أهمية الابتسامة في عمل الداعية:
إنّ كل تصرف من تصرفات الداعية يترجم إلى انطباعات ووجدانيّات في نفس المدعو. والتبسّم في وجه المدعو من التصرّفات، و سيحمل المدعو على ترجمته إلى معانٍ كثيرة يجدها في نفسه، منها : أنا أحبك، أنا أحترمك، أنا أقدّرك ومهتم بأمرك، و وأرجو لك الخير، ومسرور برؤيتك،... وغيرها الكثير مما تحمله الابتسامة من معانٍ جيّاشة معبّرة. بل إن الداعية بحركة صغيرة صادقة نقيّة من شفتيه يقطع مسافة عظيمة إلى قلب المدعو من غير كثير نقاش أو طول إقناع و مماحكة، فالابتسامة تغني من يقبلها دون أن تفقر من يعطيها.
وتبين غالب الدراسات العلميّة أن لغة الجسد هي الجزء الأهم من أي رسالة تنتقل إلى الشخص الآخر، وإن ما بين 50% - 80% من المعلومات بين الناس يمكن أن تنقل بهذه الطريقة، وأن الرسالة غير الشفوية مع أنها تبدو بسيطة إلا أنها غنية جداً, ومعقدة في طبيعتها. ويمكن القول إن الابتسامة هي واحدة من أهم العناصر في لغة الجسد التي نمتلكها، فالابتسامة الصادرة من القلب هي ما تنفرد به الكائنات البشرية عن غيرها من الكائنات. فالابتسامة سلاح قوي وفعال يستخدمه الإنسان منذ طفولته للاقتراب والتودد للآخرين, فالطفل يتعلمها بعد ولادته بستة أسابيع.
كما يؤكد خبراء الأحاسيس الإنسانية أن الشخص الذي يبتسم كثيراً يكون له تأثير إيجابي في الآخرين أكثر من الشخص الذي يبدو وجهه جاداً دائماً لذلك يعد المبتسمون أناساً دافئين ودودين.
وهناك طائفة كبيرة من المشاعر والأحاسيس تعبر عنها الابتسامة بشكلٍ إرادي ولا إراديّ, فالإنسان يبتسم عندما يكون مبتهجاً أو يائساً أو حرجاً أو خجلاً أو لتغطية عدم الراحة أو لإرضاء شخص أقوى اجتماعياً. ولذلك فإن للابتسامة مُسميات حسب نوع المشاعر التي تعبر عنها من ابتسامة الابتهاج العريضة إلى الابتسامة الخجلى، إلى الابتسامة الغامضة، ومن الابتسامة الاجتماعية المهذبة إلى الابتسامة الزائفة.
ولأن للابتسامة أنواع، فإن الإنسان المتلقي يعرف أكثر من غيره معنى الابتسامة المقصودة والموجهة إليه، ويستشعر العواطف والأحاسيس والمعاني التي تنطوي عليها هذه الابتسامة. وتعتمد الابتسامات بأنواعها على عضلات الوجه، فجميعها تستخدم عضلات الوجه استخداماً مختلفاً، ويستطيع الإنسان توظيف خبرته الإدراكية في التمييز بين أنواع الابتسامات ومغزاها الشعوري.
وتعد الابتسامة الصادقة الحقيقية هي الأداة الصحيحة التي تعبر عن الابتهاج العفوي والسرور وصدق المشاعر, وفيها ترفع عضلة وجنات الوجه الرئيسية زاويتي الفم، بينما يرتفع الخد بفعل عضلة أخرى ويجذب البشرة حول محجر العين إلى الداخل, وبقدر ما تكون العاطفة أقوى يتحدد أكثر فعل هذه العضلة. وهذه الابتسامة تكون قصيرة، ذلك أن أكثر الابتسامات إخلاصا والصادرة من القلب نادراً ما تلبث ظاهرة أكثر من أربع ثوان، وقد تدوم نحو ثلثي الثانية.
إنها حركة بسيطة و لكنها تعني للمدعو الشيء الكثير، فهي بذرة صغيرة ترمى في نفسية المدعو تنمو و تكبر و تؤتي أكلها بإذن الله تعالى. والابتسامة التي تحدث في لحظة يبقى ذكرها دهرا، و هي المفتاح الذي يفتح أقسى القلوب، و هي العصا السحرية التي تكبت الغضب و تسري عن القلب. وما كان العبوس و الغلظة من الدين في شيء، خاصة في مقام الدعوة إلى الله تعالى، و لا يلتفتنّ إلى بعض من جعلوا من العبوس أصلا من أصول الشخصية، وعدوه من الوقار، وليس هذا وقاراًº أن من يفعل هذا الفعل لن يكون أكثر وقارا من رسول الله صلى الله عليه و سلم، الذي قال في وصفه سيدنا أبو الدرداء رضي الله عنه في الحديث الذي ترويه أم الدرداء رضي الله عنها عنه، أنها كانت تَقُولُ كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءö إöذَا حَدَّثَ حَدöيثًا تَبَسَّمَ فَقُلْتُ لَا يَقُولُ النَّاسُ إöنَّكَ أَيْ أَحْمَقُ فَقَالَ مَا رَأَيْتُ أَوْ مَا سَمöعْتُ رَسُولَ اللَّهö صَلَّى اللَّهم عَلَيْهö وَسَلَّمَ يُحَدّöثُ حَدöيثًا إöلَّا تَبَسَّمَ)) ، و في حديث آخر عن عبد الله بن الحارث بن جزء رضي الله عنه قال: " ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه و سلم" . ويقول دايل كارنيجي في كتابه كيف تكسب الأصدقاء و تؤثر في الآخرين :((إن ما يقال أن سر النجاح يكمن في العمل الجاد و الكفاح فلا أؤمن به متى تجرد من الإنسانية اللطيفة المتمثلة في البسمة اللطيفة)). وصدق المثل الصيني الذي يدلل على مكانة الابتسامة في الكسب والاستقطابº إذ يقول:الرجل بوجه غير باسم لا ينبغي أن يفتح دكانا.
ومن أدق ما يؤكد أثر الابتسامة وأهميتها في الدعوة والتأثير، أن الإسلام ومع تحريمه موالاة الكافر ومودته واتخاذه صديقا وخليلا، وإكرامه وإظهار الحفاوة والبشر له، أنّه طلب التلطف واللين معه عند دعوته للإسلام، ويدخل في ذلك التبسم في وجه. وذكر هذا المعنى عدد من أهل العلم، فقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى في ابتداء الكفار بالتحية : "و قالت طائفة - أي من العلماء - : يجوز الابتداء لمصلحة راجحة من حاجة تكون إليه ، أو خوف من أذاه ، أو لقرابة بينهما ، أو لسبب يقتضي ذلك . وجاء في الموسوعة الفقهية : " ذهب الحنفية إلى أن السلام على أهل الذمة مكروه لما فيه من تعظيمهم , ولا بأس أن يسلم على الذمي إن كانت له عنده حاجة ; لأن السلام حينئذ لأجل . الحاجة لا لتعظيمه , ويجوز أن يقول : السلام على من اتبع الهدى ... ويحرم عند الشافعية بداءة الذمي بالسلام , وله أن يحييه بغير السلام بأن يقول : هداك الله أو أنعم الله صباحك إن كانت له عنده حاجة , وإلا فلا يبتدئه بشيء من الإكرام أصلا ; لأن ذلك بسط له وإيناس وإظهار ود . وقد قال الله تعالى : ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله) " . . وقال الشيخ ابن عثيمين –رحمه الله تعالى-: ((أما كون المسلم يعاملهم بالرفق واللين طمعاً في إسلامهم وإيمانهم فهذا لا بأس به ، لأنه من باب التأليف على الإسلام ولكن إذا يئس منهم عاملهم بما يستحقون أن يعاملهم به . وهذا مفصل في كتب أهل العلم ولاسيما كتاب " أحكام أهل الذمة " لابن القيم رحمه الله(( " . والخلاصة أن التبسط للكافر ، والتبسم له ، يجوز لغرض دعوته للإسلام.