س5- اتهم بعض الإخوان المسلمين بأنهم يهمهم التجميع ولو على حساب الحق، ولا تهمهم العقيدة وأنهم لا يبدءون بتصحيح العقيدة وأنهم يسكتون على الباطل.
جِ5- أقول: هذه تهم عجيبة: فمنْ مثل الإخوان المسلمين صحح عقائد الناس وأرجع الناس إلى فهم شمول الإسلام وإلى الالتزام بالكتاب والسنة، ولكن السياسة النبوية تقضي أن نبدأ بالأهم فالمهم، ألا ترى إلى حديث معاذ رضي الله عنه عندما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فأمره أن يبدأ بالدعوة إلى التوحيد فإذا تمت الاستجابة فليدعهم إلى الصلاة ثم إلى الزكاة... فالداعية ينبغي أن يكون حكيماً يبدأ بالأهم فالمهم، وأمّا أن الإخوان لا يفضحون سبيل المجرمين ولا يعالجون الشذوذات فهذا ليس صحيحاً ولكنهم يقولون بما يقول علماء الإسلام ومنهم ابن تيمية رحمه الله أنه إذا أدّى النهي عن المنكر إلى منكر أكبر يترك النهي عن المنكر، فمعالجة الشذوذ والبدع بالطرق الحكيمة أدب من آداب الإسلام، وإلا فمثل تحمّل من أهل عصرنا في صراع مع الجاهلية ما تحمله الإخوان المسلمون وهؤلاء شهداؤهم يشهدون. أمّا اتهامهم من قبل بعض الكتّاب بأنهم لا يركزون على العقيدة فسببه واضح: أن هؤلاء يعنون بالعقيدة نقطتين: القول بالفوقية المكانية للذات الإلهية والقول بتكفير وتضليل من توسّل بالرسول صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، فالأستاذ البنا جعل المسألة الثانية من باب الفروع الفقهية لأن القائلين بجوازها يستندون إلى حديث صححه أئمة في الحديث كالمنذري وغيره وكفى بهما قدوة وأسوة، وأما القضية الأولى فلم يتكلم بها الأستاذ البنا رحمه الله لأن الصراع حولها شديد بين طرفين كلّ منهما يضلّل الآخر ويكفره، وكل من الطرفين في الذروة من العلم، ويكفي أن يعرف القارئ أنه لو طبقنا مذهب أن خزيمة لحكمنا على الإمام النووي بالإعدام وألقينا جثته في مقابر اليهود، فقضية هذا لازمها وهذا شأنها في الحساسية لم ير الأستاذ البنا أن يكون للإخوان فيها موقف سوى الموقف الذي أدبنا الله به.
{والراسخون في العلم يقولون آمنّا به كل من عند ربنا} [آل عمران: 07]. فالله عز وجل القائل: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 05]. هو القائل: {وهو معكم أينما كنتم} [الحديد: 04]. وهو القائل: {فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115]. وهو القائل: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} [ق: 16]. وهو القائل: {ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون} [الواقعة: 85]. والقرآن نفسه يستعمل الفعل (علا) وتصريفاته للتعبير عن علو المكانة لا المكان: {وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم} [الزخرف: 04]. {لا تخف إنك أنت الأعلى} [طه: 68]. {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون} [آل عمران: 139]. فالأمر عند المختلفين على غاية من الحساسية فإذا وقف الأستاذ البنا عند الاثبات والتنزيه فذلك لا غبار عليه وذلك الذي يسع كل مسلم، ولن يعمى الناس عن معرفة الراسخين في العلم الذين تطمئن قلوبهم لمتابعتهم.