لم ينقطع العمل الاسلامي في سورية، فالفقهاء والصوفية والوعاظ الذين كانوا يستقطبون أعداداً كبيرة من الشعب لم ينقطعوا في سورية، ولكنّه أمام نشوء النوادي والجمعيات والأحزاب ذات الأفكار الوافدة، بدأ بعض المثقفين الاسلاميين يفكرون في عمل اسلامي مكافيء، فكان أن وجد أفراد ثم مجموعات يفكرون في مثل هذا منذ سنة 1932، ولكن انتقال هذا التفكير الى مستوى الجمعية تأخر قليلاً، فنشأت جمعيات محلية ذات صفة ادارية خيرية دعوية منذ سنة 1937، ونشأت بأسماء مختلفة الا في حماة فقد نشأت جمعية باسم الإخوان المسلمين منذ سنة 1939م. قال الأستاذ فتحي يكن في كتابه "الاسلام فكرة وحركة وانقلاب" عن الاخوان المسلمين في سورية:
"لم يكن في سورية حتى مطلع القرن العشرين تيار اسلامي واضح المعالم. وإنما كانت هناك دعوات دينية وطرق صوفية مقتصرة في دعوتها على بعض جوانب الاسلام... وفي عام 1933 شعر المرحوم "الدكتور مصطفى السباعي" وكان حينئذ شابا يافعا بحاجة الإسلام إلى جماعة تؤمن به وتحمله وتدافع عنه. فبدأ بدعوة الناس إلى دين الله، يبصرهم به ويجمعهم عليه. وفي عام 1937 تأسس في حلب "دار الأرقم" وفي دمشق "الشبان المسلمون" وفي حمص "جمعية الرابطة" وفي حماة "الاخوان المسلمون". وفي عام 1944 كانت الحركة قد استكملت عدتها واتخذت شكلا تنظيميا واحدا في كل المدن السورية. وانتخب الأستاذ السباعي مراقبا عاما لها. وفي عام 1948 حدثت كارثة فلسطين. وهب الشعب السوري يطالب بالتطوع للقتال. وأخذت الحركة الاسلامية زمام المبادرة. وفتحت مراكز التطوع في كل مكان. ولما تم للحركة الإسلامية اعداد كتائبها خرجت بهم إلى أرض الجهاد. وكان من نصيبها الدفاع عن بيت المقدس أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين. وكان القتال يدور فيها من بيت إلى بيت ومن شارع لشارع. ولقد أبلى المجاهدون بلاء حسنا. وسقط منهم عشرات الشهداء أودع أكثرهم الثرى بجوار المسجد الأقصى منهم:
الشهيد ضيف الله مراد – الشهيد تيسير طه – الشهيد محمد عينوص – الشهيد محمد عرنوس – الشهيد محمود دندشي – الشهيد محمد قباني – الشهيد نايف حسن عودة – الشهيد راضي الجوهري – الشهيد محمد طالب – الشهيد محمد صباغ.
وفي ميدان الاصلاح السياسي لعبت الحركة الاسلامية في سورية دورا مهماً.... فدعت أول ما دعت الى إقامة حكم صالح يزيل عن سورية مخلفات الاستعمار... ووجهت النصح الى الحكومات الوطنية المتعاقبة.. وقاومت كل انحراف في الحكم والادارة. ولم تجامل في ذلك رئيسا ولا حكومة ولا زعيما.. وحاربت الحركة مشروع سورية الكبرى لأنه مشروع استعماري يجعل من سورية نقطة ارتكاز للنفوذ الغربي في الوطن العربي. وفي عام 1949 ساهمت في انتخابات "الجمعية التأسيسية" ونجح عدد من رجالها واشتركوا في وضع "الدستور" وصبغوه بالصبغة الاسلامية... وفي عهد أديب الشيشكلي عام 1952 تعرضت الحركة لمضايقات شديدة وفرضت الرقابة على قادتها وسرح الدكتور السباعي من عمله في الجامعة السورية، ثم نفي من البلاد... وفي عام 1958 كانت الحركة الاسلامية في طليعة الحركات التي أيدت "الوحدة الثنائية" بين مصر وسورية. ويوم تجمعت الفئات الحزبية السورية كلها في "نادي الضباط" بدمشق لتوقيع وثيقة الانفصال كانت الحركة الاسلامية الوحيدة التي رفضت بموضوعية واصرار.. واستطاعت الحركة الاسلامية في هذه الفترة أن تستقطب تأييد القوى الشعبية كلها، وتكون تيارا اسلاميا قويا ظهرت نتائجه في أول انتخابات نيابية بعد الانفصال عام 1961. وفي أعقاب حركة الثامن من آذار (مارس) التي أطاحت بالعهد الانفصالي تعرضت الحركة ولا تزال تتعرض لمحن متلاحقة على يد الحزب الحاكم في سورية. وفي عام 1964 توفي مؤسس الحركة الاسلامية الدكتور مصطفى السباعي مخلفا وراءه تراثا اسلاميا ضخماً من الكتب والمؤلفات وحركة اسلامية هي أمل سورية اليوم.
ومن مؤلفات السباعي: (السنة ومكانتها في التشريع الاسلامي)، (الأحوال الشخصية)، (المرأة بين الفقه والقانون)، (أحكام الصيام وفلسفته)، (أحكام الأهلية والوصية)، (أحكام المواريث)، (الوصايا والفرائض)، (مشروعية الارث في الاسلام)، (نظام السلم والحرب في الاسلام)، (أخلاقنا الاجتماعية)، ومجلة حضارة الاسلام". 1. هِ. لقد استطاعت جماعة الاخوان المسلمين أن تفعل الكثير في خدمة الاسلام والمسلمين، ولكن بسبب من طبيعة الشعب السوري وبسبب من تركيبها النظامي تعرضت لعدة انقسامات أضعفتها وهي لا تزال تصارع من أجل البقاء والاستمرار رغم أن القوى التي تحاربها في الداخل والخارج كبيرة وكثيرة.