اخترقت العربة الطريق إلى بيتي ، ولكن غيرت طريقها فجأة ، ووجدت نفسي أمام مبنى المباحث العامة . ودخلت حجرة أغلقوا على بابها من الساعة الثانية عشرة ظهرا إلى التاسعة مساء حتى أخذوني إلى مكتب به ضابطان ، أخذا يسألان أسئلة تدور حول الإسلام وهل أنت ستقومين بزيارة الإخوان بعد ذلك ؟!
كنت مشغولة بابنتي حميدة فقلت لهما: ليس من العدل أن أخرج – وأنا المحكوم عليها بالمؤبد – وتبقى ابنتي وحيدة . إنكم تريدون فتنة ولكن الله لن يحقق لكم ما تدبرون . قال : اهدئي يا حاجة. قلت : إنكم تكيدون كيدا والله من ورائكم محيط ، والله غالب على أمره ولكن اكثر الناس لا يعلمون . قال : يا حاجة دي أوامر من فوق لا نقدر على أن نخرج حد وليس لنا كلام .
ثم أخذوني إلى مكتب أحمد رشدي الذي كان يستخدم سياطه ونفسه المريضة ليكيد رجالاً ربط الله على قلوبهم برباط الإيمان ولكن هيهات . . هيهات . ولما دخلت عنده طلب منى الجلوس على مقعد أمامه وقدم لي التهنئة بالخروج . ثم دار بيني وبينه حديث كان عبارة عن جملة أوامر وجهها لي كان ملخصها أن لا أمارس النشاط الإسلامي، وأن لا أتزاور بيني وبين إخواني ومعارفي في الله ، ولا تعاون بيننا ولا تواد، وأن أتردد على مكتبه بين الحين والحين .
فقلت له لما فرغ من حديثه : الكلام الذي وجهته إلى أرفضه جملة وتفصيلا، بل أرفض قرار الأمر بالخروج وبلغ المسئولين بذلك وأطلب عودتي فورا إلى سجن القناطر. أنهى أحمد رشدي الحديث ، وابتسم قائلا : "على أي حال فيه كثير من الإخوان تفاهموا معي على ذلك " فقاطعته قائلة : والله لا أعلم عن الإخوان إلا خيرا وأما ما تقوله أنت بالنسبة لبعض الإخوان فلا أستطيع أن أبدى رأيا . . لا أصدق صدوره منهم . إن الإخوان المسلمين ورثة حق يعملون له ليل نهار حتى يأتي الله بنصره أو يهلكوا دونه .
ودق جرس التليفون وأجاب أحمد رشدي قائلا : دعه يكلمني. ثم قال : أهلا وسهلا يا أستاذ عبد المنعم اتفضل . نحن محتاجون إليك .. ووضع سماعة التليفون ثم قال لي أحمد رشدي : الأستاذ عبد المنعم الغزالى جاى هنا. وبعد قليل حضر شقيقي عبد المنعم وسلم على وهو يبكى . قال له أحمد رشدي : أنا أريد أن تحكم بيني وبين الحاجة لأننا مختلفان . فأجاب شقيقي : الحاجة اكبر منى وأنا شقيقها الأصغر، وليس من عادتي أن أناقشها في شيء. أضف إلى ذلك - لو سمحت لي- أنها تمتاز بقوة منطقها وصحة حجتها فقال أحمد رشدي : طيب يا حاجة مبروك بس ملكيش دعوة بعمل تنظيمات مسلحة للإخوان . قلت : التنظيمات السرية أنتم الذين تلفقون قصصها وتخرجون تمثيلياتها .
إن قيام الدولة الإسلامية واجب على المسلمين وعدتهم في ذلك الدعوة إلى الله تعالى كما دعا رسوله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام . وهذه رسالة كل مسلم سواء كان من الإخوان أو غيرهم .
ثم انصرفت مع شقيقي إلى بيتي وكان ذلك في الساعة الثالثة صباحا في اليوم العاشر من أغسطس سنة 1971.
انتهى الكتاب . . وجزى الله خيراً كل من ساهم في مراجعة وتدقيق ونشر وتوزيع الكتاب .
ونسأل الله العلي القدير أن يزيل الغمة عن الأمة
بزوال الطواغيت الذين يحكمون مصر بالحديد والنار
وكان الله في عون شعب مصر
وحسبنا الله ونعم الوكيل