(9)
هرتزل والسلطان عبد الحميد
لم يتوقف اليهود عن خططهم في الاستيلاء على فلسطين وإقامة دولتهم على أنقاض شعبها.
حدود إسرائيل
ودولة إسرائيل في نظرهم كبيرة وممتدة.. وما دولتهم الحالية إلا رأس جسر يثبتون فيه أنفسهم ليمتدوا بعد ذلك نحو أرضهم التي حددتها لهم التوراة من دجلة إلى النيل.
· (فقد وجدت في خزانة روتشيلد خارطة كتب عليها مملكة إسرائيل. وتضم هذه الخريطة فلسطين والأردن وسوريا ولبنان ووسط العراق وجنوبه وصحراء سيناء ودلتا النيل والمدينة المنورة والأراضي الواقعة في شمالها بين بني قريظة وبني النضير وخيبر).
· وفي خطاب بن غوريون الذي ألقاه في 19 أيار (مايو) 1944م ذكر: أن خريطة فلسطين الحالية، إنما هي خريطة الانتداب.. وللشعب اليهودي خريطة أخرى، يجب على شباب اليهود أن يحققوها، هي خريطة التوراة التي جاء فيها (وهبتك يا إسرائيل ما بين دجلة والنيل).
وللوصول إلى هدفهم تآمروا على الدولة القيصرية في روسيا.. وتحالفوا مع فرنسا ثم مع بريطانيا وأخيرا مع أمريكا.. كما شجعوا الحروب العالمية.. وتآمروا على الدولة العثمانية.. حتى أينعت ثمرتهم وحان قطافها بعد الانقلاب على السلطان عبد الحميد عام 1909م.
ويعتبر تيودور هرتزل (1860-1904م) صاحب كتاب الدولة اليهودية، أول من بدأ الحركة الصهيونية كحركة سياسية حين قام عام 1894م بنشر كتابه (الدولة اليهودية) وهو بالأصل رسالة موجهةإلى ادموند روتشيلد وعموم أفراد هذه الأسرة اليهودية الثرية ملتمسا منهم إنقاذ الشعب اليهودي. عمل هرتزل على عقد مؤتمر بال في سويسرا في أغسطس عام 1897م. ومما جاء في كلمته في افتتاح المؤتمر: (إننا هنا لنضع حجر الأساس في بناء البيت الذي سوف يؤوي الأمة اليهودية) واقترح برنامجا من ثلاث نقاط هي:
· تشجيع حركة الهجرة اليهودية إلى فلسطين.
· السعي للحصول على اعتراف دولي بشرعية التوطن في فلسطين.
· كسب جميع يهود العالم إلى صف الفكرة الصهيونية.
وفي ختام المؤتمر كتب هرتزل في مذكراته ما يلي:
(لو أردت أن أختصر بال في كلمة واحدة لقلت: في بال أسست الدولة الصهيونية، وبعد خمسين سنة على وجه التأكيد، سيرى هذه الدولة جميع الناس) .
هرتزل والسلطان عبد الحميد
كان من الطبيعي أن يتجه هرتزل بأنظاره نحو استانبول عاصمة الخلافة العثمانية.. فهناك يقبع السلطان عبد الحميد.. الذي يمرّ بأزمات متلاحقة.. وهناك سيضع أموال اليهود تحت قدميه، وسيعرض عليه أن تكون جميع إمكانات اليهود في العالم تحت تصرفه مقابل أن يسمح بهجرة اليهود إلى فلسطين.. ولكن الأمور سارت في استانبول على عكس ما يشتهي.. فلم يستطع مقابلة السلطان ونقل إليه صديقه نفلنسكي رد السلطان الذي جاء فيه:
(على الهر هرتزل أن لا يتقدم خطوة واحدة أخرى في هذا الشأن. لا أستطيع أن أبيع بوصة واحدة من البلد لأنه ليس ملكي بل ملك شعبي. لقد أوجد هذه الإمبراطورية وغذّاها بدمه، وسنغطيها مرة أخرى بدمنا قبل أن نسمح بتمزيقها. إن الشعب العثماني هو مالك هذه الإمبراطورية لا أنا. لا أستطيع التخلي عن أي جزء منها. يستطيع اليهود أن يوفروا ملايينهم حين تقسم الإمبراطورية قد يأخذون فلسطين مقابل لا شيء. لكن لن تقسم إلا على جثثنا لأنني لن أسمح أبدا بتشريحنا ونحن أحياء).
لا يسمح المقام هنا أن نعلق على هذه الرسالة التي ينبغي أن تكتب بماء الذهب، ويتعلمها الأبناء فيعرفون معنى الأوطان.. ويتعلمها الساسة فيعرفون كيف يحافظون على الأمانة والعهود..
وفهم هرتزل الرسالة.. فاتخذ قراره من فوره وهو: أن السيطرة على فلسطين لا تتم إلا عن طريق انهيار الإمبراطورية العثمانية وتقطيع أوصالها..
ولا يظن القارئ أن السلطان عبد الحميد الذي اشتهر بحنكته وذكائه كان يجهل عاقبة هذا الموقف.. بل لقد اطلع بدقة على المقررات الضمنية لمؤتمر بال الذي عقد في سويسرا عام 1897م والتي من أهمها القرار التالي:
(في حال استمرار رفض السلطان عبد الحميد للمطالب الصهيونية فإن تحطيم الإمبراطورية التركية شرط أساسي لإقامة حكومة صهيونية في فلسطين).
وفي الرسالة التي بعث بها السلطان إلى الشيخ محمود أبو الشامات عام 1911م يذكر فيها أن سبب خلعه من السلطة هو إصرار اليهود عليه بأن يصادق على تأسيس وطن قومي لليهود في الأرض المقدسة.. فرفض وذكر لهم أنهم لو دفعوا له ملء الأرض ذهبا فلن يرضى بذلك.
لقد دفع السلطان المسلم ملكه ثمنا للدفاع عن القدس وفلسطين.. فكان أغلى ثمن لأغلى قضية.