((إن كل أرض يقال فيها لا إله إلا الله محمد رسول الله هي جزء من وطننا له حرمته وقداسته والإخلاص له والجهاد في سبيل خيره)) حسن البنا
لم يكن اهتمام الإخوان بقضية فلسطين وليد الحوادث الأخيرة التي أعقبت قرار التقسيم ولكنه سبق ذلك التاريخ بزمن طويل فالإخوان ((كهيئة إسلامية عالمية)) كانت تضع في برنامجها مهمة الدفاع عن القضايا الإسلامية في مختلف أنحاء المعمورة وكانت دورهم دائما موئلا للمجاهدين الأحرار من مختلف بلاد العروبة ومواطن الإسلام وكان لفلسطين دائما المقام الأوفى من عنايتهم واهتمامهم فهي أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وهي تحتل مكانا وسطا في البلاد العربية وضياعها يعزل العالم الإسلامي بضعه عن بعض ولو نجح اليهود في احتلالها لأصبحت دائما مباءة خطرة لعناصر الشر وبركانا زاخرا بالنار يزعزع أمن البلاد العربية وسلامها .
وحين وضحت نيات السياسة البريطانية في فلسطين أخذ الإخوان يعقدون المؤتمرات تباعا ويبينون للشعوب والحكومات حقيقة هذا الخطر الذي يهدد كيانهم ومستقبلهم حتى نجحوا في إشراك العالم الإسلامي كله في هذه القضية وباتت قضية المسلمين والعرب لا قضية أهل فلسطين وحدهم وحين قامت القلاقل في فلسطين أخذوا يمدون المجاهدين بما يقع في أيديهم من مال وسلاح حتى كانت ثورة (1936) حين نجح عدد من شبابهم في التسلل إليها والاشتراك مع الثوار في جهادهم وبخاصة في مناطق الشمال حيث عملوا مع المجاهد العربي الكبير ((الشيخ عز الدين القسام)) وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية أخذ الإخوان يعملون للقضية عملا إيجابيا فأرسلوا وفودا من دعاتهم وشبابهم يؤلبون العرب ويستحثونهم للكفاح ويتولى نفر منهم تدريب الشباب الفلسطيني تدريبا سريا ولقد نجحوا في ذلك إلى حد بعيد حتى أصبحت شعبهم ودورهم هي مراكز القيادة وساحات التدريب ولا يزال أهل فلسطين يحمدون للداعية الإسلامي ((سعيد رمضان)) مواقفه الكريمة وأثره البالغ في توجيه الشباب العربي وجهة خالصة ويذكرون بالفخار والإكبار جهود الأساتذة ((عبد الرحمن الساعاتي º وعبد المعز عبد الستار º وعبد العزيز أحمد )) وغيرهم من كرام الدعاة والمدربين وما كان لهم من حسن التوجيه وطيب الأثر .
ولقد أدرك اليهود ما ينطوي عليه هذا التدخل من خطر شديد على أهدافها وخططهم فقاموا ينشرون المقالات الطوال في صحف أوربا وأمريكا ويفعمونها بالتهم الخطيرة عن الإخوان المسلمين وحقيقة خطرهم على الولايات المتحدة وبريطانيا وكانوا يحاولون بذلك استعداء الحكومة الأمريكية لتقوم بعمل حاسم وسريع وتستأصل هذا الخطر الإسلامي الذي يهدد مصالحها بالزوال وليس أدل على ذلك من مقال كتبته فتاة صهيونية تدعى ((روث كاريف )) ونشرته لها جريدة ((الصنداى ميرور )) في مطلع عام (1948) ونقلته جريدة ((المصري )) لقرائها في حينه ونحن ننقل بدورنا أهم ما جاء به من التهم ليرى القارئ مدى النجاح الذي أحرزته الدعاية اليهودية حين أقنعت حكومات أوروبا بخطورة حركة الإخوان ودفعتها لمحاربتها بشده قالت الكاتبة في مقالها :
((إن الإخوان المسلمين يحاولون إقناع العرب بأنهم أسمى الشعوب على وجه البسيطة وأن الإسلام هو خير الأديان جميعا وأفضل قانون نحيا عليه الأرض كلها )).
ثم استطردت تصف خطورة حركة الإخوان إلى أن قالت :
(( والآن وقد أصبح الإخوان المسلمون ينادون بالاستعداد للمعركة الفاصلة التي توجه ضد التدخل المادي للولايات المتحدة في شئون الشرق الأوسط وأصبحوا يطلبون من كل مسلم ألا يتعاون مع هيئة الأمم المتحدة فقد حان الوقت للشعب الأمريكي أن يعرف أي حركة هذه وأي رجال يتسترون وراء هذا الاسم الرومانتيكي الجذاب اسم ((الإخوان المسلمين )).
وقالت - وهذا هو بيت القصيد -:
((إن اليهود في فلسطين الآن هم أعنف خصوم الإخوان المسلمين ولذلك كان اليهود الهدف الأساسي لعدوان الإخوان وقد قام أتباعهم بهدم أملاك اليهود ونهب أموالهم في كثير من مدن الشرق الأوسط ويعدون الآن العدة للاعتداء الدموي على اليهود في عدن والبحرين وقد هاجموا دور المفوضيات والقنصليات الأمريكية وطالبوا علنا بانسحاب الدول العربية من هيئة الأمم المتحدة )).
وبعد هجوم عنيف على سماحة المفتى الأكبر وعلى فضيلة الإمام الشهيد ختمت مقالها قائلة :
((وإذا كان المدافعون عن فلسطين -أي اليهود يطالبون الآن مجلس الأمن بإرسال قوة دولية لتنفيذ مشروع التقسيم الذي أقرته هيئة الأمم المتحدة فإنهم لا يطالبون بذلك لأن الدولة اليهودية في حاجة إلى الدفاع عن نفسها ولكنهم يريدون إرسال هذه القوة الدولية إلى فلسطين لتواجه رجال الإخوان المسلمين وجها لوجه وبذلك يدرك العالم كله الخطر الحقيقي الذي تمثله هذه الحركة ))
(( وإذا لم يدرك العالم هذه الحقيقة في وقت قريب فإن أوروبا ستشهد ما شهدته في العقد الماضي من القرن الحالي إذ واجهتها حركة فاشية نازية فقد تواجهها في العقد الحالي إمبراطورية إسلامية فاشية تمتد من شمالي أفريقيا إلى الباكستان ومن تركيا إلى المحيط الهندي )).
ولم يكن هذا المقال هو الأول من نوعه إذ دأبت الصحف على نشر مقالات مطواة من هذا النوع ولم يضيع الإخوان جهدهم في مناقشة هذه الأقوال إذ كانوا يعدون العدة لمناقشتها عمليا حين تلتحم الأسلحة ويبدأ دورها الرهيب فمضوا في خطتهم واستمرت وفودهم ودعاتهم يؤدون دورهم الجليل حتى تشكلت المنظمات العسكرية .
وحين تشكلت المنظمات العسكرية العربية وأخذت تمارس تدريبها قام خلاف بين قواد ((النجادة)) و((الفتوة)) وفطن الإخوان للخطر الكبير الذي ينطوي عليه هذا الخلاف فقاموا بمحاولات كثيرة للتوفيق بين وجهات النظر المتعارضة انتهت باختيار المجاهد الكبير ((الصاغ محمود لبيب )) وكيل الإخوان المسلمين حينئذ للشئون العسكرية منظما لهذه التشكيلات فقبل هذا العمل الجليل وسافر إلى فلسطين وأخذ يباشر تنفيذ برنامجه الحافل الذي أعده لتدريبها وتنظيمها ولكن لم تمض إلا فترة وجيزة حتى فطنت حكومة الانتداب إلى هذه المحاولة وفهمت أن الدعوة الإسلامية تريد أ، تزاحم لتحتل مكان القيادة في النضال المنتظر ومعنى ذلك بوضوح أن تنقلب خطط الإنجليز رأسا على عقب وتفشل سياستهم في فلسطين فقاموا بمطاردة دعاة الإخوان وشبابهم وأمر ((الصاغ محمود لبيب )) بمغادرة البلاد ولقد قدر لكاتب هذه الصفحات أن يشهد بنفسه ناحية من نواحي الإرهاق التي عاناها الإخوان في فلسطين خلال تلك الفترة القاسية .
هذا في فلسطين أما في مصر فقد كان دور الإخوان رئيسيا في تيسير الأمور على النحو الذي سارت عليه ويحذر بنا قبل أن نتكلم عن دور هم العسكري خلال الحرب أن نبين أثرهم البالغ في تهيئة الأمة لقبول فكرة الحرب إذ المعروف أن الجيش المصري لم يشترك في الحرب الفلسطينية إلا استجابة لرغبة الشعب وتمشيا مع إدارته تلك الإدارة التي ظهرت بوضوح في المظاهرات الكبرى التي قادها الإخوان وعمت أنحاء البلاد مطالبة الحكومة بالتدخل الحاسم للقضاء على الدولة الصهيونية الوليدة قبل أن تستقر أقدامها ويصلب عودها وكان إجماع الشعب على هذا الرأي إعلانا لروح جديدة أخذت تسرى في أوصاله بعد أن مزقه الاستعمار ونجح في قتل روح الجهاد في نفوس أبنائه وعلمه زعماؤه نوعا سقيما من الجهاد لا يتجاوز إلقاء خطب (عصماء) أو السير في مظاهرة عاتية تحطم واجهات المتاجر وتقلب عربات الترام وتصل إلى أقصاها من العنف والقوة حين تقذف وجوه رجال البوليس بالحجارة !
وكانت هذه الروح وليدة كفاح مرير دام عشرين عاما وثمرة جهاد متواصل لعوامل الضعف والانحلال لتحويل الشعب عن هذا الطريق الخاطئ وتهيئته تهيئة صحيحة لتحمل أعباء الجهاد المنتج والإقبال على تضحياته وتكاليفه ولقد وضحت هذه النتيجة بأجلى مظاهرها حين أصر الشعب كله على ضرورة العمل الإيجابي السريع لإنقاذ فلسطين والوقوف أمام أطماع الصهيونية ولو أدى ذلك إلى تدخل الجيش للمساهمة في القضاء على الدولة الآثمة ولقد ساعد الإخوان في تحقيق هدفهم هذا كثرة شعبهم التي امتدت في مدن القطر وقراه واجتمع فيها خلاصة شباب مصر المؤمن وكثرة خطبائهم ودعاتهم الذين كانوا يجوبون المدن والقرى داعين الناس إلى الجهاد الديني لإنقاذ الأرض المباركة من خصوم الإسلام الألداء فقامت في البلاد ثورة إسلامية عنيفة كان من ثمارها تلك الحشود الهائلة من شباب مصر التي كانت تتوجه لمراكز الدعوة وكلها شوق إلى القتال وتحرق للجهاد والاستشهاد ولن يستطيع مكابر أ، ينكر على الإخوان جهادهم في هذا السبيل أو يقلل من أهمية هذا الدور التمهيدي للحرب الذي قاموا به فنجحوا في تعبئة القوى الشعبية وتوجيهها وجهة صالحة ونجحوا في حمل الأمة على قبول فكرة الحرب بل والمطالبة بها في إصرار وعناد ووقوف الشعب كله بعد ذلك يؤيد جيشه المحارب ويتحمل في سبيل ذلك الكثير من الضغط والتضييق في حريته وأرزاقه . وأود أن أبين أن هذه النتيجة ليست بالأمر الهين الميسور إذ تقدم الدول المحاربة وساستها كثيراً من الجهد والمال في سبيل إقناع شعوبهم بالحرب وتهيئتهم لخوض صعابها والوقوف أمام مصائبها وويلاتها ويحدثنا التاريخ القريب كيف قام (هتلر) ليقنع الأمة الألمانية أن الحرب هي الوسيلة الوحيدة لألمانيا لتخليصها مما نزل بها من ظلم صارخ وما فرض عليها من قيود قاسية أملتها معاهدة (فرساي) وظل يؤجج نيران هذه الأحقاد فترة طويلة من الزمن وينفق في سبيل ذلك ملايين الجنيهات حتى أصبح كل فرد في ألمانيا يؤمن بالحرب وينادى بالاستعداد لها ولم تكن هذه الأموال والجهود لتنفق عبثا إذ ثبت أ، هذه العقيدة هي التي جعلت ألمانيا تقدم على محاربة دول العالم جميعها وتتقبل الهزائم بعزيمة وجلد وتظل تحارب بشجاعة رغم تفوق خصومها وانهيار حلفائها حتى آخر شبر من ((الأرض العزيزة )) كما كانوا يسمونها .
ولأهمية هذه الناحية في الحروب يجعل العدو أقصى تحطيم روح المقاومة في الشعب حتى ينقلب على كحكومته ويرغمها على الخروج من مسرح القتال وعدم المضي فيه كما في حدث في روسيا في إيطاليا في ختام الحرب العالمية الثانية حين ثار الشعب على حكومته بفعل الهزائم المتوالية واستغلال دعايات الحلفاء لها - كانت النتيجة تسليم إيطاليا واغتيال زعيمها والمحرك الأول لتلك الحرب ولعا هذا ما كان يرمى إليه اليهود من غاراتهم على القاهرة خلال الحرب الفلسطينية ولعلهم كانوا يأملون إضعاف روح المقاومة في الأمة نتيجة الغارات وما تحدثه من هدم وتدمير فتؤثر السلامة والابتعاد عن مسرح القتال .
غير أن تربية الإخوان وتعاليمهم لم تضع هباء إذ ظل الشعب حتى آخر مراحل القتال وما صاحبها من هزائم وانسحابات يتمتع بروح معنوية عالية بل رأيناه يعمد إلى القوة ليرغم الحكومة الضعيفة على عدم قبول الهدنة والتقيد بقرارات مجلس الأمن ومواصلة القتال في عنف وشدة ولا تزال هذه الروح تتألق في صفوفه حتى اليوم هذه الروح التي نأمل أن تواتيها الظروف مرة أخرى لتواصل الجهاد من جديد حتى تقوض أركان الدولة الباغية وتعيد لفلسطين المباركة عروبتها وإسلامها .
وبعد أن علمنا أثر هيئة الإخوان في تهيئة الشعب للحرب وبعد أن علمنا أهمية هذه النتيجة في الجولة الماضية وما يتبعها من جولات نستطيع أن نحكم على عظم الدور الذي لعبه الإخوان في هذه المرحلة الفاصلة من تاريخ الأمة الإسلامية .
والإخوان بعد ذلك لم يكونوا مبتكرين ولا مجددين حين أولوا هذه الناحية كل عنايتهم لأن الإسلام قد أولاها عظيم اهتمامه حين جاء ليثبت هذه المعاني في نفوس المسلمين ويوضح لهم الطريق الذي تسلكه الأمم الحية إن أرادت أن ترد حقا مغتصبا أو تذود عن حياضها بحد السيف وصدق الله العظيم { يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال } {إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس } { ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله علىما حكيما} .