في يوم 17/ 5/ 1965 , أخذونا إلى المحكمة ، وأدخلونا القفص . هيئة المحكمة يتقدمها الفريق الدجوي منتفخ الأوداج ، وجلس أعضاء النيابة في مكان عن يمينه . تلي منصة النيابة منضدة عليها عدد من الصحفيين ، كانوا قد حضروا قبل هيئة المحكمة، وأخذوا يصوروننا . وكان معهم صحفي يدعى عبد العظيم ؟ طالما جاء ليلتقط بعض الصور لنشاط المركز العام للسيدات المسلمات فقلت له : يا عبد العظيم احتفظ بهذه الصور لعلنا نحتاجها يوما ما، ولعله أن يكون قريباً . قال : حاضر. وكانت هذه شجاعة منه ولكنه ارتعش واصفر وجهه وتغير لونه وهو يجيب .
وبعد دقائق لم أره في القاعة ، والتفت إلى الصحفيين أسألهم : ماذا تفعلون ؟ وابتدأ الدجوي المحاكمة بأن نادى اسمي فخرجت من القفص لأرد على أسئلته ، وكانت كل الأسئلة التي وجهها لا تمت بصلة لكلامي في التحقيق . فكنت أقول له : هذا الكلام لم أقله في التحقيق . .
وأكتفي هنا بسؤالين أجبته عنهما :
قال لي : إن حسن الهضيبي قال : إن الأربعة آلاف جنيه التي أعطيته إياها سرقتها من زوجك .
قلت : الأربعة آلاف جنيه اشتراكات وتبرعات من الإخوان المسلمين ؟ لحساب أسر المسجونين لإطعامهم وكسوتهم وتعليمهم . آلاف الأسر التي شردها جمال عبد الناصر بعد محاكمات 1954 وهو ما قلته في التحقيق .
فارتبك وارتعد وكأن عقربا لدغه وسأل : عندما كسرت رجلك كنت خائفة على هذا المبلغ فلماذا؟! ولما جاءك عبد الفتاح إسماعيل في المستشفى أرسلته ليأخذ المبلغ من الخزنة في منزلك ويسلمه للهضيبي فلماذا؟ قلت : لأنها أموال الدعوة الإسلامية، حق المسجونين المجاهدين الذين شردتم أسرهم وخفت عليها ولو مت سيأخذها الورثة وهى ليست ملكي، لكنها ملك الدعوة.
قال : هي ملك التنظيم حتى تشتروا بها سلاحا. والهضيبي قال إنه لا يعرف مصدر هذه الأموال ، إلا أنك أخذتها من زوجك .
وتدخلت النيابة وقال . سيد قطب يقول إنه قال لحميدة . بأن الضربة تكون شاملة وعلى أوسع مدى .
أجبت : هذا لم يحدث . قال وكيل النيابة : وهل يكذب سيد قطب ؟ قلت : حاشا لله أن يكذب .
فانفتح وكيل النيابة كالمجرور القذر، وأخذتني الدهشة فلم اكن أتوقع أن أسمع هذه الألفاظ القذرة من النيابة في قاعة المحكمة . وهكذا استطاع الطاغوت أن يقضى على الكرامة والأخلاق في مصر؟!
انتهى الدجوي من سؤالي ومناقشتي فعدت إلى القفص ، وخرجت حميدة لتجيب على أسئلته . ولما فرغت من الأجوبة وعادت إلى القفص . ابتدأت مرافعة النيابة ولست أدرى إذا كان يجوز أن أسميها مرافعة . فقد هبطت فيها النيابة إلى درك أسفل من انحطاط اللفظ وقبحه ، وشنيع ما نطقت به من عبارات القذف في الأعراض والسباب للأبرياء . وكانت ظلمة تخيم على وجه المتكلم باسم النيابة وتمتد لتطمس المحكمة كلها. . وضاق صدري بالباطل المجسم في النيابة والمحكمة، فرفعت يدي أطلب الكلمة . فظن الدجوي المدعى أنه قاض ، وأني سأعتذر خوفا من باطلهم وتهديدهم وما طلبته النيابة من إعدامي لأن الأشغال الشاقة المؤبدة لا تكافئ جريمتي . . ونظر الدجوي نحوي والجهل يغطى وجهه وقال : تكلمي .
وقفت وقلت : "بسم الله الرحمن الرحيم . . نحن أمناء أمة وورثة كتاب وحماة شريعة، ولنا في رسول الله أسوة حسنة . وإننا لثابتون على الطريق حتى نرفع راية لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ، وحتى تلتزم بها الأمة . وحسبنا الله ونعم الوكيل فيما افترى الظالمون . وأشرت إلى النيابة والمحكمة معا وأنا أردد : حسبنا الله ونعم الوكيل في هذا الباطل والبهتان والإثم المبين " . وأخذت الدجوي نوبة هستيرية فصار يصرخ : "أسكتي أسكتي هي بتقول إيه ؟ يعنى إيه (أسوة). إيه معناها الكلمة دي؟! ويكرر هذا . . وهنا ضجت القاعة بالضحك على ذلك الذي حكموا عليه أن يكون قاضيا وهو لا يفهم معنى كلمة "أسوة" وهكذا كان عبد الناصر ينتقي رجاله ! ! وهل يكون أعوانه الخاسرون إلا خاسرين ؟! !
جلست وأنا أقول : ما الجهل إلا مفسدة ولكل سوء مجلبة . ليشهد التاريخ على من يحاكموننا ويحكموننا. .
وانتهت الجلسة وعدنا إلى السجن وعاد كل منا إلى زنزانته بعد أن حاسبوني على ما قلت في المحكمة.