ولئن أسرع عنبسة أو القرظي الاستجابة لعمر ، في أرهاط من الشاميين والمدنيين ، فإن الحسن البصري ، عبر عن سيادته الجيل الأوسط من التابعين طراً ، وبتأثير ما اقتبسه من علي ومدرسته الكوفية ، قد أنزل البصرة مكانة التِقدم في التأثير التربوي في الأمة من قبل أن يحكم عمر ، مكنها من بعِد أن تسبق الربوع الأخرى في إعادة رسم خطوط حصار الأمل ، ورواية قصة الرقاد الطويل ، وتأكيد مذهب عمر وترويجه ، حتى غدت مواعظ الحسن أداة تربوية ، تكتب في نسخ وتوزع مع بريد الخلافة كما توزع الصحف اليوم ، فيجِد المسلم المرابط في أقِصى الثغور في شدة نبراتها حماسة يهتِز بها للشهادة قلبه ، تعادل رقة يرجف لها بدن المتعلم العاكف ، والساذج المزارع ، و التاجر الساعي .
وهكذا وافِقِت دمعات الرشد فهماً لدى إمام البصرة ، وبدأت الآمال تِقِصر بمآل إلى الردى يصوره الحسن و يحذرها أهوالاً تستِقبلها ليست سكرات الموت إلا بواكر حسابها وعَتب أبوابها ، فراح ينادي :
( المبادرة ، المبادرة .
فإنما هي الأنفاس لو حسبت : انِقطعِت عنكم أعمالكم , إنكم أصبحتم في أجَل منقوص ، والعمل محفوظ ، و الموت – والله – في رقابكم ، و النار بين أيديكم ، فتوقعوا قضاء الله عز و جل في كل يوم و ليلة .
لقد فضح الموت الدنيا فلم يترك لذي لُب فرحاً و إن أمراً هذا الموت آخره ، لحقيق أن يُزهِد في أوله .
وإن أمراً هِذا الموت أوله ، لحقيق أن يُخاف آخره ) 120