يجب على كل مكلف شرعاً الإيمان بالملائكة: وذلك بأن يعتقد اعتقاداً جازماً بأنهم موجودون. وبأنهم مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون. وبأنهم قادرون على التشكل بالأشكال الحسنة المختلفة. وهم لا يوصفون بذكورة ولا بأنوثة: فمن قال إنهم إناث كفر، ومن قال إنهم ذكور فسق أي "ارتكب معصية صار بها فاسقاً" وهم لا يتزوجون، ولا يأكلون ولا يشربون، ولا ينامون، وهم أنواع كثيرة: فمنهم حملة العرش ومنهم رسل الوحي، ومنهم الكتبة، والحفظة، والموكلون بقبض الأرواح، ورئيسهم ملك الموت، والموكلون بالأرزاق، ورئيسهم ميكائيل، والموكلون بالجنة ورئيسهم رضوان، والموكلون بالنار ورئيسهم مالك، ومنهم القائمان بالسؤال في القبر، ومنهم ملائكة ذكرت أسماؤهم في كتاب الله تعالى، وهم جبريل، وميكائيل ومالك. فالواجب علينا بالنسبة لمن ذكر بنوعه أن نصدق بالنوع الذي ذكر كحملة العرش وغيرهم، ومن ذكر بشخصه وجب علينا التصديق بشخصه كجبريل وميكائيل ومالك. والأدلة على ما ذكر أدلة قطعية من كتاب الله تعالى، ومعانيها لا تحتمل غير ما ذكر.
الدليل على وجود الملائكة، ووجوب الإيمان بهم:
قال تعالى: {ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً} [النساء: 136]. وقال تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كلّñ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله} [البقرة: 285]. وفي وصفهم قال الله تعالى: {وقالوا تخذ الرحمن ولداً سبحانه، بل عبادñ مكرمون. لا يسبقونه بالقول. وهم بأمره يعملون. يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، وهم من خشيته مشفقون} [الأنبياء: 26-27-28]. وقال تعالى: {وله من في السموات والأرض، ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون. يسبحون الليل والنهار لا يفترون} [الأنبياء: 29-30]. فهم لا ينامون ولا يكسلون عن عبادة الله أبداً. وفي تشكلهم بالأشكال الحسنة: قال تعالى في الذين نزلوا في صور آدميين حسان الوجوه شبان على سيدنا لوط عليه السلام: {قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك} [هود: 81]. وقال تعالى في الملك الذي أرسله إلى الصديقة مريم ليبشرها بحملها بعيسى عليه السلام: {فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً} [مريم: 17]. وأنكر الله على الكفار وصفهم الملائكة بالأنوثة، وتوعدهم على ذلك. قال تعالى: {وجعلوا الملائكة الذين هم عبادñ الرحمن إناثاً، أشهدوا خلقهم؟ ستكتب شهادتهم ويسألون} [الزخرف: 19]. وأما المنع من وصفهم بالذكورة فسببه أن الله تعالى لم يصفهم بذلك، فالذي يصفهم بذلك يعتبر كاذباً مفترياً، وبناء على عدم جواز وصفهم بالذكورة أو الأنوثة يجب الاعتقاد بأنهم لا يتزوجون، ولا يتناسلون. ومن الافتراء على الله تعالى أيضاً القول بأنهم يأكلون أو يشربون، فإن أمرهم غيبي لا يعلمه إلا الله، ولا يجوز لنا أن نصفهم إلا بما وصفهم الله به، لا نزيد ولا ننقص. وفي حملة العرش قال تعالى: {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا} [غافر: 07]. وفي الكتبة الذين يكتبون الحسنات والسيئات: قال تعالى: {وإن عليكم لحافظين. كراماً كاتبين. يعلمون ما تفعلون} [الانفطار: 10-11-12]. وفي الحفظة الذين يحفظون الإنسان من كل شر سوى ما قدر عليه: قال تعالى: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11]. أي للإنسان ملائكة يتناوبون حفظه من بين يديه ومن خلفه، أمرهم الله بذلك وقد فصل الحديث مدة نوبتهم فقال صلى الله عليه وسلم: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم – وهو أعلم بهم – كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون". رواه الشيخان والنسائي. وفي ملك الموت قال تعالى: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} [السجدة: 11]. وفي أعوانه قال تعالى: {حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون} [الأنعام: 61]. والآيات في خزنة الجنة، وخزنة النار وغيرهم من الأنواع كثيرة في كتاب الله تعالى فارجع إليها إن شئت. وفي ذكر جبرائيل وميكائيل ومالك. قال تعالى: {من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدوñ للكافرين} [البقرة: 98]. وقال تعالى: {ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال: إنكم ماكثون} [الزخرف: 77].
حكم إنكار الملائكة
دل على وجود الملائكة الكتاب والسنة والإجماع فمنكر وجودهم كافر.
من أي شيء خلقوا وما حقيقتهم؟
ورد في حديث صحيح أنهم خلقوا من نور. فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم" رواه أحمد والنسائي، أما حقيقتهم فالله أعلم بها، لأن القرآن والسنة لم يذكرا شيئاً عن حقيقتهم وكل ما ذكر أن لهم أجنحة مثنى وثلاث ورباع، وورد أن جبريل له ستمائة جناح كما ثبت بالدليل القطعي أنهم أقوياء جداً فهم الذين حملوا قرى قوم لوط وقلبوها. ومنهم حملة العرش وبصيحة من ملك هلك قوم صالح، وبنفخة في الصور من الملك يصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، وبنفخة أخرى يبعث الخلائق أجمعون. وبالجملة فالملائكة عالم خلقه الله تعالى على حقيقة يعلمها الله. وهذا العالم من الملائكة ينفذ أوامر الله تنفيذاً دقيقاً فهو أشبه بالإدارة الربانية التي تتلقى الأوامر من الله لتنفيذها، وهذه الإدارة مكانها السماء، فهي مسكن الملائكة. وليس الله تعالى في حاجة إليهم ولا إلى غيرهم، لأنه تعالى غني عن كل ما سواه، لكنه تعالى كما قال: {وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة} [القصص: 68]. وكما قال تعالى: {فعالñ لما يريد} [البروج: 16]. فالعالم كله عالمه وهو تعالى مدبر أمره، والأعلم بشأنه. ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ولا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء.
عصمة الملائكة
قول جمهور العلماء – وهو الحق الذي تدل عليه الآيات السابقة – أن الملائكة معصومون من الذنوب ومخالفة الله تعالى في أي أمر، وما ورد في القرآن مما يوهم غير لك يجب حمله على الوجه المناسب لعصمتهم. فمن اعترض بأن إبليس كان من الملائكة فعصى، أجيب بأن الله توصف الملائكة بأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، وقد ذكر القرآن أن إبليس كان من الجن كما استثنى من الملائكة وذلك يدل على أنه منهم. والتوفيق السليم أن يقال: إن إبليس كان من الجن حقيقة، وكان من الملائكة حكماً، أي إنه لشدة عبادته وبعده عن المخالفة أول الأمر كان شبيهاً بالملائكة فأخذ حكمهم. ومن اعترض بقول الملائكة لله في آدم قبل خلقه: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} [البقرة: 20]. أجيب بأن الملائكة لم ترد بهذا القول غيبة آدم ولا تزكية أنفسهم ولا الظن السيء كما قد يتوهم، إنما أرادوا السؤال عن الحكمة في خلق آدم في الأرض، وكانوا قد علموا عن الله تعالى ما يحصل من ذريته من الإفساد، أو كان قولهم سببه أن الأرض كانت مسكونة قبل آدم بمخلوقات أفسدت وسفكت الدماء. ومن اعترض بأن هاروت وماروت كانا ملكين فعلما الناس السحر، وتعلم السحر للسحر معصية، أجيب بأن هاروت وماروت قيل إنهما كانا ملكين بكسر اللام، وقرئ بذلك، وحينئذ فلا إشكال لأنهما آدميان، والقول الثاني أنهما نزلا بأمر الله في زمن كثر فيه السحر والسحرة ودعوى السحرة أنهم أنبياء، لأنهم يأتون بأمور خارقة للعادة فنزل الملكان في صورة بشر وعلما الناس علم السحر حتى يكذبوا السحرة في ادعائهم النبوة، وتعلم السحر للتوقي من ضرره غير محظور وغير ممنوع. بل قد يكون مطلوباً وبهذا تثبت عصمة الملائكة، وتسقط الاعتراضات الموجهة إليهم.