(6) عملية الإصلاح والتربية ، هي لا تتم إلا بمعرفة الخصائص والصفات ، وإجراء التقويم ، وقياس الأخطاء على وفق القابليات، إذ أن تحديد الواجبات والحقوق من قبل الأمراء، لا بد أن تتم وفق مراتب الدعاة ، وقد ذكر ابن تيمية – رحمة الله – قاعدة جليلة أوردها في آخر ( المسودة ) وكذلك في الفتاوي تقتبس منها أقل ما يمكن حيث تحدث عن واجب المجاهدين والعلماء فقال:
( مثل ذلك الجهاد، فإنه وجب على المسلمين عموماً ، على الكفاية منهم ، وقد يجب أحيانا على أعيانهم ، ولكن وجوبه على المرتزقة الذين يعطون مال الفئ للجهاد أؤكد ، بل وأجب عليهم عينا ، وأجب بالشرع ، وواجب بالعقد الذي دخلوا فيه.. وواجب بالعوض ، فإنه لو لم يكن واجبا لا بشرع، ولا ببيعه إمام، لوجب بالمعاوضة عليه.. ).
ويقاس على ذلك أن بعض الأمور واجبة على أعضاء الجماعة بالشرع وتزداد بعقد البيعة، ثم تصبح آكد وجوباً على من يأخذ على عمله أجرة فوق ذلك. كما أن الأعمال الدعوية يتباين الالتزام بها من شخص إلى آخر ، كما تتباين المحاسبة على ذلك تبعا لذلك.
فالجيل الرائد له معاملة خاصة تختلف عن الجدد، المكلفون بمهمات خاصة يتباين النظر إليهم عن غيرهم، والعلماء من الدعاة لهم منزلة خاصة ،وهكذا .. أما عن المعلم فقد قال شيخ الإسلام عنه ما يمكن أن يقاس عليه المربي.
( وكذلك أهل العلم يحفظون على الأمة الكتاب والسنة ، صورة ومعنى ، مع أن حفظ ذلك واجب على الأمة عموماً على الكفاية منهم، ومنه ما يجب على أعيانهم ، وهو علم العين ، الذي يجب على المسلم في خاصة نفسه ، لكن وجوب ذلك عينا وكفاية على أهل العلم الذي رأسوا فيه ، أو رزقوا عليه ،أعظم من وجوبه على غيرهم ، لأنه واجب بالشرع عموما ، وقد يتعين عليهم لقدرتهم عليه وعجز غيرهم، ويدخل في القدرة استعداد العقل ، وسابقة الطلب، ومعرفة الطرق الموصلة إليه من الكتب المصنعة، والعلماء المتقدمين،وسائر الأدلة المتعددة ،والتفرغ له..).
وبهذا المنظار يحاسب الداعية العالم على جهده في الكتابة والتربية ، وعلى التوجيه وإقامة الدروس ، كما يحاسب النشط صاحب العلاقات العامة على معرفته بالطبيعة الاجتماعية في البلد، ويحاسب الوجيه على معرفته بأهل البلد وأغنيائه والمؤثرين فيه ، كما أن المكلف بمهمة يحاسب على أدائه لمهمته ، وهكذا الأمر في الواجبات الدعوية الأخرى.
( فترك أهل العلم لتبليغ الدين كترك أهل القتال للجهاد، ترك أهل القتال للقتال الواجب عليهم كترك أهل العلم للتبليغ الواجب عليهم، كلاهما ذنب عظيم.
ولهذا جبل الله قلوب الأمة على أنها تستعظم جبن الجندي وفشله ، وتركه للجهاد .. أكثر مما تستعظمه من غيره وتستعظم إظهار العالم الفسوق والبدع أكثر مما تستعظم ذلك من غيره، بخلاف فسوق الجندي وظلمه وفاحشته ، وبخلاف عن الجهاد بالبدن ... ).