دقت طبول الحرب ودوى صوت المدافع والبارود فى أجزاء متفرقة من العالم إيذانا باشتعال الحرب العالمية الثانية من سبتمبر عام 1939 بين الحلفاء ودول المحور ومع دق طبول الحرب سقطت وزارة محمد محمود باشا وألف على ماهر باشا الوزارة فى أغسطس عام 1939 وبدأت مع وزارته حرب من نوع آخر حول سؤال مصيرى هل تدخل مصر الحرب مع بريطانيا أم لا تدخل ؟ واستمرت هذه المعركة فترة طويلة انقسمت فيها الأحزاب وتشتت بين مؤيد ومعارض لدخول الحرب مع الانجليز فكان هناك فريق السعديين وكان يرى دخول مصر الحرب فورا مع انجلترا وفريق الوفد ويرى دخول مصر المشروط باستجابتها للمطالب الوطنية وفريق ثالث وهو الوزارة ورأى عدم دخول مصر الحرب .
وكان للإخوان موقفهم المحدد من تلك القضية والذى حدده الامام الشهيد حسن البنا حين بعث بمذكرة الى على ماهر باشا رئيس الوزراء بعد اندلاع الحرب بأيام حدد فيها رأى الاخوان فى موقف مصر الدولى قال فيها " يا صاحب الرفعة إن موقف مصر الدولى يجب أن يكون واضحا صريحا ويجب ألا تتورط الحكومة فى شئ لا شأن لها فيه ولا صلة لها به إننا أمة مستقلة تمام الاستقلال بحكم القانون الدولى وبيننا وبين انجلترا معاهدة قبلها من قبلها تحت ضغط ظروف وأحوال خاصة لا على أنها غاية ما ترجوه مصر ولكن على انها خطوة فى سبيل تحقيق الأهداف المصرية السلمية وتنص المادة ( 7) من هذه المعاهدة على أن مساعدات مصر لإنجلترا إنما تكون فى داخل البلاد المصرية ومحصورة فى حدود معينة .. ولقد ظلت مصر وفية كل الوفاء بهذه التعهدات وعملت فى ذلك أقصى ما يمكن أن يعمل فكل زيادة على هذا لا يمكن أن يقبلها مصرى أيا كان لونه الحزبى أو السياسى وكل زيادة على هذا تفريط وتصنيع لحقوق هذا الوطن وجناية على هذه ا لأمة الناهضة الوفية .
فالإخوان المسلمون وهم الذين يرون فى المعاهدة المصرية ِ الانجليزية إجحافا كبيرا بحقوق مصر واستقلالها الكامل يريدون من حكومة مصر أن لا تتجاوز هذه ا لحدود المرسومة على ما فيها من اجحاف بأية حال ومهما كانت الدوافع اليه وأن تنتهز كل فرصة للإستفادة من الظروف الحاضرة وتكسير قيود الاحتلال التى تقيد حريتنا واستقلالنا وحقوق نهضتنا فإن اعتدت علينا أية دولة ونحن فى ارضنا فكل شبر من مصر الغالية فداؤه الدماء والأرواح والأموال والأبناء والإخوان المسلمين حينئذ على أتم استعداد لأن يذودوا عن حياض هذاالوطن بكل ما يملكون من نفس ومال وإن الدول الأوربية يا رفعة الرئيس مهما كان لونها لا عهد لها ولا ذمة ومهما تظاهرت بالحياد والمودة فإنها تخفى غير ما تظهر ولا تتردد فى تكذيب نفسها إذا وجدت مصلحتها فى هذا التكذيب فمن واجبنا أن لا ننخدع بحياد محايد بل لا بد من الاستعداد التام بكل معانيه وبكل سرعة وهمة وحتى نواجه الخطر ونحن على تمام الأهبة فلنقف موقف الحياد وسنعمل جاهدين للإستعداد " .
كما تناولت المذكرة رأي الإخوان فى الاصلاح الداخلى وتحديدا دقيقا وشاملا لماهية الإخوان المسلمين ودورهم ودعوتهم .
وهنا نورد مقولة د. عبد العظيم رمضان حيث يقول : كان موقف حزب مصر الفتاة وجماعة الاخوان المسلمين أقل شجاعة من موقف صدقى باشا .. لقد كان موقف الإخوان المسلمين محسوبا بدقة ومشوبا بالحذر الشديد وقد تحاشوا فيه التناقض الضار الذى وقع فيه حزب مصر الفتاة فبينما أوضحوا عدم تأييدهم لمعاهدة 1936 إلا أنهم رأوا أن تعنى مصر بالتزاماتها دون زيادة ثم أيدوا دخول مصر الحرب إذا اعتدى على اراضيها " .
ويقول الأستاذ التلمسانى ردا على المقولة : " للدكتور عبد العظيم رمضان أن يقول ما يشاء فالكلام لا ثمن له ويستطيع أى انسان أن يختلق من الوقائع غير الصحيحة ما يشاء ما دام لا حساب هناك عليه والحقيقة أن موقف الاخوان المسلمين من تلك الحرب كان هو الموقف الواضح الصحيح الذى كان يجب أن يفعله كل مسلم ومواطن يعرف قيمة الوفاء بالمعاهدات الدولية ولقد كان بيننا وبين انجلترا معاهدة وقعت عام 1936 وأقرها ممثلو الشعب فى ذلك الوقت سواء كان انتخابهم صحيحا أو مزيفا أقرها مجلس النواب وأصبحت معاهدة دولية من الواجب الوفاء بها ولم يكن فى قدرة مصر عسكريا أن تتنكر لهذه المعاهدة فى ذلك الحين والاسلام يأمر المسلمين بأن يفوا بالمعاهدات حيث يقول الله سبحانه وتعالى : " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " فكل عقد يعقده المسلم مع غيره مسلما كان أم غير مسلم يجب عليه الوفاء بهذا العقد فالأستاذ البنا أو ممثل الاخوان المسلمين قال : إن بيننا وبين انجلترا معاهدة ويجب أن نعنى بالتزاماتنا تجاه هذه كمعاهدة على ألا نزيد وهذا موقف سليم مائة فى المائة وموقف رجولى وبطولى ولا معاهدة ما كانت تلزمنا بأن نهاجم أعداء انجلترا ولذلك قال الاستاذ البنا : إننا لا ندخل الحرب إلا إذا هوجمت مصر بالذات فإذا لم تهاجم فلا شأن لنا بهذه المسألة ولكننا نفى بتعهداتنا فى هذه المعاهدة فالموقف كان واضحا كل الوضوح لا لبس فيه ولا غموض ولكن البعض يريدون أن يحملوا الألفاظ مالا تحتمله أو يريدون أن يعملوا من " الحبة قبة " ليعرفوا بين الناس أو يعرف الناس أنهم يكتبون فى التاريخ وأنهم يناقشون أقوى جماعات مصر والمثل الذى يقول " خالف تعرف " كان سنتهم فى تلك الكتابات فما كان واحد يكتب ضد الاخوان المسلمين إلا ليعرف فى جنبات مصر والذين يعرفون الأستاذ عبد العظيم رمضان حق المعرفة ِ ولم يكن لى حظ فى التعرف عليه حتى الآن ِ يحدثوننا عنه كثيرا ويقولون عنه : ما يعرفة هو عن نفسه بالذات "
ولا يفتأ د. عبد العظيم إلا أن يلقى بسهم آخر من جعبته المليئة بالمغالطات حول الإخوان المسلمين فيقول * حول اندلاع مظاهرات الى الأمام ياروميل " من جموع الطلبة الأزهريين وأما الإخوان المسلمين فإن نفوذ القصر وعلى ماهر باشا كان يمارس من خلال هذه الجماعة كما يقول " كيرك " وقد أشرنا الى انه كان يعزى اليهم الدور الأول فى إيجاد تيار الدعاية والكراهية ضد بريطانيا فى خريف عام 1941 وذكر أنه حينما طلب الإنجليز من رئيس الحكومة اعتقال البنا لم يلبث أن أطلق سراحه " بضغط القصر " فيما يظهر والذى قيل إنه يمده بمعونة سخية وواضح أن الإنجليز كانوا يهدفون من اعتقال حسن البنا وكبار أعوانه الى تقليم أظافر فاروق وعلى ماهر باشا وحرمانهما من أداة يمارسان من خلالها نشاطهما بين الجماهير الشعبية العريضة ومع ذلك نلاحظ أن حسين سرى باشا لم يتهم الإخوان بأى دور فى تحريك المظاهرات .
ويرد الأستاذ عمر التلمسانى على هذه المغالطات قائلا : " هذا الكلام لا أساس له من الصحة علىالاطلاق وإنما الذى دعاهم الى هذا الكلام أن العداء بين المصريين جميعا وبين الإنجليز كان عداء طبيعيا لأن الإنجليز يحتلون مصر ويستعمرونها ويستغلون مواردها ويستفيدون من قطنها ومنتجاتها فى مصانعهم ويحرمون المصريين من هذا فكان بديهيا وطبيعيا أن يكره المستعمر وجود المستعمر هذه مسألة لا يمكن الجدل فيها سواء كنا " إخوانا مسلمين " أو غير اخوان مسلمين كل الهيئات كانت تتظاهر لأنها تكره الاستعمار وتكره الاحتلال البريطانى هذه المسألة ليست جديدة والحديث فيها حديث ممجوج لأنه إن لم يكن الوضع هو كراهية الشخص المحتل للشخص الذى احتلة لا يبقى إنسانا بالمعنى المعروف ولكنهم يديرون المسائل وفق أهوائهم فكان العداء بين الإخوان المسلمين والانجليز عداء طبيعيا لدرجة أنهم حين وقعت أحداث القناة فيما بعد كان يقوم بها الاخوان .. ولا يمكن أن نطالب بأن يحل الألمان محل الانجليز واحتلال أراضينا ونحن إذا كرهنا أن يحتلنا الانجليز فالمسألة تنصب على ا لألمان أيضا ونحن نريد حرية كاملة بعيدا عن أى احتلال أو استعمار .. فمظاهرات " الى الأمام ياروميل " لم تكن وليدة حب المصريين لروميل إنما كان واقعا كراهية المصريين للإنجليز فاتفقت كراهية المصريين للإنجليز كمحتلين مع كراهية الألمان للإنجليز كمحاربين فى وجهة نظر واحدة .. وما كان المصريون يفكرون أبدا فى أن تخرج انجلترا لتحل محلها ألمانيا فى احتلالنا وإلا كنا بلهاء وأغبياء والحمد لله لم يستطع واحد من هؤلاء المغرضين أن يتهمنا بأننا كنا دعاة الى ا لأمام ياروميل أو غيرها وكما قلت أكثر من مرة أن تهمة استغلال القصر لنا أو مساعدتنا للقصر تهمه مدحوضة من أساسها لأن الذى قتل حسن البنا هو القصر وعجيب أن يقتل الملك إخوانه وأنصاره كما يدعى هؤلاء .