجاهات الأخرى، فيتصورون أن الدعوة، لوصولها إلى هذا الوصف لابد أن تجعل لها تماسًا بنصف عدد السكان، وهو تصور مغرق في البدائية.

فإن بلدًا تعمل فيه تشطب من عدد أهله بجرة قلم واحدة تسعة أعشار عدد النساء، إذ لا يزال تأثيرهن ودورهن الفكري والسياسي في العالم الإسلامي غير كامل، ويكاد أن يكون ضعيفا، وتشطب ملايين الأطفال، ومثلهم من أهل البداوة أو الحياة المنعزلة، وأعدادًا هائلة نم الجبناء والسلبيين والبلداء الذين لا يحملون رأيا ولا يعتنقون فكرة ولا يعارضون سياسة أو يؤيدون، وشيوخًا عجزة، ومرضى تشغلهم الآلام، ومن لا يزال أميا ومفرطا في السذاجة، وأمثال هؤلاء.

وهكذا فإنه لا يتفاعل مع تطور الأحداث أكثر من عشر السكان، أو أكثر قليلا، ومعظمهم أتباع مقودون، مقلدون يفتقدون إمكانية تحليل المواقف ويعوزهم الاجتهاد والإبداع، وأما قيادة التيارات وتحريك الصراع فلا تتجاوز بضع عشرات من الألوف في مجتمع الملايين، وهم أصحاب مراكز التأثير المذكورة وبعض الطلاب والعمال والفلاحين، ومساواة القوة الإسلامية ضمن هذه القلة للقوة الأخرى، أو القوى المتحالفة هي التي نعنيها ونتخذها مقياسًا يأذن لنا بتطلعات بعيدة، ومع ذلك فإن الله تعالى قد يهب الدعوة بضع عشرات قليلة من أصحاب الكفاية العالية أو البراعة يكون لهم من ثقل الوزن ما يعوض عن مئات من عناصر  التأثير التي عددناها، وبهم يتم اختصار الطريق ويقصر، كأستاذ جامعي مكتشف أو تلفت بحوثه الانتباه، وصحفي قدير سيال القلم ذي خلفية واسعة ويسنده أرشيف دقيق، وفقيه مليء يملك عقلية مستنبطة واطلاعا على كتب التراث، وخطيب مصقع بليغ يأسر القلوب، وشاعر فحل جزل يتفنن في تحريك النفوس، ومقدام يركض إلى الموت فيستشهد، فيؤجج الحماسة، وتعلو هادرة من بعدة الأصوات.

إن النصر قريب الطريق، حتى لتكاد أن تتناوشه أيدي الدعاة، ولكن متى كانوا شجعانا، ولفن الانسياب وعاة.

ولابد أن تتذكر أيضًا أن المسلم منصور بإذن الله على  اثنين من الكفار على الأقل والتفوق عليهما، كما قررت سورة الأنفال، وإن دفعك للباطل قد يكون في جولات متعددة، أو في جولة واحدة، كجولات الملاكم، فإن الذي ينزل إلى الحلبة لا يدري متى ينتصر بالضربة القاضية، فينتصر بالنقاط، ولكن احتمالا لضربة في الجولة الأولى ليس ببعيد.

 

شروط الانفتاح

إلا أن هذا الأمل الذي يفتح بابه الوعي الحسن يجب أن لا يذهل الدعاة عن فحص الأرض التي يقفون عليها، بأن يعرفوا مقدار نفوسهم، وحجمهم الحقيقي، فإن الأمل نافع ما دام يبعث الثقة ويضاد اليأس ويشير إلى درب الوصول، لكنه يصب مهلكًا متى استحال إلى أحلام مغرية وخطوات قافزة ليست ذات تدرج.

إن التقدم الموزون الانتقالي من مرحلة النشأة إلى مرحلة الانسياب لا بد له من شروط أربعة: تواجد يكفي، وظرف يواتي، ومجتمع يرحب، ومركب يحمل.

·         وذلك أن تتواجد في الساحة بعدد لا يمكن معه للمقابل أن يستأصلك، وإن كانت رغبة المقابل ليست ممكنة التنفيذ له دائمًا، فإنه قد يشتهي الأمر وتصده احتمالات النقمة الشعبية عليه، أو يشتهيه فيخاف أن يضطرب التوازن بين مجموعة الذين بإزائه، فيكظم غيظه، ويدعك حرا، مضطرًا، ليس بمتفضل عليك ولا كريم.

·         ثم يجب أن تترصد فرصة سانحة، بأن لا يصادف إعلانك عن نفسك ظرفا دوليا متأزما في المنطقة المحيطة بك، كتبدل في بلد مجاور، أو توحيد جهود بين الحكومات قريب، بل انتظر وراقب ما تأتي به الأيام، ألا تندم لمفاجأة لم تحسب لها حسابا.

·         وأما التقبل الاجتماعي فمطلوب أيضًا، لا تهدر رغبات عموم الناس، فلربما تكون في بلد لم تتطور فيه الحياة الفكرية والسياسية بعد إلى درجة كافية يستسيغ معها أهله أن تتصارع التيارات، بل يعدونك آنذاك مضيفا عنصر تعقيد واضطرب وتناحر، ويغفلون عن مقدمك الإسلامي وسمتك الإيماني كمناهض للإلحاد الصامت الزاحف نحوهم، فيحاصرونك بالصدود والإنكار قبل أن تحاصرك الأجهزة.   
وتتكرر مثل هذه الحالة في البلدان المتحضرة المتطورة أيضًا إذا ما تعبت وأثخنت بالجراح في سلسلة سنوات من القلق السياسي والثورات والانقلابات وكشف المؤامرات الفاشلة وكثرة الإعدام والسحق الدموي، فإن أهلها يصلون إلى درجة من الملل والضجر والتأفف يعتبرون معها كل عمل مصدر تعب جديد وإن كان إسلامي الهوية، ويجب أن نرفق بالناس آنذاك، ما لم يكن خطر الإلحاد الأكبر محيطا بهم وهم لا يشعرون.

·         فإذا قست أبعاد موقفك، وأزمعت النزول إلى الميدان، وعقلت وتوكلت: فاطلب الوسيلة الناقلة، بأن يكون ورودك مثيرًا لانتباه الناس، بحيث تتطلع الأنظار إليك، وتكون حديث المجالس، هازًا كتف الملتفت، منطقا المتخارس، مثل ترشيح لانتخابات برلمانية حرة ليست تمثيلية، ولا هي هازلة، لا أن تأتي في أيام ركود وغفلة وسبات جماهيري، فيكون طروقك باردًا، ويمتص الفتور السائد حيوية الانطلاق.

فبهذا الاحتياطات تأمن الهفوات.

ولكن لابد من الانتباه إلى الحد الفاصل بين المرحلتين، المسوغ للانفتاح، هو حد لا يمكن تثبيت وصفه بمجرد الإحصاء والعلاقات الدقيقة وإنما هو تقدير عام أيضًا يعتمد على الفراسة التي لا تنطق بها الأرقام، واطمئنان يقذف في القلب ربما صعبت ترجمته بألفاظ وتعليله بأسباب.

 

اكتشف ذاتك قبل النداء

كل هذا الحساب الهندسي قبل تحديث نفسك بنمو وتوسع وجد.

ولكن كم من داعية يصول في الأفكار ويجول، ويحرص على معرفة دقائق الرأي وقواعد الموازنات السياسية، وينفقه بجزئيات كثيرة، متجاوزًا حقائق الدعوة الأولى والاجتهاد في الأمور التي يحتاجها كل يوم، مستعجلا الظهور قبل تمام النشأة الأول وتكامل مقومات اسم الدعوةžžžžž!!

ومثله في ذلك كمثل الشاعر المشهور الطرماح بن حكيم الطائي: قعد للناس وقال: اسألوني عن الغريب وقد أحكمته كله. أي غريب اللغة، وكان في ذلك صادقًا، فقال له رجل: ما معنى الطرماح؟ فلم يعرفه.

فهو قد ذهب إلى البعيد، وتعنى له، وترك القريب وانصرف عنه، ولم يعرف اللفظة الأولى التي تعنيه هو قبل غيره.

ولا بد أن ندرك أن أهم أركان أي خطة عندنا هو الرجوع إلى أحكام الابتداء وألفاظ الدعوة الأولى التي يقوم بها اسمها، وإلى بديهيات الدعوة، وإصلاح النفس، وتربية قطاعات من الشعب على الأخلاق والتعبد وترك الحرام، ثم يأتي التحدي الإسلامي بعد ذلك لا قبله، وإن ما ثم غير إيمان نقيس به، ولا لنا فيما نقول عدا الوحيين ميزانًا.

 


([1]) صحيح البخاري 8/130.

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error