واستمر صفوت في سيره حتى مكتب ضابط يدعى هاني ، وأخذني هاني إلى مكتب شمس بدران .. إ!
شمس بدران وما أدراك ما شمس بدران ! !
إنه وحش غريب عن الإنسانية وأكثر وحشية من وحوش الغاب ! ! إنه أسطورة في التعذيب والقسوة ! ! كان ينطلق في لذة غريبة يضرب الموحدين المؤمنين ، بأعنف ما يمكن أن يتصوره العقل البشرى. ظنا منه أن القسوة والعنف في التعذيب يرد المسلمين عن دينهم وعقيدتهم !! وقد خاب ظنه . .
وسألني شمس بدران في غطرسة كأنه جامع رقاب الخلق بين أصابعه هو أنت بقى ست زينب الغزالي؟ قلت : نعم !
كان مكتب حمزة البسيوني يتصل بمكتب شمس . وكان يقف خلفي الجلاد صفوت الروبي واثنان آخران وبيد كل منهم سوط كأنه لسان من لهب ! ! .
قال شمس بدران وهو مازال في غطرسته : " يا بنت يا زينب ! خلى بالك وتكلمي بعقل وشوفي فين مصلحتك ، خلينا نخلص منك ونشوف غيرك وإلا بعزة "عبد الناصر" أجعل السياط تمزقك . قلت : " يفعل الله ما يشاء ويختار". فقال : "ما هذه الرطانة العجيبة يا بنت . . ؟إ " فلم أرد عليه فقال : "ما هي صلتك بسيد قطب والهضيبي؟". قلت في هدوء : "أخوة في الإسلام ، . فقال في استنكار بليد : "أخوة ماذا؟" . فأعدت : "أخوة في الإسلام " . فقال : "ما مهنة سيد قطب ؟".
قلت : "الأستاذ الإمام سيد قطب مجاهد في سبيل الله ، ومفسر لكتاب الله ، ومجدد ومجتهد" .
فقال في بلادة : ما معنى هذا الكلام ؟ فقلت وأنا أضغط على مخارج الألفاظ تأكيدا له معناه : إن الأستاذ سيد قطب زعيم ، ومصلح ، وكاتب إسلامي ، بل من أعظم الكتاب الإسلاميين ، ووارث محمدي .
وبإشارة من إصبعه انهال على الزبانية . وقال هو: إيه يا ست ؟ ولم أجبه – قال : ومهنة الهضيبي إيه كمان ؟ فقلت : "الأستاذ الإمام حسن الهضيبي" إمام مبايع من المسلمين المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين ، الملتزمين بتنفيذ أحكام الشريعة ، والمجاهدين في سبيل الله حتى تعود الأمة الإسلامية كلها إلى كتاب الله ، وسنة رسوله ".
وما فرغت من كلامي حتى عاود الزبانية التعذيب بالسوط !
فقال : "هراء، وكلام فارغ . . ما هذا يا بنت الِِ. . . " .
وقال حسن خليل : "دعها يا باشا. . توجد نقطة مهمة !!" ثم تقدم إلى وامسكني من ذراعي وقال : "هل قرأت كتاب "معالم الطريق " لسيد قطب ؟ فقلت : "نعم قرأته " .
فقال رجل آخر من الجالسين – وكان يدخل بعض الضباط أثناء الاستجواب ويجلسون للمشاركة في الاستجواب من جهة . ومن جهة أخرى كنوع من الإرهاب ممكن تعطينا موجزا لهذا الكتاب ؟
فقلت : "بسم الله الرحمن الرحيم ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . ..".
فقاطعني شمس بدران في صفاقة غريبة : أنت واقفة على منبر مسجد يا بنت الِِ. . . . ؟! إننا في كنيسة يا أولاد الِِ. . . . . !".
وقال حسن خليل : معذورة يا باشا. . أكملي يا زينب. ماذا فهمت من كتاب معالم في الطريق ؟
فقلت : كتاب معالم في الطريق في فهم المجتهد المفسر سيد قطب يدعو المسلمين لمراجعة أنفسهم مع كتاب الله ، وسنة رسول الله ، وتصحيح تصورهم لعقيدة التوحيد . فإذا وجدوا أنفسهم – وهذا هو الواقع الآن – منقطعين عن كتاب الله ، وسنة رسوله سارعوا بالتوبة . وعادوا إلى دينهم وكتابهم ، وسنة رسولهم ! . ثم يدعوهم للمفاصلة بينهم وبين الجاهلية المتفشية في الأمة، فطمست وضوح الرؤية في فهم القرآن . وتصور أوامره تصورا سليما . فإذا راجعت الأمة الكتاب ومراميه ، ومقاصده ، والتزمت بدينها صحت عقيدتها. فالسيد قطب يرى ضرورة تبصير الأمة بمراجعة عقيدتها لتقرر صدقا من قلبها وضميرها، أنها ملتزمة بكل ما تكلفها به شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله . .
ولزمت الصمت بضع لحظات ، فقال حسن خليل في تهكم أبله "إنها خطيبة. وقال آخر: "إنها كاتبة كذ".
وأخرج مجموعة من مجلة السيدات المسلمات كانوا قد استولوا عليها مع الكتب يوم القبض على . وأخذ يقرأ منها بعض جمل من مقال افتتاحي لأحد أعداد المجلة . لكن شمس بدران قاطعه ونظر إلى الحيوانات المفترسة التي تحيط به. وقال جاهلية : أنا لم أفهم شيئا مما قالته هذه البنت ! ! فنزل على الزبانية بسياطهم : قائلين وضحى يا بت للباشا . فقال حسن خليل - ويبدو وكأنه ينسج شبكة لاصطيادي - : لا بأس يا باشا . . لحظة أخرى. .
ثم قال كأنه : أريد أن أفهم معنى ما تلزم به لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فقلت : إن محمدا صلى الله عليه وسلم ، جاء ليخرج البشرية كلها من عبادة البشر، وعبادة الوثن ، إلى عبادة الله الواحد القهار هذا معنى لا إله إلا الله . وأما معنى محمد عبده ورسوله ، فكل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الوحي، وهو القرآن الكريم والسنة الصحيحة ، هو حق واجب التنفيذ اعتقادا وعملا، وهذا هو التصور السليم لكلمة التوحيد" .
فقال شمس بدران وقد أخذته العزة بالإثم "كفى سخافات !" ثم نزل على وحوشهم بالكرابيج .
وقال حسن خليل " لحظات أخرى يا باشا - من أجلى . ونظر إلى وقال : هل نحن مسلمون أم كفار؟! ! .
قلت : اعرض نفسك على كتاب الله وسنة رسوله ، وستعرف أين أنت من الإسلام . فقال شمس بدران "يا بنت الِِ. . ، وانطلقت القاذورات من فمه تكشف أخلاقيات هذا المخلوق العجيب ! ! أما أنا فلم أرد من هول السياط .
وبدأ شمس بدران يمارس عملية وحش الغاب المفترس . . إن غابة عبد الناصر لا تعرف تقاليد أو عادات . بل تسودها جاهلية حمقاء، يظلها طغيان أهوج ، وتسرح في دروبها ذئاب خبيثة جائعة إلى نهش البشر! ! .
نظر شمس بدران إلى صفوت وقال : علقها يا صفوت الضرب ده مش نافع ! ! .
فخرج صفوت وأتى بعامود من الحديد وقاعدتين من الخشب . وجاء ثلاثة من الزبانية يحمل كل منهم سوطا. وأعدوا الآلة ليعقوني عليها. فقلت لهم : "أعطوني بنطلونا من فضلكم. . أرجوكم ! ! " .
فقال حسن خليل لشمس بدران : "لا بأس يا باشا" . فقال شمس بدران : "هاتوا لها بنطلونا" . وفى سرعة عجيبة أحضر أحد الجنود بنطلونا كأنما انتزعه من تحت رجليه ! !
وقال حسن خليل لشمس بدران : "عفوا يا باشا ثم التفت إلى وقال : "أدخلي هذه الحجرة البسي فيها البنطلون . . " .
كانت حجرة فاخرة الأثاث ، مكيفة الهواء، بها جهاز تليفزيون وجهاز راديو! ! ولبست البنطلون وخرجت إليهم ! ! وعلقت بأمر شمس بدران في هذه الحديدية . . ولا أدرى كيف ربطوا يدي مع رجلي . ولا كيف علقت . . ! !
ويخرج الأمر من فم شمس بدران كضابط عظيم في ساحة الوغى : اجلدها يا وله خمسمائة جلدة! !
وتنهال السياط تسطر على قدمي وجسدي أبشع ما عرفته الجاهلية من قسوة وحيوانية .. ويشتد الجلد . . ويشتد الألم . يعز على أن أضعف أمام هؤلاء الوحوش . احتملت . احتملت وأنا أضرع إلى الله في سرى .
ويتضاعف الألم ، ويتضاعف ، ولما فاض الكيل ، ولم يعد كأنه طاقة على الكتمان علا صوتي يرفع شكواي للذي يعلم السر وأخفى . أخذت أردد : يا الله يا الله ، والسياط تشق في قدمي مجارى الألم . وفى قلبي ومشاعري مجارى الرضا، والتعلق بالله . . ! ! حتى فقدت الوعي . ولم أشعر بنفسي ، ورقدت جثة هامدة فوق الأرض وهم يحاولون تنبيهي ويحاولون إيقافي فلا أستطيع . فكلما وقفت سقطت .
كان الألم فوق الاحتمال والدم ينزف من قدمي ويأمر شمس بدران صفوت بإيقافي. كنت في غاية الألم والجهد فحاولت أن أستند إلى الحائط فيبعدني صفوت عن الحائط بسوطه !!. .
فأقول لهم : دعوني أجلس على الأرض فيقول شمس بدران : لا . . لا . . أين ربك ادعيه لينقذك من يدي . . نادى عبد الناصر وانظري ماذا يحدث . . ولم أرد عليه ، فيستمر في جاهليته : ردى على! أين ربكم ؟! ! فلزمت الصمت فقال : ردى! ! .
فقلت بصوت خافت لشدة ما أنا فيه : "الله سبحانه الفعال ذو القوة المتين " وأخرجوني من مكتب شمس بدران إلى المستشفى .