و لئن جمع قادة الحروب جنودهم قبل كل معركة ، و حِلِّقِوا بهم حلقة ، ليرسموا لهم على الأرض خطة تعبئة لحصار عدوهم ، فإن على قادة الحركة الإسلامية أن يرسموا قبل ذلك لحلقات الدعاة إلى الله خطة حصار الأجل للأماني الكواذب ، يذكرونهم إياه ، كما رسمه النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم لأصحابه على أرض المدينة ، ففتحت لهم – لما وعوا خطوطه – المدن .
و كان فيهم يومها : عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فوصف فقال : ( خط النبي صلى الله عليه وسلم خطاً مربعاً ، وخط خطاً في الوسط خارجاً منه ، و خط خططاً صغاراً إلى هذا الذي في الوسط ، من جانبه الذي في الوسط ، وقال : هذا الإنسان ، وهذا أجله محيط به – أو : قد أحاط به – وهذا الذي هو خارج : أمله ، وهذه الخطط الصغار : الأعراض ، فإن أخطأه هذا : نهشه هذا ، و إن أخطأه هذا : نهشه هذا ) 98
وكان فيهم أيضاً : أنس بن مالك رضي الله عنه ، فوصف ، فقال : ( خطَّ النبي صلى الله عليه وسلم خطوطاً ، فقال : هذا الأمل ، وهذا أجله ، فبينما هو كذلك إذ جاءه الخط الأقِرب ) 99
وفي رواية : مثل ابن آدم جنبه تسع و تسعون مَنöيَّة ، إن أخطأته : وقع في الهَرَم .
و اكتملت بهذه الخطوط الشريفة لوحة من الفِن الرمزي التجريدي فريدة .
إنه الإنسان الضعيف تغزوه الأعراض غزواً فيه إلحاح . عدوى ، أو سرطان ، أو حريق ، أو غرق ، أو زلق ، أو سقوط ، أو اصطدام ، أو لدغة ، أو تسمم بطعام ، أو طلقة تائهة .
فإذا نجا من كل ذلك : كان له في الهرم ، و ضغِط الدم وارتِفاع نسبة السكر : تأديب أي تأديب .
فإن أطال النَِفَِس : اقتص منه الموت { قل إن الموت الذي تِفرون منه فإنه ملاقيكم } تعددت الأسباب والموت واحد ، يحاصر الأمل الشارد الذي يتوهم الإفلات حصاراً شديداً .
أمل أبيض وضّاء ، كلما برق : زهت في نظر صاحبه الأموال ، و الحöسان ، و العطور ، و القِصور ، و المناصب ، و الشهادات ، فينسى مع نظره المنسرح المسترسل متطلبات دعوتِه ، و يصد عينه عن أرض مقدسة يِفسد فيها يهود ، ولا يعود أنفه يشم رائحة شواء دعاة الإسلام في الصومال ، ولا نتن جثث الأتراك تحت حائط في قرية قبرصية ، وتتِناسى أذنه وقع أحذية عساكر الهنادك في البنغال ..!
لكنه لو نظر ببصيرته لعرف أن أمله الوضاء إنما يِلِفه محيط أسود حالك ، يتيه فيما دونه من الظلمات ما لم يتبع في مشيه مخرجاً تدل عليه التِقوى .
فهو تَرَقُّب جميل ، لكنه يتِنغص .
وظل ظليل .. لكنه يتِقِلص .
ومطامع وراء الأودية والمفاوز ، وليس هو لما قُِدر له بمجاوز .
و أنفاس قبل كل ذلك .. تُِعدُّ .
ورحالة .. تُِشدّ.
وعاريته .. تُِرد .
و التراب من بَعد .. ينتظر الخد
فإنه ليس عُقبى الباقي غير اللحاق بالماضي .
وعلى أثر من سَلَفَ .. يمشي من خَلَف .
و ما ثَمَّ إلا أمل مكذوب ...... و أجل مكتوب .