قد ينسى الطواغيت المستبدون أو يتناسون أنهم لابد سيشربون من الكأس : كأس المنية . كأس الرجوع إلى الله تعالى، يتناسون ذلك فيتجبرون ويطغون ويبطشون ويعذبون ، والزمن عجلته تسير بمشيئة الواحد القهار، وبتعاقب الليل والنهار، وتولد أجيال وتنقضي أعمار ، وتبلى أجساد وتنزع أرواح انتزاعا فلا يستطاع ردها.( فلولا إذا بلغت الحلقوم ، وأنتم حينئذ تنظرون ، ونحن اقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ، فلولا إن كنتم غير مدينين ، ترجعونها إن كنتم صادقين ) الواقعة .وفى وسط حياتنا المزدحمة بما نرى ونشاهد من صور تعكس حقيقة البشرية من حولنا ، وانحدارها وهبوطها إلى أعماق سحيقة من الرذيلة والانحطاط ، تناقل الناس في سجن القناطر نبأ موت عبد الناصر وهم حزانى يبكون . والله يعلم أننا ما كنا يوما شامتين في موت أحد . . فهذه آجال وأعمار مقدرة مقدار، فلا يعدو إنسان أجله ولا يستبقى من عمره شيئا . ولكن الموت نذير البشرية وناقوس فنائها : أن أفيقوا من سباتكم ودعوا طغيانكم وجبروتكم ، فذلك لا يغنى شيئا، ستتركون قوتكم وبطشكم ، ومالكم وسلطانكم ، وجندكم وحزبكم والأهل والأولاد، ستتركون كل ذلك وراءكم ظهريا وتحشرون إلى الله تعالى حفاة عراة كما ولدتكم أمهاتكم!
( . . ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ، ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون ) الأنعام : 93-94.
( وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب ، وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد ، إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود، وما نؤخره إلا لأجل معدود، يوم يأت لا تكلم نفسن إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد ، فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق ، خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد ، وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ ) .
فموت إنسان وذهابه إلى ربه تعالى لا يشغل بال المخلصين الداعين إلى ربهم سبحانه فالموت حق فلا ينشغلون به . وكل ما يشغلهم العيش في طاعة الله تعالى وكنف رضوانه ، وبذل الجهد من النفس والنفيس في سبيل رفع راية التوحيد . وعندما يأتي الأجل لهم أو لغيرهم ينتقلون إلى دار الحساب حيث الثواب والعقاب .
ومعركة الإسلام ليست معركة فرد أو أفراد، ولكنها معركة الحق مع الباطل معركة الإيمان مع الكفر، ومعركة العبودية لله تعالى ضد قوى الشرك والإلحاد والوثنية .
يموت من يموت ويقتل من يقتل . ولكن قتلى المؤمنين في رحاب الجنة، في الفردوس الأعلى في مقعد صدق عند مليك مقتدر في جنات ونهر، شهداء أحياء ( يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا انتم تحزنون ، الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ، ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون ، يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون ، وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ، لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون ) الزخرف 68-73 .
وأما قتلى وموتى الكفر والباطل والإلحاد ففي سقر وما أدراك ما سقر لا تبقى ولا تذر ، تشوى الوجوه والأبدان ، كلما نضجت جلودهم بدلهم ربهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ، لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ، أحاط بهم سرادقها، وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوى الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا . . .
ليس لهم طعام إلا من ضريع ، لا يسمن ولا يغنى من جوع . . .
( . . لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور ، وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير) فاطر :36-37 .
وتسير الأيام سيرها كما شاء الله وقدر، وتنتهي آجال وأعمار ولا يستطع إنسان رد المشيئة الربانية . ويتناقل الناس نبأ موت عبد الناصر والبكاء والعويل والصراخ والنحيب يملأ الدنيا، وأحاديث الرثاء ليل ونهار لا تنقطع ، لا يمل قائلها من بكاء أو تملق أو رياء.
ووصل إلى سمعي كلمات شيخ ينعى الفقيد حامى حمى الإسلام . . ! ولقد أقسم هذا الشيخ نفسه في بيتي قبل ذلك بسنين إن من يسمى عبد الناصر حامى حمى الإسلام هو كافر، قد خلع ربقة الإسلام من عنقه ، خسر الدنيا والآخرة . وفى وسط هذه الظروف التي شحنوها بالحزن والأسى على الفقيد العظيم ، استقبلنا نبا انتقاله إلى الواحد القهار كما يستقبله من كان في قلبه ذرة من إيمان ، وغدا سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .
تناقل الناس هنا في سجن القناطر أننا لم نبك ولم نصرخ ولم نحزن ولم نتألم على بطل الأبطال ! وحرك ذلك في نفوس الأذناب الشائهة قلوبهم المريضة ونفوسهم التي تعهدت ألا تكون إلا في خدمة سادتها ومطامعها وهواها، وتحركت لتصب جام غضبها علينا : كيف لا نحزن على . . عبد الناصر!