معذرة على هذا التكرار .. فالمقصود التفصيل والتوضيح ، كيف كان حال مصر : فسدت الحياة وأسنت ، ظلم ، رعب ، اعتقالات ، مجازر ، تشريد …. سيطرت قوى الشر والباطل واستبدت ، وساوت بين الجميع ، بين أصحاب القلم والفكر والرأي ، والوزراء والقادة العسكريين ، وبين المواطن العادي . بين الشاب والشيخ .. بين الرجل والمرأة .. بين المريض والصحيح .. كلهم أمام السياط ، وتحت السياط ، والصلب ، والكلاب ، وجميع أنواع التعذيب ، الكل سواء … إنها اشتراكية التعذيب !!
. . وفى صباح اليوم التاسع ، أخرجوني من الماء في وقت مبكر وقال - صفوت : أنت ذاهبة إلى وكيل النيابة، وكفاك عذابا وأنقذي نفسك .. ثم أضاف وقد بدت في عينيه نظرة التهديد: طبعا أنت عارفة المطلوب منك . . وسنرى ما تقولين ! إ" . وجذبني بقسوة، فقلت : إن ثوبي ممزق . . أعطني ثوبا أستتر به فقال مساوما : أحضر لك جلبابا وتكتبين أن حسن الهضيبي وسيد قطب اتفقا على قتل عبد الناصر، والاستيلاء على الحكم ؟!
فقلت لا فقال : أذهبي عارية، ولينفعك إسلامك . . وليراك الإخوان هكذا . . فقلت : إن الله هو الحليم الستار. ودخلت مبنى آخر من مباني السجن الحربي : ثم إلى حجرة مفتوحة يتصدرها رجل يجلس إلى مكتب ، وعرفت فيما بعد أن هذا الرجل يدعى جلال الديب .
نظر إلى نظرة تائهة تشعرك بأنه يحس أنه أصغر من المهمة المعهودة إليه . . وقال مشيرا بطرف إصبعه : اجلسي . فجلست على كرسي أمام المكتب ثم بدأ حديثه معي أنت زينب الغزالي الجبيلي الزعيمة الإسلامية المشهورة. . لماذا وضعت نفسك في هذا الموقف ؟ هل يرضيك ما أنت فيه ؟ إني مسلم أحب لك الخير وجئت لا ' نقذك . أنا أسعد فخر الدين وكيل النيابة . . أنا لا أستطيع أن أتصور أن زينب الغزالي هي الجالسة أمامي بهذه الحال التي وصلت إليها . أرجو أن تساعديني لأخلصك مما أنت فيه . .
فقلت : والله ما نقول إلا ما يرضى ربنا ولا نبغي إلا وجهه تعالى . فقطب حاجبيه ونكس رأسه وهو يسأل ما سنك الآن ؟
فقلت : أنا من مواليد 2 يناير سنة 1917 فقال : مندهشا أو متصنعا الدهشة يا ساتر! كنت معتقدا أن سنك في التسعين . . لماذا فعلت كل، هذا؟! قلت : ( لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) . فقال : يبدو أنك غير قادرة على الكلام ؟!
فلزمت الصمت ! ! فسأل : على أي شئ اتفقت أنت والشيخ عبد الفتاح إسماعيل ؟ . قلت : اتفقنا على أن نربى الشباب على الإسلام ، ونفقهه في أصول الكتاب والسنة حتى ننقذ هذا المجتمع من هذا الضياع الذي يعيش فيه . قال* أنا لا أريد خطابة . . أنا أريد أن توضحي . "إن الهضيبي قال لك أمرا تنقلينه إلى عبد الفتاح عبده إسماعيل ، وقال لك أمرا ثانيا تنقلينه إلى سيد قطب ما هو هذا الأمر؟! أظن واضح ؟؟" .
قلت : استأذنت فضيلة المرشد الأستاذ الهضيبى ليجتمع الشباب لدراسة تفسير القرآن والسنة مع الاستعانة ببعض كتب الفقه كالمحلى لابن حزم ، وكتب التوحيد لابن عبد الوهاب ، وابن تيميه، وكتب الأستاذ سيد قطب ، ومن الشباب كان عبد الفتاح عبده إسماعيل .
فقال - وقد رسم على شفتيه ابتسامة حاول أن تكون ساخرة- : لا يا ست زينب ، الموضوع ليس كذلك . . الموضوع ظهر ووضح فأنقذي نفسك واذكري الحقيقة، فقلت : كل الذي كنا نريده أن نربي جيلا صالحا ونبني أمة مسلمة. فقال في إصرار: كلهم اعترفوا وقد ألقوا المصيبة عليك كلها، فقلت بهدوء: الله المطلع يحميني ويحميهم - إن شاء الله - من أن ننزلق إلى باطل . . فقال في عصبية وبدأ يظهر نواياه : لا . يبدو أنك مغرمة بإظهار عضلاتك الخطابية، ومغرورة . . حتى النيابة لا تستطيع أن تصل معك إلى قرار!
فقلت ، وأنا لا أستطيع الكلام - فقد كنت في قمة التعب والإجهاد ولكن شعور بالظلم دفعني إلى أن أقول -: لو عرفت النيابة واجبها ما . . فقاطعني ثائرا: "أخرسي! حتى النيابة تتطاولين عليها ولا تسلم من لسانك " . . ثم نادى صفوت الذي كان واقفا بالباب . . لا فائدة منها يا صفوت . . إنها اعتدت على النيابة سأثبت في المحضر أنها اعتدت على النيابة .
جذبني صفوت بوحشية ونظر إلى وكيل النيابة وقال : إلى أين يا سعادة البيه . . ؟ فقال وكيل النيابة بسرعة – وكأنه يرد على سؤال مسبق - : إلى الماء طبعا. . وعدت إلى الماء وسوط صفوت لا يكل ولا يضعف ، زين له شيطانه الشر وهيأت له جاهليته الطغيان . وسولت له نفسه المريضة ذلك طمعا في رضا من فوقه ، وأملا في القرب من أسيادهم .