قبل أن تدور معركة بدر الكبرى أسر المسلمون تابعًا للمشركين وسألوه عن عددهم فقال: ألف، فضربوه. ثم سألوه مرة أخرى – وقد قدر التابع ما جره عليه صدقه، فأجاب كاذبًا أنهم أقل من ذلك، فتركوه، فتبسم الرسول - صلى الله عليه وسلم- فسأله الصحابة عما أضحكه فقال ما معناه: "عجبت لكم، إن صدقكم ضربتموه، وإن كذبكم تركتموه"، ثم أخذ التابع بأسلوب النبوة الحكيم فسأله: كم بعيرًا يذبحون كل يوم؟ قال عشرة. فتبين الرسول - صلى الله عليه وسلم- عدد المشركين.
هذا حالنا مع حكام المسلمين، والقياس مع الفارق، فلا الناس هم الناس، ولا الحال هو الحال.. أصلاً وفرعًا وحكمًا.. ولكن وجه العبرة ليس ببعيد.
قلنا لحكام العالم الإسلامي كلهم، من يوم أن قامت جماعة الإخوان المسلمين، إن علة العلل في تخلفنا وضعفنا هو الفرد.. أنتم لا تعنون به ولا بتربيته إسلاميًا، فقالوا علينا: دعاة ثورة ومؤلبو طبقة، وذقنا على أيديهم كل شر وإيذاء. ثم هاهم اليوم يتحدثون عن الفرد الذي عاقبونا من أجل الحديث عنه، ولكن مع الفارق بالطبع في النظرة والأسلوب.
قلنا لهم أن لا صلاح لهذه الأمة الإسلامية بل وغيرها، إلا على أساس من كتاب الله وسنة نبيه. فقالوا إننا رجعيون نريد العودة إلى عهود التخلف وعصور التعصب والانحطاط، وهاهم اليوم يتحدثون عن الشريعة وعن القيم الروحية... ولكن شتان ما بين جعجعة لا نرى طحنًا معها، وبين قول طبقناه عملاً على أنفسنا قبل أن نخرج به إلى الناس.
قلنا إن الشعوب الإسلامية ممزقة من الداخل والخارج، فغرهم مظهر الأمر وبهرج الحياة، وهزئوا مما نقول... وهاهم اليوم يعترفون بما نادينا به بالأمس، وأسأل الله ألا يكون قد فات الأوان، وأن يهيئ لنا من أمرنا رشدًا.
وقلنا لا تحاربوا إسرائيل دولاً، وأنتم على ما أنتم عليه من الفرقة والقطيعة والتمزق، ودعوا اليهود للإخوان المسلمين يحاربونهم حرب عصابات فهي أغيظ لهم وأنكى وأجدى لنا وأنفع فاتهمونا بالعمالة.. وصدّق "النقراشي" قول الإنجليز له بأنهم سيفتحون له مخازن أسلحتهم على القناة، وعارضه "إسماعيل صدقي" في مجلس الشيوخ لما يعرفه من خداع الإنجليز، وفتحت مخازن السلاح البريطاني أول أيام الحرب، وأغلقت اليوم الثاني مباشرة.. وكانت الهزيمة والفضيحة والعار..
الاتحاد الاشتراكي ... مهزلة
وقلنا: فضوا الاتحاد الاشتراكي فهو مهزلة فطالبونا بالانضواء تحت لوائه، فلما أبينا -لما نعلمه عنه من سوء حاله وفساد تصرفاته- ادعوا علينا أننا نعمل على تفريق الوحدة الوطنية، وهاهم قد أزالوا الاتحاد الاشتراكي ووصموه بأنه صنم، وإن كانت بعض معالمه ما زالت بارزة للعيان.
وهكذا كلما صدقناهم النصح كذبونا، وعادوا واعتدوا علينا بأبشع الاعتداء وألصقوا بنا أبشع التهم، تعقبونا بالبلايا بقصد إفنائنا والقضاء علينا.. وقدروا وقدر الله.. وكان الله أقوى من كل محاولة.. ? وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكöرöينَ? (آل عمران:54)