من الثامنة عشرة حتى العشرين
(1952 – 1955 م)
المرحلة الثانوية
في هذه الفترة دخل في عملي الحياتي مهنة أخرى وهي الزراعة وهكذا أصبحت أشارك في عملين حياتيين مع الوالد: حرفته في سوق الهال أي في سوق البيع بالجملة، وحرفته في الزراعة، فقد ارتفع سعر القطن في سورية ارتفاعا أغرى الكثيرين بالزراعة عامة وبزراعة القطن خاصة، وقد علل الناس بعد هبوط أسعار القطن فيما بعد لارتفاع الأسعار تعليلات اقتصادية سياسية، المهم أن الوالد اندفع في هذا الموضوع واستأجر أرضا قريبة من حماة تصل إليها ماء ساقية الري الممتدة بين حماة وحمص، وشاركت في العمل على مدى سنتين وكان لذلك فائدته الكبيرة. بقيت مطالعتي في هذه المرحلة كثيرة، ولكن المعلم الضخم في حياتي هو دخولي في الاخوان المسلمين أواخر العام الدراسي وأنا في الصف الأول الثانوي. كان ذلك انقلابا هائلا في حياتي فمع أنني من بيئة متدينة وكنت أحضر دروس الشيخ محمد الحامد لكن دخولي في الاخوان المسلمين كان في الحقيقة نوعا من العثور على "الأنا الجماعي" لنفسي ولذلك فقد دخلت مباشرة في اضطراب قلبي هو الأول من نوعه في حياتي فقد انصبت على قلبي وساوس كثيرة بعد أن حددت وجهتي نحو الله جل جلاله ثم نحو العمل من أجله ومن خلال ربط المصير بالعاملين للاسلام ومن أجل أمة اسلامية تؤدي دورا راشدا في العالم، هذه المعاني جعلت قلبي يفكر في أصل الايمان، أصبحت أثناءها كثير التأمل مستغرق الهم والتفكير في ليلي ونهاري وذهابي وإيابي وممشاي وجلوسي، وكنت كثيرا ما أفتح القرآن وأتأمله، وأتطلع إلى السماء وأفكر فيها، وأدعو الله وأتضرع إليه أن يكشف عني هذه الحالة، ولم ألبث كثيرا الا وانقشعت عني هذه الحالة، لكنها تكررت مرة ثانية عندما استغرقت في التصوف كما سأذكر فيما بعد، وقد عرفت فيما بعد معنى هذه الحالة ومحلها في الارتقاء والنقصان. جرت عادة الاخوان المسلمين أن يدخلوا العضو الجديد في أسرة يتلقى فيها التعليم والتوجيه، وكان موجهي الرئيس في تلك الفترة هو الأستاذ مصطفى الصيرفي أبرز شخصيات الاخوان المسلمين وقتذاك في حماة، وهو احد ثلاثة كانوا يعتبرون وقتذاك أقوى الاخوان المسلمين ثقافيا ودعويا، وكان شباب الاخوان ينظرون إليهم على أنهم زعماء الحركة بصرف النظر عن محلهم في سلم الاداريات، هؤلاء الثلاثة هم الأستاذ مصطفى الصيرفي والدكتور عبد الكريم عثمان وعدنان سعد الدين، كان الثلاثة محدثين ومحاضرين وخطباء من الدرجة الأولى مع نضج في الفكر السياسي والحركي. وتأكدت تلمذتي على الشيخ محمد الحامد في هذه المرحلة وأصبحت أشعر أكثر من ذي قبل أنني تربطني به رابطة روحية قوية لدرجة أنه كان عندي استعداد لأن أفتديه بحياتي وقلما أحسست مثل هذا الاحساس مع أحد غيره، وكان لتلمذتي عن الشيخ آثار كبيرة في نفسي، فقد نما حبي للفقهاء وللعلماء، وزاد تمسكي بالحكم الشرعي وبالنصوص لدرجة أنني انقطعت عن زيارة شخصية محببة لنفسي من كبار الاخوان وقتذاك لأنه يتبنى آراء شاذة في شأن المسيح عليه السلام وفي شأن الدجال. اندفعت أنا ومجموعة من الاخوان نحو الثقافة الاسلامية المتوارثة فأخذنا علم ترتيل القرآن عن الشيخ سعيد العبد الله وتعاقدت مع أكثر من مقرئ في البلد من أجل حفظ القرآن أو مدارسته أخص بالذكر الشيخ محمد القواس والشيخ قدور الموسى والشيخ ابراهيم الشراباتي والشيخ أحمد الحامد رحمهم الله وعندما أنهيت الدراسة الثانوية كنت أحفظ أكثر القرآن الكريم.
وفي هذه المرحلة وقع في قلبي أصل النظرية التي بنيت عليها تفسيري فيما بعد والمتعلقة بالوحدة القرآنية. ومن ابتداء دخولي في الاخوان ظهرت عندي ملامح ملكة خطابية في أكثر من مناسبة اما في خطبي في المظاهرات الطلابية أو في خطب دعوية في المساجد في الريف أو في المدينة. تدرجت في العمل الاخواني من عضو أسرة الى نقيب أسرة ونائب عن مسؤول في ثانوية ابن رشد وهي أكبر ثانوية في البلد الى أن أصبحت مسؤولا عن الطلاب في مدينة حماة. كانت فكرة الجهاد والسلاح تستهوينا، وكانت قيادة الجماعة في حماة تخشى من هذا التوجه، ومع ذلك فقد اعتمدنا على أذن ضعيف وأوجدنا تشكيلا مسلحا، ولقد قام هذا التشكيل بتعطيل أكثر من حفلة غنائية راقصة وكان لذلك أثره في بقاء حماة معافاة من المراقص والملاهي الى فترة طويلة. ولقد أخذنا في أجواء هذا التشكيل شيئا من التدريب لا بأس به. وفجأة حاول بعض أفراد التشكيل أن يرجح كفة بعض القياديين على بعض مما لم ينشأ التشكيل من أجله فأحبطت الفكرة وانتهى التشكيل، كان عقلي الاخواني يرفض مثل هذه التوجهات داخل الجماعة، كان لي دور رئيس – في تلك المرحلة – في ثلاث مظاهرات طلابية: مظاهرة بمناسبة دعوة الاخوان المسلمين إلى إدخال نظام الفتوة في المدارس الثانوية وقد نجحت الفكرة، ومظاهرة بمناسبة اعدام قادة الاخوان المسلمين في مصر، ومظاهرة احتجاجية على وعد بلفور وكنت المتحدث الرسمي في هذه المظاهرات عن الاخوان المسلمين. كان حينا حي العيليات في حماة وهو أكبر أحيائها، كان قلعة حصينة للاشتراكيين من أتباع أكرم الحوراني وقد قتل أكثر من انسان في حينا حتى تمت السيطرة على الحي لهذا الحزب، لذلك كانت غضبة الحزبيين كبيرة لدخول الاخوان المسلمين الى حينا عن طريقي، وقد عرض علي أكثر من عرض لترك الاخوان المسلمين والمساهمة في تشكيل جناح متدين في الحزب، وعقدوا مرة اجتماعا دعوني اليه مع والدي من أجل ترك الاخوان فكان كلامي شديدا: انني ما دمت على الحق فلن يثنيني عن موقفي شيء ثم خرجت مغضبا ولولا مراعاتهم لوالدي وأسرتي لكان وضعي في غاية الخطورة ولكن الله سلم. كان الصراع الحزبي داخل المدارس على أشده وكانت سيطرة الاشتراكيين على المدارس والطبقة المثقفة كاملة، وكانت مفاجأة لهم أن ظهرت قوة أخرى هي قوة الاخوان المسلمين التي اكتشفوها لأول مرة يوم سقوط أديب الشيشكلي فقد ظهرنا يومها كأقوى قوة طلابية واستطعنا أن نحتفظ بهذا التفوق فيما بعد. كان ذلك شيئا كبيرا وعجيبا فقد انتهى التدين من صفوف الطلاب حتى ان الجيل الذي سبقنا في ثانوية ابن رشد حدثنا أنه لم يكن في ثانوية ابن رشد من بين ألف طالب إلا طالبان يصليان مستخفيين، لكن الوضع قد تغير فمن صف الرياضيات من طلاب الشهادة الثانوية كان هناك سبعة وعشرون ينتسبون للاخوان من أصل واحد وثلاثين طالبا في ثانوية أبي الفداء، لذلك حاول الاشتراكيون أكثر من مرة أن يصادمونا لعلهم يوقفون هذا المد عن طريق الارهاب محتمين بالسلطة التي كانوا أصحاب نفوذ فيها لكن ذلك كله لم يفد. كان شيخنا الشيخ محمد الحامد يبين لنا خطورة المستقبل ويذكر أن حزب البعث بقيادة ميشيل عفلق تغلغل في وزارة التربية وسيطر على الحياة الثقافية، وأن أكرم الحوراني وحزبه تغلغل في الجيش وسيطر على الحياة العسكرية، وكان يطالبنا بالتوجه نحو الجيش لكنا لم نكن على مستوى العمل السياسي وقتذاك. كان الحماس هو زادنا الوحيد، بينما كان أكرم الحوراني يعمل بحس سياسي مرهف ندر من امتلكه في سورية، وكانت بقية الأحزاب تتضاءل أمامه لفقدانها الحس التنظيمي والقدرة على مخاطبة الجماهير واستقطاب الأجيال الجديدة، ومع أن الأجيال الانتخابية كانت تسيطر عليها حزبا الشعب والوطن ولكن هذه الأحزاب كانت تمتلك الحاضرفقد، ومن يومها فقدت المستقبل. لم نستطع أن ندخل الجيش لأن الاشتراكيين أمسكوا بمفاتيح الدخول الى الكليات العسكرية وكانوا يستبعدون أصنافا من الناس وخاصة أبناء الأسر المتدينة أو المتدينين، أو أبناء الأسر الغنية ولا يخلو أن تمر بعض الأسماء اما ذرا للرماد في العيون واما لنوع من التقييم خاص، أو لتدخل جهات أو مراعاة للحياة الديمقراطية أو تطمينا لبعض الجهات، المهم أننا لم ندخل الجيش مع أنه كان حلما لنا في يوم من الأيام، ولقد رأيت رؤيا يومها وجهتني لدراسة الشريعة، وكانت تلك هي رغبتي.
كان حزب البعث والحزب العربي الاشتراكي قبل اندماجهما يراهنان على الأقليات الدينية والطائفية، وكان المفروض أن نقابل ذلك بالعمل في الأقليات العرقية المسلمة كالأكراد والشركس. وقد غلطنا اذ لم نفعل وغلط الحزبان اذ فعلا لأنهما ضربا من حيث أرادا النصرة. استهوتني بعد أن دخلت الاخوان فكرة التفرغ للدراسة الاسلامية البحتة ووجدت مسابقة لانتقاء المعلمين للتعليم الابتدائي فشاركت بها حالما بما ذكرت، وقد نجحت في المسابقة وعينت في مدينة الحسكة فأخذت مجموعة من الكتب وتوجهت الى هناك، عينت في قرية تابعة لتل كوجك في أراضي قبيلة شمر ووصلت الى تل كوجك وسألت عن الطريق الى القرية فوجدت واحدا من أبناء دهام الهادي شيخ شمر فأخذني معه حتى أوصلني الى القرية وعلى الطريق اصطاد أرنبا وقف جامدا أمام أنوار السيارة فأطلق عليه النار، وفي هذه الفترة التي قضيتها مع هذا الأمير لحظت أنه يصدر أوامره الى أصحابه ويكتفي بذلك، ورأيتهم يختلفون مع بعضهم في تنفيذ الأمر ولكنه لا يتدخل ما دامت أوامره نافذة فشعرت باحترام له بسبب ذلك. وصلت الى القرية ليلا، نمت في بيت المختار، دللت صباحا على المدرسة، جاء الطلاب ودرستهم وبعد الظهر فكرت في شأني، ووجدت أن ما أنا فيه ليس هو وظيفتي في الحياة، وحزمت أغراضي مباشرة ورجعت الى حماة، كانت مفاجأة للوالد لكنه لم يعلق عليها، عدت الى ثانويتي للدراسة وللعمل الاسلامي في صفوف الطلاب. كان قلمي سيالا في هذه المرحلة وكانت قدرتي على نظم الشعر جيدة حتى أنني نظمت قصيدة حوالي خمسين بيتا في يوم أو يومين. أثناء اختبار الشهادة الثانوية كتبت في موضوع الانشاء صفحات كثيرة لفتت أنظار المراقبين. حصلت على الشهادة الثانوية من غير تفوق فقد كان عملي الاخواني ومطالعاتي الخاصة وانشغالي مع والدي في سوق الهال وفي المزرعة لا يعطي فرصا لنجاح متفوق، توجهت بعد نجاحي في الثانوية نحو الجيش ثم انسحبت من المسابقة بسبب أن أنواعا من الكشف لم ترق لي، توجهت بعد ذلك لكلية الشريعة في دمشق وكان ذلك بعد تأسيسها وافتتاحها بعام واحد، حضرت خلال ذلك محاضرة للدكتور السباعي المراقب العام للاخوان المسلمين في سورية ألقاها في مدرج جامعة دمشق كانت رائعة شعرت أثناءها وكأني منوم مغناطيسيا. زرت الشيخ محمد الهاشمي – الجزائري الأصل – وهو شيخ الطريقة الدرقاوية في دمشق، وأحد أقدر المتكلمين في العقائد، أسرني علمه وحاله، أخذت منه ورد الطريقة الدرقاوية وهو ورد مأثور قد ذكره الأستاذ البنا في آخر رسالة المأثورات تحت عنوان "ورد الدعاء" وهو استغفار وصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. ذكرت للشيخ أن شيخنا الشيخ محمد الحامد يوصينا بالذكر على الطريقة النقشبندية ويحضنا على التلمذة على الشيخ ابراهيم الغلاييني فشجعني الشيخ على ذلك، وهكذا خرجت الى "قطنا" من أجل مفتيها ومرشدها فلم أجده، قيل لنا أنه في قرية أخرى، توجهنا الى هذه القرية مع من معي سيرا على الأقدام فعثرنا عليه، أخذنا منه الطريق وأوصاني بالعزلة، وكان هذا خلاف رأي الشيخ محمد الحامد الذي كان يشجعني على العمل مع الاخوان المسلمين، كان ذلك في الصيف الذي أخذت فيه شهادة الثانوية. غلب على قلبي حب الشيخ الهاشمي وتعلق قلبي به فكان هو والشيخ محمد الحامد أكثر اثنين تأثيرا في حياتي. كنت طالب حق حريصا عليه تواقا الى المعرفة أبحث عما هو الأكثر رضا لله لا يهمني ما سوى ذلك. لقد حدث انقلاب هائل في حياتي فبعد أن كان زملائي الطلاب يرونني عاكفا على كتب الفلسفة أحفظ أشعار المعري وأماحك المتديني أصبحت وليس لي هم سوى الله عز وجل.
كان مجموع ما أخذته في أسر الاخوان المسلمين بعض آيات قرآنية حفظا وتفسيرا وقد كلفنا مرة بدراسة احدى الرسائل الثلاث وكلفنا مرة بحفظ رسالة الوظيفة الكبرى ولم يتابع ذلك. وكان شيخنا محمد الحامد يؤكد علينا: أيها الاخوان عليكم بالعلم، ولم يكن واضحا لدينا ماذا تعني كلمة العلم الا أننا كنا نحاضر دروسه وطالبناه بأن يقيم لنا درسا في مركز الاخوان المسلمين فأقام درسا للتفقه، وطالبنا مرة أن يكون الشيخ هو رئيس الاخوان فاهتمت قيادة مركز حماة لهذا الطلب ثم لم يكن شيء. وتحت تأثيرات فكرة الجهاد فكرنا كشباب في السلاح واشترينا بعض أنواعه وفكرنا في التدريب والمعسكرات وكان هناك أحد الاخوة المصريين من الجهاز الخاص قد استقر في حماة فحصلنا على شيء بسيط من التدريب وأقمنا أكثر من معسكر تدريبي، كنا نفكر فيما ينبغي فعله ولكن في اطار ضيق وكانت الصراعات الحزبية في سورية على أشدها. كانت الثورة المصرية في هذه المرحلة قائمة وكنا نتابع أنباء الصراع في مصر وسقط أديب الشيشكلي في سورية، وكانت عواطفنا السياسية تخضع للعفوية لكني بنيت أهمية التركيب النفسي الذي يحدثه الانتماء لحزب أو جماعة فمجرد الانتماء الصادق يجعل عواطف الانسان محددة مع حزبه. كان التنافس الاداري داخل الاخوان شديدا وكان هذا التنافس يقذف الى سدة رئاسة الجماعة بمرشحي الوسط ولقد وصل الى رئاسة الاخوان في حماة في تلك المرحلة من لا يعتبر هو الانضج اسلاميا واخوانيا بسبب ذلك وقد أصبح فيما بعد من كبار الناصريين. كان الاخوان المسلمون أقوى الفئات طلابيا بسبب تحرك الاخوة وأصبحت لهم قوة شعبية لا بأس بها بسبب دروس الأستاذ مصطفى الصيرفي في جامع المسعود في حماة. اصطدمنا أكثر من مرة مع جماعة أكرم الحوراني واستعملت أحيانا الأسواط والعصى وأطلقت النار أحيانا. أنهينا كل محاولة لادخال المراقص والتياترات الى حماة عبر عدد من العمليات الجريئة. كان لهذه المرحلة آثارها الكبيرة على تفكيري فيما بعد.... ففكرة الربط بين الثقافة والخصائص والالتزام وبين العضوية كانت محصلة لرؤيتنا القصور في هذه المرحلة. وفكرة أن التقدم في الجماعة منوط بذلك وأن نوعا من الأعضاء المنصهرين في الجماعة هم الذين ينبغي أن يمتلكوا حق الانتخاب كانت أثرا من هذه التجربة، وفكرة أنه لا قيمة لأي تجمع اذا لم تكن على رأسه قيادة بصيرة تستوعب ساحة العمل وتعرف كيف تسير نحو الهدف هي أثر البداية التي بدأت فيها انتسابي الى الاخوان. وفكرة ملء الفراغ الروحي لدى الأخ كانت أثرا عن هذه المرحلة. وفكرة العودة الى المسجد والانطلاق منه كانت أثرا عن هذه المرحلة. وكان من آثار ذلك كله أنني تطلعت للتملذة على شيوخ الصوفية. والتلمذة على العلماء والفقهاء والانتساب لكلية الشريعة. ومع أن شيخنا الشيخ محمد الحامد كان ممن اجتمع له الذكر والعمل والورع والدعوة وكان أرقى الناس – فيما علمنا – روحيا وعلميا ومع ذلك فلقد كان يدفعنا نحو التلقي من العلماء والأولياء، ولذلك ما أن نجحنا في الثانوية العامة وذهبنا الى دمشق الى وبحثنا عن أهل الذكر والعلم لنأخذ منهم وقد أدخلنا ذلك في دائرة القلق والحيرة والاضطراب والتأمل العميق في موضوع العمل الاسلامي.
***
لقد كان انجازنا مع زملائنا في العمل الاسلامي لهذه المرحلة ضخما ولقد دخلنا في صراع مع الأحزاب الأخرى على كل طالب تقريبا، فما من طالب الا أدخلناه في دائرة دراستنا ومحاولتنا كسبه، وربحنا معركة الطلاب، وتحركنا مع بعض الاخوة نحو ريف حماة وكان لذلك آثاره الضعيفة، وتحركنا نحو العامة نوع حركة وكان لذلك آثاره، لكن هذا كله لم يكن يستند الى نظرية ثقافية أو تربوية أو تنظيمية أو سياسية تكافئ المطلوب لأوضاع سورية وقتذاك، لذلك – وكما سنرى فيما بعد – تلقى الاخوان المسلمون في الغالب في حماة قرار الجماعة بحل نفسها في سورية بمناسبة الوحدة بارتياح. واذا سجلنا على الجماعة فقدانها النظرية الكلية الشاملة ومحاولتها البناء على ضوء ذلك، فاننا نسجل للجماعة أنها ما كانت تجد طريقا متاحا تخدم فيه الا وحاولته فقد أنشأت الجماعة في حماة وكذلك في سورية نوادي رياضية وكشفية وأقامت الاحتفالات بالمناسبات وأقامت الدروس والمحاضرات، واعتمدت مبدأ الأسر للتربية على ضعف في ذلك، وأنشأت مدارس ومعاهد للطلاب وحاولت ايجاد مستوصفات والقيام بالخدمات ولكنها لم تكن تمتلك وسائل كثيرة. وكان الدكتور السباعي رحمه الله تحترق اعصابه ويحاول أن يرتقي بالجماعة ولكن الأعوان الأكفياء كانوا قلة، وكانت الجماعة خارجة من انقسام خطير وانشقاق كبير، ولا غرابة فان أصوات النقد كانت تلقى آذانا صاغية لكثيرة الثغر والمناخ مساعد والأجواء الخارجية ضاغطة، والتركيب التنظيمي للجماعة هش والمنتسبون للجماعة أخلاط، والجماعة ليست قادرة على صهرهم، وككل انشقاق حدث في الاخوان في سورية فان الانشقاق يبدأ بالاعتراض على المراقب العام وكان وقتذاك هو الدكتور مصطفى السباعي الذي اضطرته ظروف سورية في عهد أديب الشيشكلي للخروج من سورية فبدأت الحركة المعاكسة بالدعوة الى التطوير ثم في الدعوة الى التغيير ثم كان الانقسام الذي نجا منه مركز حماة. ومن ذكريات هذه المرحلة: مشاركتي في المخيمات الاخوانية... فلقد كان الاخوان المسلمون في الأحوال العادية وحيثما يتيسر يقيمون مخيما سنويا عاما في سورية يضم كل الراغبين في المشاركة من اخوان سورية وكانت مثل هذه المخيمات تؤدي أدوارا متعددة فهي تساعد على ايجاد أجواء من المودة والحب بين أبناء المحافظات كما أنها تفتح آفاق المشاركين وتعودهم على النظام والانضباط والالتزام الاسلامي ولقد شاركت في مخيم من هذه المخيمات أقيم في حلب اجتمع فيه تدريب كشفي ومحاضرات ودروس وتفتيش على التدريب وزيارات لكبار الاخوان وصلوات جماعة ومسابقات شعرية وأمسيات طيبة، وقد حرمت سورية والكثير من البلدان العربية مثل هذه النشاطات، لكن هذا التقليد بقي قائما في بلاد الغرب حيث يوجد قدر من الحرية فلا زال أبناء الحركة الاسلامية في أوروبا وأمريكا يقيمون المؤتمرات السنوية أو الموسمية ويترتب على ذلك خير كثير. ومع المخيمات العامة لسورية كلها كانت هناك المخيمات المحلية وقد أقمنا مخيمين لبعض الاخوة في ضواحي حماة أشرف عليها أحد الأخوة المصريين، اجتمع فيها العلم والتدريب الشاق والاخشيشان والتقشف وكنا نستشعر لذة وبهجة ومتعه لا حدود لها في أجواء المحبة والاخوة. ولقد خيمنا مرة في مكان جبلي صخري متشابه البقاع فضاع أحد الأخوة وكم بحثنا عنه لم نفلح حتى جاءنا في اليوم الثاني فكانت فرحتنا لا تحد بعد أن خشينا عليه فأخذنا من ذلك درسا تلعمنا منه كيف نفعل اذا صادفنا مثل ذلك. ومن ذكرياتي لهذه المرحلة، أن الاخوان المسلمين في رمضان كانوا يطوفون على مساجد المدينة مسجدا بعد مسجد فيلقون فيه المحاضرات فكان يجتمع له تذكير لاخوانهم ودعوة للناس.
ومن ذكرياتي لهذه المرحلة، أننا نخرج خارج المدينة بمسيرات يجتمع فيها النزهة مع الرياضة مع التدريب على الحياة الأخوية المشتركة وأذكر أنه في رحلة من هذه الرحلات أصاب ركبتي خلع بقيت بسببه حوالي خمسين يوما في الفراش ولا زلت أعاني منه، وكان ذلك بسبب انزلاق قدمي على الحشيش الرطب ووقوع أحد الاخوة عليها. ومن ذكرياتي لهذه المرحلة، أن الأستاذ الهضيبي قام بزيارة الى سورية زار فيها أمهات المدن السورية ومن ذلك حماة واستقبل في سورية استقبال الفاتحين، وكان الصدام بين الاخوان المسلمين وبين عبد الناصر قد اشتد وقد طلب منه اخوة سورية البقاء عندهم فرفض الا العودة لمصر وقد دخل على أثر ذلك السجن، لقد كان رحمه الله يأخذ بالعزائم واني لأتذكر كيف كان استقبال حماة له رائعا وكيف غلبت البهجة على حماة، وأتذكر الاحتفال الكبير الذي أقيم مساء وصوله في جامع السلطان والجموع الكثيرة التي حضرته وقد تكلم يومها الدكتور السباعي وسعيد رمضان وغيرهما وتكلم الأستاذ الهضيبي باختصار وكان من كلامه أنه يحب أن يعمل للدعوة وهو صامت، وبمناسبة زيارته لسورية ألقى الاخوان خطبا في مناطق كثيرة وحدثت حادثة مؤسفة في المعرة فقد كان يخطب فيها سعيد رمضان خطبة الجمعة واذا بهجوم يقوم به الاشتراكيون في المعرة على المسجد ولقد حدثني فيما بعد أحد المسؤولين الحكوميين كيف أنهم دخلوا على المسجد وبيدهم زجاجات الخمر التي ألقوها على جدران المسجد وكانت فتنة كبيرة، وعندما بلغنا ذلك ونحن في حماة خرجنا أربعة ومعنا سلاحنا وتوجهنا الى المعرة ولكن كان كل شيء منتهيا فتابعنا مسيرنا الى حلب وحضرنا أواخر الاحتفال الكبير في جامع سيدنا زكريا وقد أصيب الدكتور السباعي يومها بنوبة وهو يتكلم بحضور الأستاذ الهضيبي. ومن ذكرياتي لهذه المرحلة، أنه عقد مؤتمر اسلامي في سورية حضره كبار قادة العالم الإسلامي ومنهم الأستاذ المودودي رحمه الله وقد زارنا هو وآخرون في حماة وألقى بنا كلمة في مركز الاخوان المسلمين أوصانا فيها بمكارم الأخلاق وكان لهذه الزيارات دور كبير في انعاشنا وتفهمنا لقضايا الأمة الاسلامية. ومن ذكرياتي لهذه المرحلة، أن بعض الاخوة اتهمني أنني أطمع أن أكون المرشد العام للإخوان المسلمين وكان ذلك مؤلما لي لأن مثل هذا ما كان ليخطر لي على بال. وقد تعودت منذ البداية أن توجه لي الاتهامات الظالمة حتى ألفتها لأنها ضريبة العمل الاجتماعي، فعمل جماعي في عصرنا في الغالب لا بد معه من الأقذاء كما ورد في بعض روايات حديث حذيفة عند أبي داوود "وجماعة على أقذاء"، ولعله من المناسب أن أختم هذه الفقرة بكليمات قليلة عن الاخوان عامة وعن نشأتهم في سورية لأن ذلك مؤثر على مجريات الأمور فيما بعد:
"نشأت حركة الاخوان المسلمين بعد أربع سنين من سقوط الخلافة العثمانية أي بعد سقوط اللواء السياسي لآخر دولة اسلامية عالمية، وقد نشأت الجماعة في ظروف انحسر فيها الاسلام انحسارا كبيرا وتسلطت القوى المعادية على كل أجزاء العالم الاسلامي تقريبا، وانطلقت الجماعة تجدد الاسلام وتقدم الدواء وتتحمل الصدمات وتكتوي بنيران الاعداء والأصدقاء، وكما أن الاسلام عالمي فقد نشأت الجماعة عالمية فامتدت في هذا العالم طولا وعرضا ولقد أصبح تنظيمها الحالي بفضل الله تعالى يغطي القارات الخمس وهي سائرة ومتنامية وفي كل يوم تزداد مواقعها رسوخا... انطلقت الجماعة في مصر على يد مجدد هذا القرن الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله وقد ألهم الله الأستاذ البنا كل ما يلزم لحركة اسلامية معاصرة، ولذلك استطاعت الجماعة أن تنطلق وأن تتوسع على كثرة النزوات والاندفاعات وعلى كثرة الضربات والعوائق... وقد تألق اسم الجماعة واسم مرشدها في انطلاقتها الأولى حتى أصبح حمل اسمها شرفا لكل من يحمله وكانت هناك في سورية تجمعات اسلامية كدار الأرقم في حلب وشباب محمد صلى الله عليه وسلم في دمشق ودار الأنصار في دير الزور الى غير ذلك، وقد ارتأت هذه التجمعات أن تلتقي على اسم الاخوان المسلمين وتحت قيادة الدكتور الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله الذي شرب وعب من معين الأستاذ البنا وكان استعداده العلمي والسياسي والبياني راقيا فقامت دعوة الاخوان المسلمين في سورية ولكنها قامت والجو من حولها اعصار، والتيارات المتناقضة المتضاربة شديدة عاتية والجماعة كانت في بعض جوانبها امتداد لمرحلة ما قبل التأسيس ولذلك فان قسما كبيرا من أبنائها حملوا اسمها دون مضمونها، على أن المضمون بدأ يتسرب شيئا فشيئا عبر كتب الجماعة وعبر السوريين الذين درسوا في مصر مثل الشيخ محمد الحامد والدكتور السباعي وعبد الكريم عثمان وعدنان سعد الدين ولكن منذ البداية كانت هناك مدرستان وحتى كتابة هذه السطور لا زالت هناك مدرستان في الاخوان المسلمين السوريين.
***
ومن أبرز ذكريات هذه المرحلة سفري مع بعض الاخوان الى دمشق بمناسبة ترشيح الأستاذ محمد المبارك نفسه للمجلس النيابي. وكانت المعركة الانتخابية حامية الى حد كبير. لقد قرر الاخوان المسلمين بعد سقوط أديب الشيشكلي الا يدخلوا المعركة الانتخابية وكان ذلك على خلاف توجهات الدكتور السباعي واجتهاداته لكن الأستاذ المبارك قرر أن يدخل هذه المعركة وانفصل عن الاخوان المسلمين، وقد أصدر الاخوان المسلمون بيانا أعلنوا فيهم موقفهم من الانتخاب وأعلنوا أن الأستاذ المبارك لا يمثلهم مما أدى الى عدم نجاح الأستاذ المبارك في الاقتراع الأول، فاستنفر الاخوان لمساعدته في الاقتراع الثاني وقد نجح، لم يكن للجماعة استراتيجية سياسية واضحة وكان هذا مظهرا من مظاهر عدم الوضوح في العمل السياسي. واستطرادا – وان استبقنا أحداث المرحلة اللاحقة – نقول:
لما شغر أحد مقاعد البرلمان في دمشق تنافس عليه الدكتور السباعي ورياض المالكي وذهبنا مرة ثانية الى دمشق، وكانت معركة هائلة رمى بها اليسار المحلي والعالمي بثقله مع رياض المالكي وضد الدكتور السباعي رحمه الله ورمى بها الاسلاميون وأعداء اليسار بثقلهم ولكن الجيش وأجهزة المخابرات واجتهادات بعض شيوخ دمشق اسقطت الدكتور السباعي، وكان ذلك مؤلما أن تسقط دمشق عاصمة الاسلام المتدينين وتلقى بثقلها بجانب غير المتدينين – وقد بلغني أن رياض المالكي آل أمره الى التدين فيما بعد – فأصيب الدكتور السباعي على أثره بمرضه العضال. ومن أبرز أحداث هذه المرحلة أننا شاركنا في نصرة الجزائر فقد اتفقت كل الجهات في سورية على إقامة أسبوع لنصرة الجزائر وجمع التبرعات لها وبدأ الأسبوع بحفلة كبيرة في دمشق نقلت في الراديو تكلم فيها الأستاذ علي الطنطاوي وكان الاقبال على التبرعات عظيما، وشكلت لجان في كل المحافظات وضمت الأحزاب والمؤسسات والنوادي، وكنت أنا وعدد من الاخوان مشاركين فيها وقد تعرفت أثناء ذلك على الأخ أحمد جواد وكان ذلك فاتحة خير كبير، حاول القائمون على العمل أن يصلوا الى كل قرية وحي وكانت حصتنا كبيرة فكنا نعمل ليل نهار، طفنا قرى مسيحية وأخرى مسلمة، زرنا بعض البدو، شاركنا في الاحتفالات العامة، كان اندفاعنا في هذا الشأن كبيرا وكان أثره طيبا.