أغلق باب الزنزانة فانتقلت إلى عالم آخر. . ! ! كان الإرهاق والجهد والألم قد سطر كل منها سطورا عميقة في نفسي وجسدي!! . . وتكورت في مكاني أحاول النوم فلم أستطع فقد كنت كأنني أتقلب على مسامير محمية . . فالسياط والركل والصفع قد مزقت جسمي، والسب بأبشع الألفاظ وأقذرها قد مزق نفسي.. !!
وهكذا ظللت أتقلب حتى سمعت أذان الفجر فاستيقظت علية وغادة وتيممتا وادينا الصلاة . . كان حالي يغنى عن أي سؤال فنظرت إلىّ علية وقالت : "الدكتور أعطاني حبوبا مهدئة أتأخذين قرصا يا حاجة؟ ! ! " قلت : "لا بأس يا علية!إ". تناولت القرص واستسلمت للنوم . . ولكن هيهات للنوم أن يجمع أشلاء جسد ممزق ، وشتات نفس ممزقة! ! ففزعنا إلى الله . . نقرأ القرآن . . ونصلى ما استطعنا . . كانت غادة تحفر على حائط الزنزانة تاريخ كل يوم منذ مجيئها إلى السجن . . قالت : "اليوم 8 أكتوبر فقلت : "ربنا يفوته على خير. . " قالت علية : "إن شاء الله " وفى الضحى فتحت الزنزانة وظهر- صفوت ومعه جنديان يحملان حقيبة كبيرة عرفت من النظرة الأولى أنها من منزلي! ! فتح صفوت الحقيبة وهو ينادى : "يا زينب ! هذه ملابس طلبناها لك من البيت وأخذ يخرج ما في الحقيبة ويعرضه على ثم أعاد ما أخرجه إلى الحقيبة ثانية وأقفلها. . كانت الحقيبة كأنها أعدت لرحلة طويلة. . فسألته : "من طلب كل هذه الملابس ومن أحضرها"؟ فقال صفوت : نحن طلبناها وأختك حياة أحضرتها . . ثم أمر الجنديين بالانصراف بالحقيبة! ! ولبث قليلا ثم أغلق الزنزانة! ! انصرف الزبانية فأغمضت عيني ورحت في إغماءة شديدة؟ على إثرها هرعت إلي علية وغادة تدلكان يدي وقدمي تحاولان إفاقتي ، وأخذتا تهونان على الأمر. . هم اعتقدوا إنك محتاجة إلى ملابس فطلبوها . . الأمر بسيط وعادى جدا . . " قلت : " لا يا علية إنها مصيبة كبيرة ، فقالت علية : "لماذا يا حاجة؟ انهم رأوا ثيابك قد تمزقت وأنك في حاجة إلى ملابس. فقلت : "لا.. لا .. يا علية. هذه فتنة! ! لماذا أنا بالذات التي تأتيها ملابس ؟ إنني منقبضة وغير مستريحة إلى هذا. . إنني مقبلة على اختبار اكبر مما أنا فيه !. . وأخذت أدعو الله أن يثبتني على الحق . وانتظمنا في صلاة العصر. ونحن في الركعة الأخيرة دخل صفوت وجذبني بوحشية وقال : "تعالى معي ! ! " وأغلق الزنزانة على غادة وعلية . سار بي إلى آخر الممر. ثم قذفني في زنزانة حالكة الظلام ، كريهة الرائحة، رطبة تمرح فيها فئران متوحشة! ! جلست في رعب شديد وجسمي يرتعد من شدة البرد وبرودة الإسفلت بقسوة ، وظلمة الزنزانة تضاعف خوفي ورعبي وآلامي ! ولجأت إلى الله لأتغلب على هذه الظرف . فتيممت وأخذت أصلى وأصلى وأناجى ربي . . ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) الرعد : 128 . وفجأة أضيء النور .
ودخل صفوت ومد يده قائلا : "أقرئي هذا الخطاب يا بنت ! نظرت في الخطاب . . فوجدت مكتوبا في أعلاه "مكتب رئيس الجمهورية" ثم مكتوب في صلبه بالآلة الكاتبة - "بأمر جمال عبد الناصر رنيس الجمهورية تعذب زينب الغزالي الجبيلي فوق تعذيب الرجال ! "
التوقيع (جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية" ومختوم بخاتم شعار الدولة الخاص برئاسة الجمهورية .
قرأت الخطاب ثم أعدته إلى صفوت قائلة : "الله اكبر منكم جميعا . . نحن معنا الله . . " فأخذ يرميني صفوت بنظرات شرسة ويقذف من فمه بقذارات من السب المقذع . . ولم أنطق بكلمة واحدة فأغلق الزنزانة .
بعد فترة قصيرة سمعت صفوت يصيح بأعلى صوته "انتباه "! ! وفتحت الزنزانة ودخل حمزة البسيوني تتراقص الشياطين في عينيه وقال : "آخر فرصة لك . . ساعة واحدة فكرى فيها جيدا وقدري مصلحتك ، لقد أحضرت لك ثيابا لتقابلي المشير عبد الحكيم عامر والرئيس جمال . ثم يتغير موقفك في القضية " ونظر إلى صفوت قائلا : "اقرأ عليها الخطاب يا صفوت ! ! " فرفع صفوت عقيرته وقرأ "بأمر جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية تعذب زينب الغزالي الجبيلي فوق تعذيب الرجال " إمضاء جمال عبد الناصر. . أخذ حمزة البسيوني الخطاب من صفوت وقال وهو يناوله لي : " خذي . . خذي يا مجنونة الخطاب واعرفي ما فيه جيدا . . " فقلت له : " لقد قرأته " ! ! فقال : "أقرئيه مرة أخرى" . . ثم اتجه إلى صفوت وقال : أين السوط يا صفوت ؟! ! فأخذت الخطاب وقرأته ثم قذفت به إلى الأرض وقلت له : "ربنا اكبر منكم يا فجرة . . اخرجوا يا كفرة! !" .
نادى حمزة البسيوني على بعض الجنود خارج الزنزانة، فدخل جندي يحمل حقيبة الملابس . وقال في وحشية : "سنمنحك فرصة لمدة ساعة . . وهذه ملابسك . . فكرى جيدا ولمصلحتك فقط .. حل المشكلة في يدك أنت ! ! " ثم أغلقوا الزنزانة وانصرفوا . أخذت أستغفر الله وادعوه الثبات على الحق . ومضت الساعة الممنوحة لي . فدق أذني صوت صفوت "انتباه ! ! " ثم دخل حمزة البسيوني ونظر إلى ثم قال : "ألم ترتدى ثيابك ؟ ! ! أتريدين الموت ؟ ! " . لا بأس ! لقد بعت نفسك ! حسنا خذها يا صفوت . . بنت الكلب. . . . تريد أن تقدم نفسها فداء لسيد قطب والهضيبي ، إنهم يريدون التخلص منها ويخرجون هم أبرياء . جذبني صفوت بعنف وخرج بي من الزنزانة وسار بي في الممر، وأثناء مروري على زنزانتي قلت "الله اكبر" بصوت مرتفع حتى تسمع "علية وغادة فكنت أعتقد أنها اللحظة الأخيرة في حياتي، كما قال حمزة البسيوني ! ! . الله اكبر منكم يا فجرة . . اخرجوا يا كفرة! إ" .