و ليس ذاك بكاء الأسى ، حَزناً أن لم يَرَ أخاه مصعباً مترفاً ، إنما هو بكاء الخشية من بعض مباح أن يكون حسنةً معجَّلة تمنعه الآجل ، كما أفصح ، ودموع حذر تخرجها روعة تجرد لجهاد يرى ذهاب أبطاله تباعاً ، فيخلف من بعدهم خلف تِكثر في يده الأموال ، و يخاف أن يتِنافسوها ، فيتوقِف نبض فتوح الهداية .
يشبه بكاؤه ذاك عبرة ظلّ يِغِص بها حَلق أبي الدرداء مراراً وهِو يِقول : ( أبكاني فراق الأحبة : محمد وحزبه ) 103 , يُعبر بها عن وجله من جديد طرأ على سمت الجيل الثاني ، مثِلما يريد بها إظهار ألمه لفِراق أخوة كانوا له سبب هداية وتِثبيت ، وفهمهم وفهموه ، في تعامل مسترسل ، ما التالي لهم - مهما حرص - بقادر على أن يُسلي عن قلب أبي الدرداء رضي الله عنه تسليتهم عنه . وكأنهم حالة ما زالت تستبد بكثير من الدعاة الغرباء ، لا يستطيعون لها وصفاً .
لكنه حزن المجاهد الفقيه ، ما كان ليهبط بأبي الدرداء إلى حسرات تستهِلك الهمّة ، بِل أدى بِه إلى صِعود سُلم
التربية ، فاعتِلى درج مسجد دمشق ، فقال : ( يا أهل دمشق : ألا تسمعون من أخ لكم ناصح ! إنّ من كان قبلكم كانوا يجمعون كثيراً ، ويبنون شديداً ، ويأملون بعيداً ، فأصبح جمعهم بوراً وبنيانهم قبوراً ، وأملهم غروراً ) 104 و لبث في أهل دمشق سنين يخفِف أثر هجمة المال ، ثم أورث المقال أهله ، فكان الرجل منهم يأتي أم الدرداء يستِنصحها فيِقول :
( إني لأجد في قلبي داءً لا أجِد له دواء . أجد قسوة شديدة وأملاً بعيداً ! ) فتِقول : اطلع القبور واشهد الموتى 105
إحياء الأمة بذكر الموت
وقارب الاستدراك في زمن الراشد الخامس أن يتم ، لولا السم .
فقد واصَلَ عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الطريقة ، فأرجف بذكر الموت قِلوب جيله رهبة ، فنفضت رانها ثم انِثِنى ، فحرك إلى الشهادة حَنانها .
و ما أكثر ما وقف عمِر موقِف أبي الدرداء على درج مسجد دمشق ، ليجدد الوعظ القديم ، ويقرر لهم :
" إن الأمان غداً لمن حذر الله وخافه ، و باع قليلاً بكثير ، و نافذاً بباق " .
حتى إذا أيقنوا صواب الصفِقة : راح يريهم من يومياتهم وواقعهم ، بعين التأمل ، مالا تراه عين الغفلة ، ويقول لهم : " ألا ترون في أسلوب الهالكين ، وسيخلفها من بعدكم الباقون ، وكذلك حتى تُردّوا إلى خير الوارثين ؟ ألا ترون أنكم في كل يوم وليلة تشّيعون غادياً إلى الله ورائحاً ، قد قضى نحبه ، وانقضى أجلُه , وطُوي عمله ، ثم تضعونه في صُدع من الأرض في بطن لحد ، ثم تَدَعُونه غير موَسَّد ولا ممهّد ، قد خلع الأسلاب ، وفارق الأحباب ووُجّه للسحاب ، غنياً عما ترك ، فقيراً إلى ما قدّم " . ولربما أجلس أحدهم أمامه و علّمه ، تعليمه عنبسة بن سعيد : " يا عنبسة : أكثِر ذكر الموت ، فإنك لا تِكون في ضيقة من أمرك ومعيشتِك فتذكِر الموت إلا اتسع ذلك عليك . ولا تكون في سرور من أمرك وغبطة فتذكِر الموت إلا ضيّق ذلك عليك " 106
حتى إذا ربّى حاشيته ، و خلصوا من وهِم الأمل نجيّاً : راح ينشر مذهبه في الأمصار ، فيرسل على أعيانهم ، فيأتونه ، فيفشي لهم سöرّ القبر ، وما هِو عند أولي الألباب بöسِرّ .
قال التابعي محمد بن كعب القرظي رحمه الله :
( لما استخلف عمر بن عبد العزيز رحمه الله بعث إليّ وأنا بالمدينة فقدمت عليه , فلما دخلت جعلت أنظر إليه نظراً لا أصرف بصري عنه ، متعجباً ، فقال : يا ابن كعب : إنك لتِنظر إليَّ نظراً ما كنتَ تِنظره !
قلتُ : متعجباً
قال : ما أعجبك ؟
قلت : يا أمير المؤمنين : أعجبني ما حال من لونك ، و نَحَلَ من جسمك و نفي من شَعرك .
فقال : كيف لو رأيتِني بعد ثلاثة ، وقد دلّيتُ في حفرتي ، وسالت حدقتي على وجنتي ، و سال منخري صديداً و دوداً ؟ ) 107
فشاع خبره في الآفاق ، حتى إذا أرسل إلى أعيان الكوفة : بادروه مبادرة ، و جلبوا شاعرهم أعمش همدان معهم ، يعلن له قناعتهم و براءتهم من أمل يطاره عمر ، قد عرفوا جده في إجلائه عن دار الإسلام .
و ينطلق الأعمش بين يدي عمر :
و بينما المرءُ أمسى ناعماً جذلاً **** في أهله معجباً بالعيش ذا أنَقö
غöرّاً ، أتيح له من حَينöهö عَرَضö **** فَمَا تَلبّثَ حتى مات كالصَّعöقö
ثُِمِّتَ أضحى ضحى من غöبَّ ثالثة **** مُقنّعاً غير ذي روحٍ ولا رَمَقö
يُبكي عليه و أَدنوهُ لمُظلöمَةٍ **** تُِعِلى جوانبها بالتُِرب و الفöلَقö
فما تَِِزَوَّدَ مما كان يَجمعُهُ **** إلا حَنوطاً و ما واراهُ مöن خöرَقö
و غيرُ نَِفِْحَةö أعوادٍ تُِشَِبُّ له **** وقلَّ ذلك من زادٍ لمُنطöلقö
فتِنهمر هاطلة دموع عمر ، وتختِلط بأصوات نشغاته ، ليتجاوز تَرادّ صداها دهِوراً تِتعاقب ، يِقود المربين المسلمين .