اعتمد الشهيد الإمام حسن البنا فى بداية التحرك الفعلى بعد البيعة التى تمت للمرة الأولى فى تاريخ الحركة والتى حددت بدايتها الفعلية عام 1928 على عدة عوامل لحركته :
أ ) سرعة نقل نشاط الحركة خارج دائرة مدينة الاسماعيلية الى سائر أنحاء القطر المصرى .
ب) عدم الدخول فى مواجهات أو صدمات من أى نوع مع قوى الضغط والنفوذ فى البلاد وأخطرها الانجليز والسراى ثم قوى الأحزاب ورجالاتها .
ج ) الانتشارالفكرى والثقافى من خلال الدروس والنشرات والمجلات التى صدرت عقب وقت غير بعيد من تاريخ بدء نشاط الجماعة .
د ) ممارسة أسلوب الدعوة وضم من يرغب عن قناعة كاملة بالجماعة وتوجهاتها وأسلوب الانتقاء والاختيار للعناصر التى تشكل تأثيرا فكريا أو سياسيا أو من يسمون فى العصر الحديث بقادة الرأى العام ولذا فقد انتشر الأعضاء المؤسسون ومن تبعهم بعد ذلك فى أنحاء القطر المصرى بحثا عمن يتوسم فيهم سلامة عقيدته الاسلامية وقوة تأثيره وصلاح خلقه للإنضمام للجماعة وأيضا من أصحاب النفوذ من الأعيان والتجار الذين يشهد لهم بالصلاح والتقوى .. وذلك لقدرة هؤلاء جميعا على التأثير فى المحيط الذين يعيشون فيه بالكلمة الحسنة والأثر الطيب .. وكان كل عضو فى الجماعة حريصا ِ حرصه على عقيدته ِ على جذب الكثيرين حوله للإنضمام للجماعة لتصحيح مسار الأمة وإعادة العقيدة الصحيحة لقلوب وعقول إخوانهم بعد أن أبعدتهم عنها قوى البغى والانحلال التى لا تريد لدولة الاسلام عودة بأى صورة من الصور ..
هِ ) المشاركة بصورة فعلية فى كافة المناسبات الاسلامية والذكريات المجيدة فى القاهرة والأقاليم .
و ) أن يكون للجماعة إطار تنظيمى محدد بدءا بمكتب الارشاد والشعب المختلفة والتشكيلات الكشفية والرياضية وقسم الطلاب وغيرها وتحديد السلم التنظيمى لأعضاء الجماعة وذلك تسهيلا للإتصال وتبادل الآراء والتوجيهات بين كافة مستويات الحركة منعا للتخبط والعشوائية بين أعضاء وتشكيلات الحركة .
وكان للأعضاء ثلاث درجات هى الأخ المساعد ، الأخ المنتسب ، الأخ العامل ثم هناك درجة رابعة هى درجة الانضمام " الجهادى " ِ اى الأخ المجاهد وهنا نعود الىا لأستاذ عمر التلمسانى ليروى لنا قصة دخوله جماعة الاخوان المسلمين يقول " فى سنة 1933 زارنى فى مكتبى اثنان من الاخوان المسلمين وسألنى أحدهما ما ذا تعمل ؟ وضايقنى السؤال وقلت لهم ساخرا : أقوم بتربية الكتاكيت ولم يضايقهما الرد وأجاب أحدهما مبتسما ولكن هناك من هم فى حاجة الى التربية أكثر من الكتاكيت .. قلت من ؟ قال المسلمون .. فقلت لهما ولكن هناك جهات حكومية وهناك الأزهر وهى كفيلة بالقيام بهذه العملية فألحا على أن التقى بالاستاذ الشهيد حسن البنا لأدير معه حوارا لعلى أقتنع بوجهة نظرهما .. وكنت فى تلك السن حريصا على المعرفة .
فلما ذهبت اليه فى بيته استقبلنى فى حجرة متواضعة ِ لم ترقنى الحجرة ِ وجلست ودار بيننا حديث عن المسلمين بعد كانوا فى صدارة العالم وكانت الدنيا تقف لهم احتراما وتقديرا .
ومضى الحديث فى قرابة الساعة واقتنعت بوجهة نظره ولكنه لم يرض أن يستغل هذا الاقتناع وقال لى أرجىء هذا لأسبوعين وأدر الموضوع فى ذهنك وحدث نفسك بما سمعت فإذا اقتنعت فلنلتق بعد أسبوعين فغذا قبلت فنحن إخوان وإذا رفضت فنحن أصدقاء ولا يضيرنا أن يرفض دعوتنا أحد ما دمنا مقتنعين بها .
وفعلا حرصت على أن أحضر فى الموعد بعد أسبوعين وذهبت إليه وتمت بينى وبينه البيعة وكان هذا نصها :
" أقسم بالله أن أكون وفيا لدعوة الإخوان المسلمين مطيعا للمرشد العام فيماأحب وفيما أكره فى المنشط والمكره وأن أنفذ كل ما يصدر الى من أوامر إلا ما كان فيه معصية لله فلا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق " .
وبهذه المناسبة يشيع كثير من الناس أقاويل ومعانى لا حقيقة لها حول البيعة فالبيعة للمرشد أو أمير الجماعة أو أمير المؤمنين أو المسؤول معناها أنك لا تبايع إنسانا بذاته فغن الله سبحانه وتعالى يقول ك " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله " . فإذا كانت البيعة مع الرسول صلى الله عليه وسلم هى مع الله جل شأنه فمن باب أولى أن تكون البيعة لأى إنسان هى مع الله فالإخوان لا يقدسون ِ كما يشيع البعض من المغرضين عنهم ِ حسن البنا ولكنهم يعتقدون أنه بشر يخطىء ويصيب ولكن عليهم أن يسمعوا ويطيعوا من غير معصية الله وفيما أمر به رسول الله صلوات الله وسلامه عليه انطلاقا من الحديث الشريف " لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق " .
وليست البيعة كما يتصورها البعض أنها نقلة بالانسان من حال الى حال يعنى أن الشخص الذى كان يبايع المرشد كان يعتقد تماما أن المرشد إنسان مثله وأنه إنسان ليس بمقدس ولا فوق مستوى الأوضاع الآدمية ولكن الناس لأغراض شوهوا معنى البيعة ويحاولون ِ وإن فشلوا فى هذا ِ أن يصوروا أن البيعة معناها الارهاب والتعصب وإغلاق الذهن وعدم الفهم وكل هذه المسائل التى أثاروها حول البيعة وحقيقة الأمر أننا مأمورون فى القرآن بأن نبايع فكان الاسلام لا يتم إلا نتيجة من يسلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تلا ذلك مبايعة المسلمين لأمير المؤمنين وظل هذاالأمر على هذه الوتيرة .
ولقد اخترت جماعة الاخوان دون غيرها لأنه لم يكن فى ذلك العهد أية جماعات دينية لها أثر ولها وجود إنما كانت جماعة الاخوان هى الجماعة الوحيدة التى كانت تنشط فى سبيل الدعوة وتغشى الأندية والقهاوى والمساجد والمجتمعات وانتشرت داخل أسوار الجامعة فى وقت لم يكن هناك أى اثر وأى معنى لكلمة الاسلام فى صفوف الجامعة إنما دعوة الاخوان كان لها وجودها ونشاطها وتحركاتها وأثرها فى نفوس الناس .
ولقد كان باب الانضمام للإخوان المسلمين مفتوحا لكل من أراد أن ينضم للإخوان وجاء ليبايع الامام المرشد العام أو مندوب المرشد العام الذى يوجد فى المنطقة وكان الاخوان يتقبلون بيعته ويعد من الاخوان المسلمين وكان للإخوان درجات : فهناك الأصدقاء وهم الذين يحبون الإخوان ولا يبايعون المرشد والمنتسبون وهم الذين يأحذون بمبادىء الإخوان المسلمين ويبايعون المرشد وهذا مدى حظهم فى الاخوان المسلمين والإخوان العاملون وهم الذين يبايعون المرشد ويشاركون فى كل أعمال الدعوة من حضور لدروسها الى دفع الاشتراكات وكل ما يطلب من الأخ المسلم ويكون متوافرا عنده لأى أخ من الإخوان يعتبر من الاخوان العاملين ولم تكن هناك شروط للإنضمام للجماعة سوى أن يكون الأخ مسلما محافظا على دينه ولا يرتكب الجرائم والمنكرات أو الكبائر ويقتصر الأمر فيها على أنه مسلم نظيف .
ولقد كان الغرض الأساسى لإنشاء جماعة الإخوان المسلمين عند الامام الشهيد حسن البنا هو تربية المسلمين على تعاليم الاسلام وأنه لا يكفى أن يكون المسلم مصليا وصائما وحاجا ومزكيا هذه عبادات فردية وفروض عينية يلتزم بها كل شخص إنما كانت هناك معان أخرى فى الاسلام أوسع من هذا .. حرية المسلم وسعادتة ورقية وعزته ومكانتة وكان الامام البنا يغرس كل هذا فى نفوس الاخوان الشباب ليستعيدوا أمجاد الاسلام الماضية وتعود للمسلمين مكانتهم فى العالم بدلا من ان يكونوا مستعمرين ومستغلين ومستعبدين وحتى يصبحوا هم سادة أنفسهم خصوصا وأن هذه المنطقة من أغنى مناطق العالم بالثروات الطبيعية من زراعية ومعدنية فكان هم الدعوة الأولى إعادة المسلمين الى أوضاعهم الأولى ولما اشتد الضفط الانجليزى على مصر وخاصة بعد ثورة 1919 وأصبح الأمر فى يد السفير البريطانى الذى كان يسمى مندوب الحماية أو المندوب السامى وبعد أن بدأت مظاهر إحلال اليهود فى فلسطين مكان أهلها بدأ التفكير فى إنشاء تشكيل ليدفع عن مصر شر الاستعمار بمقاومة الانجليز مقاومة مادية ومحاربة اليهود حتى لا يكون لهم استقرار فى فلسطين .. وكان هذا هو الأساس الذى دعا الى انشاء " النظام الخاص " أو ما يسميه الناس " النظام السرى " فى الإخوان المسلمين وهو نظام أنشىء أساسا لمقاومة الاحتلال البريطانى بعد أن رأى الإخوان أن كل الأحزاب لا تفكر فى المقاومة العملية مجرد خطب رنانة وسياسات وانتخابات وإنما لا شىء أكثر من هذا ولهذا يسر الإنجليز لمصر أن تصدر دستورا وأن تقيم دستورا لأنهم يعرفون جيدا أن النتيجة أن يختلف زعماء الأحزاب بعضهم مع بعض ويتفرق المصريون شيعا كانت الفكرة فى تشكيل النظام الخاص هى تحرير مصر الاستعمار البريطانى وإنقاذ فلسطين من أيدى اليهود وانجلترا التى كانت تعمل على ان تجعل من فلسطين وطنا قوميا لليهود .. حقا حدثت بعض أخطاء من بعض أفراد هذا النظام وهذا شىء طبيعى فى كل العالم لا يوجد مجتمع أو أسرة أو أمة لا يوجد فيها من يخطىء والخطأ طبيعة البشر فكانت هناك تصرفات فردية لبعض أعضاء هذا التشكيل فكان ينكرها الأستاذ البنا ولا يرضى عنها ويعلن فى الصحف أنه يتبرأ من مثل هذه الأعمال هذا التشكيل لم ينشأ ليعتدى على المصريين أنفسهم وأنما أنشىء لمقاومة الاستعمار البريطانى ومقاومة الاستيطان اليهودى فى فلسطين .. إنما أعداء الدعوة وخاصة أجهزة الاعلام العالمية شوهت هذا الوضع وصورت الإخوان المسلمين فى صورة الارهابيين المتعصبين الرجعيين القتلة والى غيره من الاتهامات .
ولقد اختار الأستاذ البنا مدينة الاسماعيلية لبداية حركته لظروف عمله فى الاسماعيلية حيث خطر له خاطر إنشاء الجماعة ثم كانت البيعة الأولى مع مجموعة الإخوان المسلمين وتسميتهم الآخوان المسلمين باعتبار أنهما لفظان مختاران من القرآن الكريم .
والواقع أن الإخوة الذين اشتركوا مع الأستاذ البنا كانوا فى منتهى النشاط ومنتهى الوفاء لدرجة أن واحدا منهم كان يعمل سائقا فى شركة قناة السويس وكان يحضر على دراجته من الاسماعيلية لمقر الشركة فى الاسماعيلية وكان يحضر فى المواعيد بدقة ثم بدأ يتأخر عن مواعيده وسأله رؤساؤه إنك كنت نشطا وكنت تحضر فى المواعيد فما سر تأخيرك ؟ فقال لهم كان عندى دراجة وكنت أحضر عليها فى المواعيد وإنما الآن أنا عضو فى جماعة اسمها الاخوان المسلمون ونبحث عن شقة نسكنها ونفرشها ونجعلها مقرا للإخوان المسلمين ولكن فقراء وكنت ضمن المتبرعين فبعت ا لدراجة الخاصة بى وقدمت ثمنها للأستاذ المرشد لأساهم فى تكوين مركز للإخوان وشقة مفروشة وأعجب به رؤساؤه فعلا واشتروا له دراجة جديدة بدلا من دراجته القديمة التى باعها .. كانوا فى نتهى الوفاء للإخوان المسلمين وكان الأستاذ البنا يأخذ سبورة صغيرة ويذهب بها الى القهاوى فى مدينة الاسماعيلية ويجلس فى القهوة وبعد أن يطلب الشاى أو القهوة يستأذن صاحب القهوة فى أن يقول كلامه فيأذن له صاحب القهوة وكان لبقا ومؤثرا وكان الناس يحبون الاستماع اليه فبدأ رواد القهاوى يتزايدون على المكان الذى كان يوجد فيه حسن البنا فكان أصحاب القهاوى يتنافسون فى جذب الأستاذ حسن البنا الى مقاهيهم لتكثر زبائنهم ويكثر عملاؤهم وبدأ العمل بعد أن انتشرت الدعوة فى الاسماعيلية وبنوا مسجدا هناك ودارا للضيافة فى الاسماعيلية وكانت تكاليف البناء فى ذلك الوقت ميسرة وسهلة وأحس رجال شركة قناة السويس وكانت أجنبية بمدى تأثير حسن البنا على أهالى الاسماعيلية فعملوا جهدهم لدى ا لحكومة لتنقل حسن البنا من الاسماعيلية فنقل بالفعل للقاهرة فىمدرسة عباس الابتدائية بناء على رغبته فى أكتوبر عام 1932 فكانت إرادة الله سبحانه وتعالى أ ن يكون هذا النقل فاتحة خير وكان المجال فى القاهرة أوسع والانتشار أكبر فانتشرت الدعوة فى لاقاهرة وظل هو فى ا لقاهرة حتى نقلوه الى قنا ولما ذهب الى قنا أثر فى أهالى قنا فأرجعوه للقاهرة وظل على هذا الوضع حتى استقال من التدريس عام 1946 "