إن حرص الإمام الشهيد على توثيق صلة الأخ بربه، ربط الإخوان المسلمين بربهم ربطا وثيقا لا ينحل ولا يضعف، فالتفتت أذهانهم إلى كثير من المعاني، التي لا يحفل بها الكثير من المسلمين، فتؤثر على وضوح العقيدة تأثيرا. علم الإخوان من اهتمامهم بمقومات دينهم أن النفس ليست بفطرتها أمارة بالسوء ولكن الذي يميل بها إلى السوء شيئا ما، هو قابليتها لوسوسة الشياطين، وتزينهم وإغوائهم لها بالفساد، والانحراف، ذلك لان الآثام توهم بمتعة وقتية، والنفس بطبيعتها ميالة إلى المتعة، وما يردها عنها إلا رقابة يقظة لإغراء الشياطين من الجن والإنس، يضاف إلى ذلك أن الجهل بأحكام الشرع، قد يكون له دخل في الزلل دون أن يشعر الذي زلت به قدمه، في مهاوي الانحراف، وكان من فضل الله على الإخوان المسلمين أنهم تعلموا الكثير من أحكام دينهم. وليس بمحرج لي أن أقول أنني حتى الثلاثين من عمري ما كنت اعرف الفرق بين الكعب والعقب، فكنت احسب أن الأعقاب هي الكعوب، حتى جاء يوم يتحدث فيه الإمام الشهيد عن الوضوء، فأخذ يتكلم عن العقب، فسبقني لساني إلى الاعتراض على فضيلته، قائلا: لا داعي لصرف الوقت في الحديث عن الأعضاء، فهل فينا من لا يعرف العقب؟ فابتسم رضي الله عنه وقال: اجلس، فلعلك غير متبين لموقع العقب منك في قدمك، فواصلت لجاجتي وقلت: يا فضيلة الأستاذ، ها هو عقبي، ووضعت يدي على كعبي، فتعجب الإخوان، ولكن فضيلته قال منقذا لي من جهلي: لو رفعت يدك قليلا عن موضعها هذا، لتبينت العقب منك. وكان تعليما وفضلا وتطمينا لجهل السائل في غير ما إحراج، ولكن ما علمني الإخوان. ولكل منا استعداد في التقبل، وعطاء الله غير ممنوع عن احد، ولكنه يعطي كلا منا على قدر تقبله للعطاء، فمن عباد الله من لو أعطاه لطغى، وكل ميسر لما خلق له، وإذا استعظم عبد ضال شيئا على الله لقصور في عقل العبد، فما ذاك بالمستحيل على خالق كل شيء، ولكن الاستعداد الذهني هو القاصر عن تقبل ما ظنه مستحيلا على القادر القدير المقتدر.
علمني الإخوان المسلمون أن الأخذ من الشرع مع التسليم اصح واضمن من الأخذ عن طريق الفهم، ذلك لان الله خالق، والعقل مخلوق، ولا شك أن الاستماع إلى الصانع أفضل وأكمل وأدق من الاستماع إلى المصنوع. وقد قال احد مفكري المسلمين: إن الخيال فقير إلى الحواس، والى القوة الحافظة، ثم أن القوة الحافظة قد يطرأ عليها موانع تحول بينها وبين الخيال فيفوت الخيال أمورا كثيرة، فيفتقر الخيال إلى القوة المذكرة، وحينئذ يأخذ العقل منه، فيحكم به على المدلول. وما من قوة إلا ولها موانع واغاليط، فما افقر العقل إلى هذه القوى وفيها من العلل ما فيها، فإذا اتفق للعقل أن يحصل على شيء من هذه الأمور بهذه الطرق، وفيها ما فيها من العلل، ثم اخبره الله بأمر فتوقف في قبوله، وقال إن الفكر يرده، فما اجهل هذا العقل بربه.. كيف قلد فكره وجرح ربه!!..
ولما كانت عظمة القدير وقدرته فوق مستوى الإدراك ولن تصل إليها العقول، كان عدم قدرة الإدراك البشري على الاحاطة بهذا الجلال، مدخلا للشياطين والمضللين من الجن والإنس، وكان قصور العقل البشري مرتعا سهلا لكل ختار كفور. وليس ذلك بالأمر المستغرب، فكثير مما تقع عليه حواسنا محير معجز.. انظر إلى البحرين، هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج، انظر إليهما يلتقيان، فيظل هذا على عذوبته وذاك على ملوحته، فهل تدرك عينا رأسك الحد الفاصل بينهما، فتلمسه بيدك وهو في متناولها؟ وهل تراه عيناك وهو مرمى البصر منهما؟ هل تستطيع بكل حواسك، أن تحد الخط الفاصل بينهما؟ وإذا كان الأمر كذلك، فأين أنت من حكمة الله، إذا قضى أمرا أو أجرى قدرا؟ أليس التسليم هنا هو الإيمان كل الإيمان؟ اجل إن هناك سرا غامضا تحار في إدراك خفاياه عقول البشر.
لذلك ترك الإخوان المسلمون أوهام الخيال لأنهم لم يستطيعوا أن يقرروا وجوده أو عدمه، ولم يقولوا إنهم يعلمونه، ولم ينتهوا إلى أنهم يجهلونه، فلا هو منفي عندهم ولا هو مثبت، ولذلك خلصوا أنفسهم من كل ما يوقعهم في حيرة الشك فأيقنوا والتزموا الأوامر واجتنبوا النواهي، وركنوا إلى الأسماء والصفات، بلا تأويل ولا تفسير ولا تخصيص، موقنين أن معنى:
"وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه"()..
انه حكم بذلك، تبينوا أن الحق من ربهم، فآمنوا ثقة ويقينا ودينا وعقيدة، عن رضا ويقين وارتياح وتسليم. سمت أرواح الإخوان المسلمين، فحافظوا عند الأداء على التهجد.. في الجهاد.. في العبادة.. فيما عند الله لا فيما عند الهيئة والشكل للفرائض، كما حافظوا على الشكل في دقة والتزام فهم ساروا إلى المقصود من الفريضة إلى منتهاه بتوفيق الله تعالى فإذا قال الله تبارك وتعالى:
"إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا"()..
أعطوا هذه الآية حقها، فما أن يؤذن المؤذن للصلاة، حتى يتبادروا إليها خفافا. والى جانب هذا يجتهدون في أداء المقصود من الصلاة، فما يقرءون قوله تبارك وتعالى:
"إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر"() ..
حتى يطهروا أنفسهم من كل ما نهت الصلاة عنه، فلا فحش في ألفاظهم، ولا نكر في أفعالهم، ولكنهم العفيفون كلاما، فنفوسهم طاهرة، وعقولهم عند اليقين مستقرة ثابتة، وسرائرهم في صفاء ماء السماء، لا كدورة ولا اتجاه فيها لغير من برأها وسواها، فتشابه السر منهم والعلن في اتساق ونقاء.