هذا المجتمع، في كل حقبة: إنما هو انعكاس لشخصيات المجموعة التي تقود جيل الناس في تلك الحقبة أكثر مما هو انعكاس للقوانين المسنونة التي يراد لها أن تنظم الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وإنما تعود هذه الظاهرة لسببين:
إن المفاهيم والأخلاق والطباع توغل في التأثير المعنوي النفسي أبعد من الأمر المفروض المنفذ بالقوة، وتغرس من معاني الاقتداء ما لا يملكه التسلط.
وأن الفلسفة وأنواع الأدب البلاغي، وتحاور الآراء، وحجج الفقه، تضرب على أوتار العقول والعواطف، والأرواح فتدعها في موقف منجذب أو نافر، وليس يقوى جمود الصرامة على احتلال القلوب، ولا له في شغاف مستقر.
من هنا كان آكد قانون أو شرع: قانون أو شرع تظاهره من خلفه قناعة قادة يطبقونهº إذ التحايل والالتفاف، والتاؤل المتملص، أساليب مطروقة عند انعدام الرضا.
ولهذا لن يكون (الإسلام) بدون (مسلمين)، أو (الإيمان) بدون (مؤمنين).
والحياة الإسلامية لا تبنيها النصوص، إنما ترفع أركانها مجموعة قيادية من المؤمنين ذات تأثير متكامل، من رجال الإدارة، والسياسيين، والاقتصاديين، والصناعيين، والفقهاء، والقضاة، والأدباء، والمفكرين، يؤمهم رجل جامع للخصال، شامل الاهتمام، وليس لقانون إسلامي فرصة تغيير بدون أفئدة ملذوعة تتعبد بتطبيقه.
وهذا المفهوم ما هو بالجديد، وإنما هو تصور قديم صرح به السلف من الفقهاء، إذ كانوا يفهمون أن أولياء الله الذين ينصرون دينه ( يوجدون في جميع أصناف أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- إذا لم يكونوا من أهلا لبدع الظاهرة والفجور، فيوجدون في أهل القرآن والعلم، ويوجدون في أ÷ل الجهاد والسيف، ويوجدون في التجار، والصناع، والزراع)().
فإقرار بمثل هذه الحقيقة، أو الانتكاس، وانقلاب الموازين.
بل هو ارتكاس قديم
وذاك هو خبر الإمام أحمد بن حنبل لما أطل ببصيرته، فرأى إهمال الثقات، وصعود النكرات، وتمكين أهل البدع، وتوسيد الأمور إلى غير أهلها، فقال: (إذا رأيت اليوم شيئا مستويا فتعجبوا)().
فهو عجب مبرر، قد انبغت له أسباب الصدق، إذ غلبت الأهواء أعراف الإيمان في تزكية الرجال، وصار (يقال للرجل ما أعقله وما أظرفه وما أجلده، وما في قلبه مثال حبة خردل من إيمان)()، حتى تولى الظلمة الوزارات ومراكز الحكم، وأصبح الجهد صدور مجالس العلم.
وتكررت هذه الانحرافات أكثر من مرة بعد أحمد وندر الاستواء، حتى انعقد إجماع المؤرخين على رد كل مظاهر ضعف الأمة إلى سوء معادن المنفذين، ولم تأت نكبة زوال الدولة العباسية إلا نتيجة منطقية لبلوغ الاعوجاج مداه.
ولم تكن لتلك النكبة أخت تعظ بمثل وعظها، ومع ذلك أغفلت قلوب من في البلاد التي نجت من يد التتار عن الانتفاع، وشهدت ربوع الشام ومصر من أصناف أهل النقص ما أرهقها.
ولابن القيم نص ذو طبيعة تاريخية يصف لنا فيه تلك الفترة، يرجع فيه سبب باطل المبطلين إلى إغراء الشيطان عدو الإنسان، جريا مع التحليل الإسلامي لصراع الخير والشر، واعتقادًا بعقيدة الإسلام، ويحدثنا كيف أ، الشيطان صادف نفرًا يتبعونه (اتخذ منهم حزبا ظاهروه ووالوه على ربهم، وكانوا أ‘داء له مع هذا العدو، يدعون إلى سخطه، ويطعنون في ربوبيته وإلهيته ووحدانيته، ويسبونه ويكذبونه، ويفتنون أولياءه، ويؤذونهم بأنواع الأذى، ويجهدون على إعدامهم من الوجود، وإقامة الدولة لهم)().
واللافت للنظر في هذا النص هذه الكلمات والاصطلاحات التي أوردها ابن القيم، كأنه يصف طبيعة الصراع الحاضر بين الحركات الإسلامية ومعسكر الجاهلية، فهو يذكر: الحزب، والفتنة، والأذى، والإعدام، وإقامة الدولة الباطلة، فيأسر اهتمامك، لتنتبه إلى صورة معركة واحدة ما زلت تعيشها اليوم كما عاشها جيل بن القيم، وكما عاناها الرهط الذين مع أحمد.
فليس جديدًا ما نرى من تصارع هو البغي لكن بالاسامي تجددا
وأصبح أحزابا تناحر بينهمِِا وتبدو بوجه الدين صفا موحدا()
إنه اليوم صراع سياسي حزبي منظم لإقامة الدولة الجاهلية، ولقد أقاموها، وصراعهم مستمر لإدامتها، وترسيخها وتربية الأجيال الجديدة على الكفر، وليس الأمر مجرد فساد خلقي وفجور وخمور يمكن أن ينحصر وعظ الواعظين إزاءها.
وفي هذا ما يوجب على أصحاب الغيرة الإسلامية والعقيدة الإيمانية في كل مكان أشياء من التعاون، والانتظام، والتخطيط، وتكميل النقص التربوي، والتوسع العددي، في عملية استدراكية، من خلال ممارسة جهادية سياسية غير متهورة، تقام بها دولة إسلامية، رجالها دعاة حركيون.
أثر.. مع قافلة الهجرة
وكل مسلم مطالب بإبداء أثر في هذا الاستدراك، والمشاركة فيه بنوع من الخير، حسب استطاعته، ولا معنى لحياة إمرئ سلبي، يرتع في هذه الدنيا: أكلا وشربا وتلذذا بالنساء، والمفكرون من حوله لا يحاول أن يبدي موقفه منهم، والسياسيون عن يمينه وشماله بين صالح وطالح يصطرعون وهو يتفرج.
إن السلبية والانعزال والتفرج مع هي إلا تعابير مخففة مجازية بيأبها عبد الريحم بن الأخوة الشيباني الشاعر مفسر القرآن، ويعد ذلك موتا، فالمرء والسيف –عنده- ما لم يبديا أثرًا: حي كميت، مسلول كمغمود.
وبلغ الرافعي مبلغا أقصى، فرأى وجود السلبي غير مبرر، وأنذرك بوجوب الجلاء، وأنك (إن لم تزد شيئا على الدنيا: كنت أنت زائدًا على الدنيا)().
وذاك شأن لذعة القلب حين يكويه برود المسلمين، تنسيه اللذعة الألفاظ اللينة، ويغيب عن باله أنك لا تطيق الصراحة، فيقسو عليك وأنت لا تحتمل!
فتعالى نتركهما، لنمر معًا على ذي رفق، لا يزيد على أن ينبهك إلى أن إبداء أثر الخير صفة كبقية الصفات الإيمانية التي طولبت حواسك بها.
إنه يقرن لك رفقين، رفق المبنى، ورفق المعنى، ويدلك على زادين..
فخذ لك زادين: من سيرة ومن عمل صالح يدخر
وكن في الطريق عفيف الخطا شريف السماع، كريم النظر
وكن رجلا إن أتوا بعِِده يقولون: مر، وهِِذا الأثر
وما نحسب أن الهمم تتعاقد على أقل من هذا:
أن يكون لك أثر يطبعه قدمك مع الركب السائر، يمنحك حقا في العب معنا من المؤمنين مصلين، أكتافهم في المساجد بأكتافنا، مازالوا يتأخرون عن المسير مع قافلتنا، ويسألون عن وجهتنا، وربما يتشككون، وما دروا أن قد سبقهم من سبق، وأن قد جد الرعيل في الرحيل، وإن المتأخر في الالتحاق: متأخر في الفضل.
أنشِِأت أسألِه عن حِال رفقته فقال حِي، فإن الركب قد نصبا
إن أمرنا ليس بحاجة إلى سؤال من بعد ما انتشر شذانا، وعبق عطرنا، واستأنس كل مزامل لنا، بل هو التشمير، والحرص على إجابة دعوة إلى فلاح رفعنا صوتنا بها، قد يممت قافلتنا وجهها إليه، فوصل البعض: شهداء وآخرون: سائرون في الوعظ والتربية والتهيؤ، ومنا: الراكضون السجناء.
تجربة اليقظِِان وعبادة المحسان
ولكن.. احذر أيها الأخ المشمر..!
فإنه قد شرع لنا أن ننافسك في الخير وحجم الأثر، ولك أن توسع خطوك ما تستيع، وإلا فلسنا –إن سبقناك- بملومين.
نعم، لن نحتكر الخير، بل نهبك بعد من غنيمتنا، حتى نغنيك، ولكن ليس من أخذ من فرع كمن أخذ الأصل، وليس من سمع الوصف كمن ذاق لذة اشتداد السباق.
وحضورك نشاطنا بحواسك أجمع: وتجردك النابذ لتطلعات الفضول: كفيلان بأن تنال يوما بعد يوم حكمة صافية تفهم بها قواعد العمل الحركي الإسلامي، غير مشوبة بوهم رواية ناقل، ولا جمود مقلد ليس له إبداع ونظرة تحليل.
ولسنا منك إلا بمنزلة الدليل، ويستطيع قلبك أن يزداد فقها لهذه القواعد بمقدار ما يحرص على المعنى الكامن في دلالتنا، دون طلب للفصاحة في الظاهر من ألفاظنا.
وهذا مبدأ في التفقه راسخ في العرف القديم قل أتباعه في الحاضر، وليست حاجة مجاوزيه له دون حاجة الأولين، ولقد وجدنا هماما من السلف يؤكده، فيوصيك أن: (لا تشتغل بالفصاحة والبلاغة، فإن ذلك شغل لك عن مرادك، بل افحص عن آثار الصالحين في العمل وواظب على الذكر).
وقوله إيجاز جيد لوصف طريق الدعاية المسلم نحو الوعي.
الفحص عن آثار الصالحين في العمل أولا، وهي حروف محكمة متداولة في تعابير الأمس، تترجم في اللغة المعاصرة بدراسة تجارب الدعوة الإسلامية في العمل السياسي والتنظيمي والتربوي.
ولكن هذه الدراسة تستلزم خلفية من السكينة الإيمانية التي يطفى بردها حرارة التتبعات الدنيوية، وهي المواظبة على الذكر، المشار إليها ثانيا، وتشمل معان متكاملة، من الزهد، والإخبات، والتواضع، في سلسلة من العبادات القلبية، تبطئ بالداعية، لتمكنه خلال التأني من اعتدال التحليل، ودقة القياس، وصواب التعليل، مثلما تسرع به سموًا نحو اندفاعة جهادية.
فإذا اجتمعت المعرفة الإيمانية، مع الموازنة التجريبية: كان أمر الدعوة والداعية تامًا.