الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: بعض ما علمني الإخوان المسلمون
المؤلف: عمر التلمساني
التصنيف: أسرة
 

محتويات الكتاب

الإخوان سلفيون ملتزمون

هم يعلمون أن ما هم عليه، ويدينون به، رسالة وصلت إليهم عن محمد (صلى الله عليه وسلم)، والتي أوصلها إليها جبريل الأمين عليه السلام، بعدما أوحى إليه رب العالمين تبارك وتعالى.

أيقنوا بهذا فعرفوا أن الأمر كله لله تعالى صاحب الأمر، فيأمر بما يشاء وينهى عما يشاء، أي أن التصريف متروك له وحده.. سبحانه وتعالى، ولا دخل للعقل مطلقا في هذا المجال، لان هذا فعل الألوهية وقدرتها وعلمها وحكمتها، دون أن يعرض شيء مما قضى الله تعالى على العقل البشري ليصدر فيها حكما بالرفض أو القبول، فلا يجوز لإنسان كمل عقله أن يتردد فيما قضى الله بالتحليل أو التحريم، هذه من خصائص الألوهية الواحدة التي لا شريك فيها، وهذا ما يأخذ به الإخوان أنفسهم. أما القائلون بأن ما احل الله تعالى هو أمر ارتضاه العقل، وأن ما حرمه هو أمر نفر منه العقل، فقول مردود على أصحابه لا يقيم له الإخوان المسلمون وزنا في منهاجهم السلفي الذي اخذوا به عن أسلافهم الكرام، ذلك لان كل صاحب فطنة أريب، يؤمن أن العقول ليست متساوية في الإدراك، وليست متشابهة في التقدير، بل أن ما يراه زيد حسنا قد يراه عمرو قبيحا، وما يتقبله عقل لا يتقبله آخر، بل وأكثر من هذا فإن العقل البشري قد يستحسن شيئا حينا، يغير حكمه عليه في حين آخر.

فلو ترك الحكم على الأشياء للعقل البشري وحده، لتناقض الناس مع بعضهم البعض بل ومع أنفسهم، تناقضا بعيدا، لا يصلح عليه منهاج الحياة أبدا. والواقع خير شاهد على ذلك، ألم تسمع أن مجلس العموم البريطاني قد قرر أخيرا أن الشذوذ الجنسي أمر مباح لا عقاب عليه، وبريطانيا دولة متحضرة كما يزعمون، فهل أخذت الدولة المتحضرة الأخرى بهذا التخريف والشذوذ الذهني؟ فكيف يمكن إذن أن يتفق الناس على أمر انه حلال مطلقا، وان أمرا غير حرام محضا؟ وهذا هو مدى جهدهم العقلي، فلا مناص إذن من الرجوع إلى الله تعالى وحده في مجال الحل والحرمة، وهذا هو ما التزم به الإخوان المسلمون منذ أن قام بهذه الدعوة السلفية إمامنا الشهيد المرشد العام الأسبق فضيلة الأستاذ الشيخ حسن البنا مؤسس الحركة وأستاذ الجيل غير مدافع. أما الذين يشككون في هذا المنهج فهم أول من يعرف أن الإخوان المسلمين سلفيون، ولكنه لهوى في أنفسهم باعد بينهم وبين الصواب، لم يجدوا شيئا يرمون به الإخوان المسلمين إلا إنهم غير سلفيين، مع أن منهاجهم وفهمهم وأسلوبهم سلفي سلفي سلفي. ومع ذلك فإن الإخوان المسلمين لمذهبهم السلفي، لا يلقون الناس بما يلقاه به بعضهم..

"وإذا مروا باللغو مروا كراما"([1])..

ولأنهم على التحقيق..

"وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما"([2])..

ومن عجيب أمر هؤلاء الذين يحكمون العقل، ويأخذون بحكمه إذا تعارض مع حديث شريف، من عجيب أمر هؤلاء الذين يريدون أن يطوعوا القرآن وآياته المحكمة، والسنة بأحاديثها القطعية الدلالة والثبوت، من عجيب أمر هؤلاء ( لو قبلنا هذا التجني على الكتاب والسنة) أنهم إذا نسوا أن من يريد أن ينحو نحوهم، لابد وان تتوفر له شروط قاطعة حتى يعطي لنفسه هذا الحق (الذي لا يقره عليه أي مسلم) (عن طواعية واختيار وفهم واقتناع). من هذه الشروط اللازمة على وجه القطع واليقين:

أولا: معرفة كاملة شاملة باللغة العربية، وأسرارها ومدلولاتها ومعانيها  الظاهرة والخفية. وهذا أمر لم ولن يوجد في إنسان طوال هذه القرون المتأخرة حتى اليوم.

ثانيا: أن يكون ضليعا في التفرقة بين العام والخاص، وان يكون خبيرا بالفرق المطلق والمقيد، ودلالات الإطلاق من النصوص والتقييد منها..

ثالثا: من ناحية علم المنطق، أن يكون مؤهلا تماما للاحاطة بالمباينة بين المنطوق والمفهوم والمقتضى.

رابعا: أن يكون واسع العلم بالناسخ والمنسوخ وهو الأمر الذي يستوجب علما وافيا بهذه الناحية من كتاب الله الكريم وسنة نبيه الكريم (صلى الله عليه وسلم).

خامسا: ولابد له أن يكون عالما بأسباب النزول في الآيات وورود الأحاديث الشريفة.

سادسا: الاحاطة الكاملة بعادات العرب الذين نزل القرآن بلغتهم وعادات مجتمعاتهم.

سابعا: أن يلم بمقاصد الشرع من التكليف وعلة تشريع الخالق لعباده

ثامنا: أن يكون على درجة من العلم عند تعارض الأدلة ليصدر حكما اقرب ما يكون من الصواب عند تعارض الأدلة.

تاسعا: وهناك شروط أكثر يعجز الإدراك عن الاحاطة بها، فهل تتوافر كل هذه الشروط في واحد ممن يتعرض لما هو فوق طاقته وعلمه بمراحل؟ ومدى علمي أنها لم تتوفر لإنسان خلال القرون الأخيرة، فهل اقتنع المتجنون على الإخوان المسلمين، والذين يصفونهم بأنهم غير سلفيين؟ ومع ذلك فلماذا يكون النقاش بين الناس، مجرد خلاف على الرأي لا يقوم إلا على اتهامات ومحاولات للانتقاص؟ إننا نأمل أن يلتفت الذين يهاجموننا إلى فهمهم الخاص، فيصرفون أوقاتهم وجهودهم في تدعيمه ونشره بين الناس بالحجة الدامغة، والدليل القاطع، فيجمعون الناس حولهم اقتناعا بما يقولون، فذلك انفع لهم، هدانا الله تعالى وإياهم سواء السبيل.

لن اكتفي بما قدمت، ليعرف الناس أن الإخوان المسلمين، سلفيون ملتزمون، ولكن أسوق هنا بعض صور وسلوك الإخوان المسلمين:

إن الإخوان المسلمين يعرفون أن الله خلق الجن والإنس لعبادته، هذه العبادة المؤدية إلى معرفته جلالا وعلوا وقدرة وتمكنا، والتي تنتهي في خاتمة المطاف إلى الإنابة إليه.

"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"([3])

لأنه الأول والآخر والظاهر والباطن، وكل شيء بإرادته، ومرد الأمر إليه وإليه نرجع أجمعين، ونحبه فوق ما نحب أموالنا وأولادنا وأنفسنا التي بين جنوبنا مع الإخلاص كله، والوقوف في ساحته لنكون على ذكر دائما منه، لتهدأ خواطرنا، وتسعد أنفسنا..

"ألا بذكر الله تطمئن القلوب"..([4])

بذكره عرفوه وبالإنابة إليه دائما عبدوه. قيل لابن عباس: بم عرفت ربك؟ قال:" من طلب دينه بالقياس، لم يزل دهره في التباس، خارجا عن المنهاج، وظاعنا في الاعوجاج. عرفته بما عرف به نفسه، ووصفته بما وصف به نفسه". وهذا هو ما يعتقده الإخوان المسلمون، لأنه جانب من جوانب السلفية.

فسلفية الإخوان المسلمين تظهر في معرفتهم للحق، والتحدث عنه والعمل به والدفاع عنه والتضحية من اجله، يجادلون كأسلافهم بالحسنى لان هذا الأسلوب يقرب الحق إلى الأذهان، ويميل بالنفس إلى الاقتراب منه ومن الطاعة لرب العالمين، هكذا كان يفعل السلف الصالح الذين كانوا يعرفون الله جل وعلا. وهذا حق، لان المسلم بقدر ما يعرف الهيبة وبقدر ما يرعى من جانب الجلال..

"تبارك اسم ربك ذو الجلال والإكرام"([5])..

فأعرف الناس بالله أحبهم له و اخشاهم له. ألا ترى أن الحديث الشريف الصحيح يقول فيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "وزنت بالأمة فرجحت، ثم وزن أبو بكر بالأمة فرجح، ثم وزن عمر بالأمة فرجح، ثم رفع الميزان"([6]). ويقول عليه الصلاة والسلام: "أما والله أني لأخشاكم لله واتقاكم له.." ([7]) جزء من حديث انس (رضي الله عنه).

كسلفيين، يؤمن الإخوان المسلمون بأسماء الله الحسنى كما هي، ويؤمنون بصفاته كما هي واردة في القرآن، بلا تعطيل كالمعطلة، ولا مشبهين كالمجسمين الذين يدعون أن يد الله جل وعلا كأيدينا وعينه كأعيننا، حاشاه عما يقولون وتعالى علوا كبيرا..

" ليس كمثله شيء"([8])..

إننا نقول انه استوى على العرش كما قال مالك بن انس: "الاستواء معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".

إننا سلفيون حتى في روحانيتنا وسلوكنا، على هذا النحو الذي جاء في الآثار ما معناه "يقول الله أنا الله، لا إله إلا أنا، مالك الملوك، قلوب الملوك ونواصيها بيدي، فمن أطاعني جعلت قلوب الملوك عليه رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسبب الملوك، ولكن توبوا إلى وأطيعوني اعطفهم عليكم"([9]) فلو أن هيئة أو حزبا ناله من عبد الناصر ما نال الإخوان المسلمين، لقضوا وقتهم كله انشغالا بمن ظلمهما أو اعتدى عليهما، أما الإخوان المسلمون فقد خلّفوا كل ما أصابهم دبر آذانهم، واقبلوا على الله يستغفرون ويسبحون ويحمدون.. لعلمهم أن الظالم لم يظلمهم لعداء شخصي بينه وبينهم، ولكنه آذاهم لتمسكهم بدين الله..

"وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد"([10])..

فتركوا الظالم لربه، فهو الكفيل وحده بالدفاع عن دينه، وليهلكن الظالمين، هذا ما كان يفعله السلف الصالح مع من آذاهم، جاء رجل إلى احد السلف الصالحين يقول له: إن فلانا يشتمك. فقال السلفي الصالح: لأغيظن من علمك (يريد الشيطان) اذهب غفر الله لي ولك وله.

إننا سلفيون لأننا نطيع محمد (صلى الله عليه وسلم)، لا نقول كما يقول غيرنا: (الطاعة لمحمد في العبادات، أما في المعاملات فللظروف وحكمها، ولتغير الأزمنة والأمكنة أثرها). إننا نطيعه (صلى الله عليه وسلم) في أمور ديننا ودنيانا، لان الله سبحانه وتعالى لما أمر بطاعة رسوله (صلى الله عليه وسلم)، جعلها طاعة مطلقة غير مقيدة بأي تخصيص، وما دام اللفظ جاء في القرآن مطلقا، فلا يصح تقييده، هذا قول أرباب الأصول، وهم أولى بالاستماع منا لهم ، لا لهؤلاء المحدثين العقليين الذين لا يصلون إلى مستواهم لا علما ولا فهما ولا ذكاء ولا تخريجا ولا استنباطا ولا تقى ولا إخلاصا. لقد امرنا الله تعالى بطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام في عشرات الآيات في كتابه الكريم..

"من يطع الرسول فقد أطاع الله"([11])..

"وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا"([12])

"لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة"([13])

"إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله"([14])

"وأطيعوا الله ورسوله"([15])

"يأيها الذين امنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول"([16])

"والله ورسوله أحق أن يرضوه"([17])

"إن الذين يؤذون الله ورسوله"([18])

"قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا"([19])

وغير ذلك كثير. وحق له ذلك (صلى الله عليه وسلم)، لان الله جل جلاله قال عنه: "وما ينطق عن الهوى"..([20])

أليس هذا سلوك السلفيين؟

إن الإخوان كسلفيين، يتعاملون ويتاجرون، ويحذرون ويتقون الأضرار والمؤذيات، ويتخذون الأسباب طاعة لأوامر الله تعالى، لا اعتقادا منهم أن الأسباب فعالة بذاتها، ولكنهم يستعينون على قضاء حوائجهم بالأسباب، وقد قال احد السلف الصالح:" إن الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، وجحد الأسباب أن تكون أسباب نقص العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع. بل العبد يجب أن يكون توكله ودعاؤه وسؤاله ورغبته إلى الله تعالى، والله يقدر له من الأسباب ومن دعاء الخلق وغيرهم ما يشاء". وعلى هذا الأساس يسير الإخوان المسلمون في كل ما يضربون به في الأرض، أفلا يكون الإخوان المسلمون بعد ذلك سلفيين؟.

ينتظم العالم الإسلامي في فقهه ومجادلاته وعباداته، ثلاثة مذاهب، ينضوي تحت كل واحد منها العديد من الفرق من كل نوع:

1-أصحاب الكلام، وتدور فهومهم حول الوجود والعدم وقضايا التصديق وعدمه، ويرمون من وراء ذلك إلى التصديق والعلم.

2-والصوفيون أصحاب الاشارات والمكاشفات والاستغراق والفناء وتدور أبحاثهم حول المحبة والعشق والإرادة والمشيئة، فهم يحيون في عالم الانقياد والجري وراء الإرادة.

3-أهل الإيمان، وهم وسط بين هؤلاء وهؤلاء، يجمعون بين التصديق الواقعي المتلبس بالسعي والعمل الفعلي، وبين المحبة والشوق الذي يؤثر في الواقع العملي بروح المحبة لله ورسوله (صلى الله عليه وسلم)، فهم إذا صدقوا بما جاء من ربهم ونبيهم عليه الصلاة والسلام، فإما يصدقون عن علم ثبت لديهم صحته بالأدلة العقلية والنقلية، ويترتب على ذلك أنهم إذا عملوا فإنما يعملون عن علم لا عن توهم، وإذا أحبوا فإنما يحبون عن شعور صادق قام على تثبت وتبين لا عن هوى وانحراف.

وهذا الصنف الأخير هو رأي السلف الصالح ومن اتبع طريقهم حتى هذا العصر الذي نحياه. والإخوان المسلمون في هذه البوتقة التي تصفي ناصع الدين من كدورات الهوى وتخبطات العقل البشري، هم كلهم كذلك يؤمنون بأن الله ما اودع العقل في الرأس إلا ليحاسب عباده بمقتضاه، فهم يحكمون عقولهم عند الفصل بين النافع والضار، وتبين طريقهم الذي يسيرون خلاله في دعوتهم هذه ، وفي نفس الوقت يحبون الله ورسوله إلى الحد الذي يقدمون فيه محاب الله ورسوله (صلى الله عليه وسلم) على محابهم، مهما جذبهم الهوى إليها، إنهم لا يعرضون أوامر الله على عقولهم، ليقبلوا أو يرفضوا، ولكن كلامهم وأحكامهم وتصرفاتهم قال الله تعالى وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فمن أراد أن يعتبرهم بهذا الميزان سلفيين، فليحكم، ومن أراد أن يعتبرهم غير ذلك، فليحكم، وليتحمل كل صاحب رأي فيهم تبعة رأيه أمام احكم الحاكمين، واعدل العادلين. أما هم فهم سلفيون، صدقهم الناس أم لم يصدقوهم، فما لذلك في موازينهم من حسبان، إنما الأمر الذي يهمهم حقا هو رضاء الله عنهم أن هداهم إلى صراطه المستقيم.

ولو أن كل جماعة من الناس جنبت رأي الناس، وحرصت على رضاء الله وحده، لزالت كل هذه الويلات التي تحل بالعالم بسبب انتصار كل لرأيه بالحق أو بالباطل. ولكن ما العمل؟..

"ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك"([21])

وهناك حقيقة شرعية دينية يجب أن نثبتها جميعا: نحن نلتذ بشيء، ونتألم من غيره، نأكل أشياء ونشرب أشياء، ولا نأكل أشياء ولا نشرب أشياء، ويؤذينا شيء ولا يؤذينا غيره، وينفعنا هذا أو يضرنا ذاك. إن التفرقة بين هذا كله، لن تكون سليمة، إلا إذا استعنا بشرع الله وطبقناه ليساعدنا في التمييز بين هذا وذاك، ولم نجعل لعلمنا دورا في هذا التمييز.

"وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا"([22])

وإذا أطعنا الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وسلم)، فلنكن على ثقة أكيدة واضحة أننا إنما نطيع ونتصرف عبادة لله تعالى..

"إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء"([23])

وهكذا وقف الإخوان المسلمون عند الأمة الوسط بين التغالي في تطبيق العبادات والمعاملات، وبين هجرها والبعد عنها، فلا سرف ولا إسراف ولا إفراط ولا تفريط..

"وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا"([24])..

ويتحدث الإمام ابن تيمية عن بعض آراء السلف، فيقول: "إن القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدأ واليه يعود، والإمساك عما شجر بين الصحابة وأهل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لهم من الحقوق والواجبات ما يجب رعايتها، فإن الله جعل لهم حقا في الخُمس والفيء وأمر بالصلاة عليهم مع الصلاة على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)". والإخوان المسلمون لهذا المعنى ملتزمون وهم يؤمنون بأن لله أولياء حقا، فقد ثبت ذلك بصريح نص كتاب الله..

"ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون"([25])..

وقد قال الإمام ابن تيمية وهو سلفي ملتزم، في كتابه "العقيدة الواسطية": " إن من أصول أهل السنة والجماعة: التصديق بكرامات الأولياء، وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات". كما يقول الإمام النووي: " إن في الحديث كرامة الأولياء وهو مذهب أهل السنة خلافا للمعتزلة" شرح النووي على صحيح مسلم جِ4 ص 755.

وحتى لا أجعل لصاحب هوى مدخلا في هذا الذي أقول، أقول: إن أولياء الله في حسي وفهمي هم الذين يعرفون حق الله تعالى عليهم، وحق دينهم، وحق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عليهم، وحق المسلمين وغيرهم عليهم، وحق أنفسهم عليهم. ليس أولياء الله هم الغارقون في الصلاة، المتفانون في الصيام، الموسعون في الزكاة، الملتزمون بالحج عاما بعد عام فحسب، ولكنهم الذين يصفهم الحديث القدسي إذ يقول: " يقول الله تبارك و تعالى: ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي عليها" صحيح مسلم جِ5 ص244. أن من يمتع بهذه القدرة الربانية يستطيع أن يفعل العجائب. وفي البخاري حديث قدسي صحيح يقول فيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "يقول الله تبارك وتعالى: من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب عبدي إلي بمثل ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت واكره مساءته ولابد له منه" ويروي سعيد بن جبير أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سئل: من هم أولياء الله فقال: "الذين يذكر الله برؤيتهم" القرطبي ص 3196، وزيادة في الإيضاح، وحتى لا يكون هناك شك في موقف الإخوان المسلمين من أولياء الله، فإنهم يعتقدون أن أولياء الله هم الذين يكثرون من حسناتهم لأنها وحدها التي تدخل معهم قبورهم، وأنهم الذين يدفعون الهوى عن أنفسهم في جد وحرارة حتى تستقر عند طاعة الله ورسوله (صلى الله عليه وسلم)، وأنهم الذين يوجهون كل ما في حوزتهم من جهد وطاقة وصحة ووقت ومال إلى الله تعالى لان ما عنده يبقى وكل شيء فان إلا وجهه الكريم. وأنهم الذين يحرصون على التقوى أملا منهم أن يكونوا عند الله من عباده المكرمين. وأنهم هم الذين يتركون عداوة الخلق فيما هو من عرض الدنيا، لان الله قسم بين الناس معيشتهم، وأنهم هم الذين يعادون الشيطان ويحذرون أحابيله لأنه أول أعداء آدم وبنيه ولأنهم هم الذين يتوكلون على الله حق توكله.

إن الإخوان المسلمين لسلفيتهم الواضحة في أذهانهم، لا يكفرون مسلما إلا إذا توفر لديهم على سبيل القطع انه قد اتى من الأعمال أو الأقوال ما لا يحتمل إلا الكفر حسب شريعة الله تعالى، فقد قرءوا أن تابعيا اسمه أبو العالية سأل أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن معنى قوله تبارك وتعالى:

"إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما"([26]).

فأجابوه أن كل من يعصي الله فهو جاهل، وكل من تاب: من قريب. فارتاحت نفوسهم إلى هذا المعنى الجميل، فلم يسارعوا بالكفر على احد. إن الله تواب، فعلى من يتوب؟؟ على الصالحين المستقيمين أم على العصاة المذنبين؟؟ فهل نخرج التوبة من صفات الله؟ وهو غفار فلمن يغفر؟.. للطائعين الملتزمين أم للمنحرفين الخطائين؟؟ فهل نعطل صفة الغافر الغفور الغفار؟ أم ندعها تعمل عملها الرحيم؟؟ لمثل هذا يحتذي الإخوان المسلمون خطى السلف الصالح، ومن لم يفعل ذلك فليس بسلفي مهما ادعى هذه الصفة لنفسه.

السلف رضوان الله عليهم، قسموا الأقوال نوعين: نوع ثابت عن الرسل والأنبياء فهم يقبلونه كما هو ويثبتونه ولا يردونه حتى ولو لم توافق عليه عقولهم. إنهم يعلمون أن الرسل والأنبياء معصومون فيما يبلغونه عن الله تعالى، فينبغي عدم إعمال عقولنا فيما صح عنهم، ولا نتردد في التزامه. والنوع الآخر ليس منقولا عن الرسل والأنبياء، فهذا من حقنا أن نعمل عقولنا فيه قائلين كما قال أسلافنا: كل كلام يؤخذ منه أو يرد، إلا قول المصطفى عليه الصلاة والسلام، فإننا نقف عنده طائعين منفذين. لان الأعمال إما عبادات وهي لا يشرع فيها إلا الله وحده، وإما عادات والأصل فيها ألا نبتعد إلا عن كل ما امرنا الله باجتنابه. هذا هو الأصل السليم، فالزاني المحصن يرجم حتى الموت، وليس بكافر، لأنه قد يكون قد تاب توبة لو وزعت على الكثير من غير المذنبين لوسعتهم وكذلك شارب الخمر والسارق لو أنهم كفروا بمعصيتهم، لاعتبرهم الشرع مرتدين وحكم بقتلهم لردتهم وهكذا. وليس هذا فحسب، بل إن الذنوب نفسها لا توجب دخول النار على الإطلاق إلا إذا لم يوجد المانع من دخول النار بسببها. ومن هذه الموانع التوبة والاستغفار والحسنات والدعاء والصدقات وما إلى ذلك.

وجماع القول: إن الإخوان المسلمين سلفيون من كل قلوبهم وجوارحهم وأقوالهم وأفعالهم، الظاهرة منها والباطنة، يأخذون من كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن أحاديث رسولهم (صلى الله عليه وسلم) الصحيحة. فقد جاء في البخاري أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قال: قام رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، مقاما، فذكر بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار منازلهم، حفظ  ذلك من حفظه، ونسيه من نسيه. (أي أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ما ترك شيئا من تبليغ هذا الدين لأمته). إننا نؤمن بأسماء الله تعالى وصفاته كما وردت، ابتعادا عن المعطلة، ولا نبحث عن الكيف اجتنابا للممثلة والمشبهة. وقد ضرب احد أسلافنا مثلا سهلا مقبولا، فقال: من يسافر إلى مكة مثلا، أليس كل ما اقترب منها خطوة، كانت هي اقرب إليه من تلك الخطوة، أي اقتربت منه، فهل ننكر أن الله سبحانه وتعالى، إذا تقربنا منه شبرا تقرب منا ذراعا، مؤمنين بهذا الاقتراب منه، دون أن نتطرق إلى كنهه وكيفيته.

وليس معنى ما تقدم أنني وفيت الموضوع حقه، ولا تحدثت عن رأي السلف كله، ولكنها إلمامة وان كانت موجزة، وهذا مجمل ما يقتضيه المقام. أسأل الله أن يلهم الجميع الصدق والإخلاص، ونحن لا نطلب من احد أن يرضى عنا إلا الله، ولكن لنجنب إخواننا وزر التجني على هيئة يعبد أفرادها ربهم، كما عبده أسلافهم المبرزون الصالحون.



[1] سورة الفرقان – من الآية:72

[2] سورة الفرقان – من الآية:63

[3] سورة الذاريات – الآية:56

[4] سورة الرعد – من الآية:28

[5] سورة الرحمن – الآية:78

[6] رواه أبو بكرة، وأخرجه أبو داود

[7] فتح الباري، شرح صحيح البخاري

[8] سورة الشورى – من الآية:11

[9] الحديث رواه أبو الدرداء وأخرجه صاحب (الاتحافات السنية)º ونسبه إلى أبي نعيم في الحلية

[10] سورة البروج – الآية:8

[11] سورة النساء – من الآية:80

[12] سورة الحشر – من الآية:7

[13] سورة الممتحنة – من الآية:6

[14] سورة الفتح – من الآية:10

[15] سورة الأنفال – من الآية:46

[16] سورة النساء – الآية:59

[17] سورة التوبة – من الآية:62

[18] سورة الأحزاب – من الآية:57

[19] سورة التوبة – الآية:24

[20] سورة النجم – الآية:3

[21] سورة هود – الآيتان: 118، 119

[22] سورة الحشر – من الآية:7

[23] سورة البينة – من الآية:5

[24] سورة البقرة – من الآية:143

[25] سورة يونس – من الآية:62

[26] سورة النساء – الآية:17

|السابق| [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] [25] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error