(22)
حركة الإخوان المسلمين في فلسطين
الحديث عن فلسطين يقتضي بالضرورة الحديث عن دور الإخوان المسلمين فيها.
لقد اعتبر الإخوان المسلمون القضية الفلسطينية قضيتهم الأولى، وشهد المركز العام في القاهرة الإمام البنا وفضيلة المفتي الحسيني يشرحان لشباب الإخوان أهمية قضية فلسطين وضرورة العمل على إنقاذها.
وفي الوقت الذي كان عموم الشعب المصري يجهل موقع فلسطين.. كان الإمام حسن البنا يعد الشباب نفسيا وإيمانيا وجسميا ليأخذوا دورهم في عملية تحرير فلسطين من الإنكليز واليهود على السواء.
حاول الإخوان إيجاد نواة للدعوة في فلسطين.. وشارك شبابهم في حركة عز الدين القسام عام 1935، وكان لهم دور واضح في ثورة فلسطين الكبرى عام 1936.. وفي جميع الثورات التي حدثت بعد ذلك.
ومن أجل فلسطين خاض الإخوان صراعا على عدة جبهات:
· على جبهة الحكومة المصرية التي كانت تشكك في نوايا الإخوان..
· وعلى جبهة اليهود الذين كانوا يخشون اشتراك الإخوان في الكفاح المسلح في فلسطين، الأمر الذي جعلهم يشنون عليهم حملة دعائية هائلة في كل مكان.. كتبت صحيفة الصنداي ميرور البريطانية في مطلع عام 1948 مقالا بقلم الكاتبة الصهيونية (روث كاريف) قالت: (الآن وقد أصبح الإخوان المسلمون ينادون بالاستعداد للمعركة الفاصلة ضد تدخل الولايات المتحدة في شؤون الشرق الأوسط، وأصبحوا يطلبون من كل مسلم ألاّ يتعاون مع هيئة الأمم المتحدة، لقد حان للشعب الأمريكي أن يعرف أي حركة هذه. وإذا لم تدرك أمريكا وأوروبا حقيقة هذه الحركة، فستشهد ما شهدته في العقد الماضي، إذ واجهتها حركة فاشية نازية، فقد تواجهها في العقد الحالي إمبراطورية إسلامية فاشية).
· وعلى جبهة الإنكليز.. فقد بدأوا يحيكون الخطط بالتعاون مع أركان الحكومة المصرية للتخلص من الجماعة..
انتهاء الانتداب البريطاني
مع انتهاء الانتداب البريطاني في 15 مايو 1948، طلب الإخوان من حكومة النقراشي السماح لهم بإدخال فوج من مجاهديهم ليرابطوا في الجزء الشمالي من النقب، فرفضت الحكومة.. مما اضطر بعض الإخوان إلى طلب السماح لهم بالقيام في رحلة علمية إلى سيناء ومن ثم تسللوا سرا إلى فلسطين، ولحقت بهم دفعات أخرى تسللت بطرق مختلفة. وبدخول هذا الفوج في فبراير 1948 بدأ القتال الفعلي في صحراء النقب. وتجمع حول المجاهدين.. إخوانهم من عرب فلسطين.. ولم تمض إلا أسابيع قليلة على بداية الصدام حتى حمل الإخوان لواء الجهاد ونجحوا في إدخال أعداد كبيرة من خيرة شبابهم من مصر وسوريا وشرق الأردن.
قوات الإخوان المسلمين
· القوة الأولى كانت ترابط في النقب.
· القوة الثانية بقيادة اليوزباشي محمود عبده أوكلت لها مهمة الدفاع عن مرتفعات صور باهر الحصينة بجوار القدس. وهناك لحقت بها قوة كبيرة من متطوعي الإخوان المسلمين في الأردن بقيادة المجاهد عبد اللطيف أبو قورة المراقب العام للإخوان المسلمين وشكلوا معا قوة مشتركة.
· وفرقة ثالثة جاءت من إخوان سوريا يقودهم المجاهد مصطفى السباعي المراقب العام للإخوان المسلمين، عملت بهمة ونشاط في مناطق المثلث والقدس، وكانت هناك مجموعات أخرى شكلتها شعب الإخوان في فلسطين تعمل في المناطق الشمالية والوسطى تحت القيادة العربية المحلية.
أول عمل قامت به الجيوش العربية عندما دخلت إلى فلسطين هو حل المنظمات الشعبية الجهادية ومصادرة أسلحة الفلسطينيين واتهامهم بالتعاون مع السلطات الإسرائيلية.. أما الإخوان فقد حملوا لواء التعاون مع الشعب الفلسطيني المجاهد ومع منظماته الشعبية الصادقة.. كما وأثبتوا أن تعاون الفلسطينيين مع اليهود إنما هو فرية من صنع اليهود لإضعاف التأييد العربي والإسلامي للمجاهدين من جهة، وحتى تتمكن الجيوش العربية بقيادة الملك عبد الله من تنفيذ مخططات متفق عليها مع بريطانيا.
الإخوان في النقب
أولى المعارك التي خاضها الإخوان المسلمون في النقب كانت معركة كفار ديروم الأولى.. وكفار ديروم هي مستعمرة يهودية تقع على طريق المواصلات الرئيس الذي يربط فلسطين بمصر.
هاجم الإخوان المستعمرة في وقت مبكر من صباح 14 أبريل 1948. وأظهروا من ضروب البطولة والتضحية ما لا يمكن حصره وتصوره.. ومع ذلك فقد اضطروا للانسحاب يحملون شهداءهم وجرحاهم الذين يربو عددهم على العشرين.
واستوعب الإخوان الدرس.. فبدلوا خططهم وقرروا أن ينازلوا اليهود في أرض مكشوفة.
وهكذا نظم الإخوان أنفسهم ضمن مجموعات تشن حرب عصابات تشمل صحراء النقب بأكملها. ومضوا يخرجون في عصابات تدمر شبكات المياه وتنصب الكمائن على طرق المواصلات، وتضطر العدو إلى تعيين قوات كبيرة من المشاة لحماية منشآتهم.. وعندما تخرج هذه القوات من حصونها تجد قوات الإخوان لها بالمرصاد.
القائد أحمد عبد العزيز
لم تسمح الحكومة المصرية لمزيد من كتائب الإخوان بالانتقال إلى فلسطين، ولكن الضغط الشعبي اضطر الحكومة للموافقة على تشكيل فرق من المتطوعين يقودها ضباط من الجيش، تتولى الجامعة العربية تدريبها والإنفاق عليها.. ورحب الإخوان بالفكرة، وتدفق متطوعوهم.. وامتلأت بهم ساحات المركز العام وكان يشرف على تنظيم وتدريب هؤلاء المجاهد الصاغ محمود لبيب وكيل الإخوان المسلمين وقائد وحداتهم العسكرية.
وفي 25 أبريل 1948 تحركت أول كتيبة إلى الميدان بقيادة البكباشي أحمد عبد العزيز، وكانت من أنشط الكتائب في مواجهة العدو..
بدأ أحمد عبد العزيز البداية الخاطئة نفسها التي بدأتها كتيبة الإخوان الأولى من قبل، فهاجم كفار ديروم المستعمرة اليهودية الهامة واضطر أن يدفع ثمنا باهظا تمثل في أكثر من سبعين شهيدا من خيرة شباب الإخوان وحوالي خمسين جريحا كان من بينهم الضابط الإخواني معروف الحضري.
بعد هذه المعركة عاد أحمد عبد العزيز إلى حرب العصابات.. يضرب العدو في ساحات مكشوفة. ولقد أزعج اليهود إزعاجا شديدا وحرم عليهم التجول في صحراء النقب.
كان مقدرا لهذه القوات أن تقوم بدور أكثر فعالية.. لولا أنها التحقت بقوات الجيش المصري الذي دخل فلسطين.. وولاه قائد الجيش (أحمد محمد علي المواوي) قيادة منطقة بئر السبع بشرط أن لا يتجاوزها إلى الشمال.. ومع ذلك فعندما استنجد به أهل الخليل أرسل قواته إلى هناك. مما فاقم الخلاف بينه وبين الجيش، لأن هذه المنطقة كانت من المناطق التي يشرف عليها الجيش الأردني.
الإخوان في الخليل وبيت لحم
اتخذ أحمد عبد العزيز من مدينة بيت لحم مركزا له، بينما القوات الأردنية تتخذ من دير (مار الياس) القريبة مقرا لقيادتها، وكان الجيش الأردني مشتبكا مع مستعمرة (رامات راحيل) على طريق بيت لحم - القدس غير أنه فشل في اقتحامها.. فقرر أحمد عبد العزيز القيام بهذا الأمر. بدأ الهجوم يوم 24 مايو وانتهى يوم 26 مايو 1948، دمرت فيه المستعمرة ومني العدو بخسائر هائلة فقد زاد عدد قتلاه عن مائتي قتيل مقابل تسع شهداء من الإخوان.. وعندما هاجم اليهود مقر القيادة الأردنية في مار الياس واحتلوها.. لم يجد الإخوان بدا من معاودة احتلالها.. كما هدموا أبراج تل بيوت القريبة. وبينما كان المجاهدون يعدون أنفسهم للوثوب إلى القدس الجديدة إذا بالدول العربية تقبل بالهدنة الأولى لمدة أربعة أسابيع اعتبارا من 11 يونيو 1948.
في الهدنة الأولى التي فرضها مجلس الأمن وقبلتها الحكومات العربية.. لم يتزود اليهود بما يحتاجونه من الأسلحة والعتاد واستقدام المقاتلين والضباط من الخارج فقط.. بل واغتنموا فرصة وقف إطلاق النار ليحتلوا كثيرا من المواقع الهامة الاستراتيجية احتلوا العسلوج وهي بلدة هامة جدا بالنسبة لمواصلات الجيش المصري.. ولقد حاول الجيش إعادة احتلالها فأخفق.. ومع ذلك تمكنت قوة الإخوان بقيادة الضابط الملازم يحيى عبد الحليم من تحريرها وتكبيد العدو خسائر فادحة.
حاول اليهود يوم 18 أغسطس 1948 احتلال جبل المكبر في القدس والهجوم على مرتفعات صور باهر حيث ترابط قوات الإخوان لأخذهم على حين غرة. واستطاع الإخوان بقيادة محمود عبده أن يكبدوا اليهود خسائر جسيمة في الأرواح والمعدات.. حاول اليهود في اليوم التالي القيام بهجوم مضاد ولكن قوات الإخوان حطمته وفرضت الأمر الواقع.
وفي ذروة الانتصارات التي حققها الإخوان بقيادة أحمد عبد العزيز، تصيب رصاصة تنطلق بطريق الخطأ القائد.. فيستشهد من فوره..
وبموته طويت صفحة من أمجد صفحاتنا العسكرية ودفن في غزة حيث احتل جميع قلوب الإخوان وأهل فلسطين معهم..
كتيبة المتطوعين الثانية
تم تدريب هذه الكتيبة التي كان على رأسها الأخ صلاح البنا، والتي كان مقررا لها أن تستقر في مدينة بئر السبع.. وعندما استشهد أحمد عبد العزيز تقرر دمجها مع كتيبته وضم المتطوعين الآخرين من السودانيين والليبيين إليها وتمركزت في مدينة الخليل وقد أطلق عليها (القوة الخفية). حافظت هذه القوة على منطقة الخليل وبيت لحم وقامت بتسليمها لقوات شرق الأردن بعد إعلان الهدنة.
الهجوم على صور باهر مركز قيادة الإخوان
في منتصف أكتوبر كانت الجبهة الجنوبية مسرحا لعمليات واسعة النطاق، هوجمت فيه الفالوجة بعنف شديد وتعرضت المجدل لقصف جوي مركز، وحاول اليهود السيطرة على صور باهر مركز قيادة الإخوان.. ولكن الإخوان نجحوا في صد هجمات العدو وألحقوا بهم خسائر كبيرة. وقد أمرت قيادة الجيش المصري بإطلاق اسم (تبة الإخوان المسلمين) على مرتفع مشرف كان يطلق عليه اسم (تبة اليمن) يشرف على كامل المنطقة، حاول العدو احتلالها وتمكن الإخوان من استخلاصها.
يئس العدو من اقتحام الخليل وبيت لحم لوجود الإخوان فيها.. ولكنه نجح في هجومه على مناطق أسدود والمجدل التي يتواجد فيها الجيش المصري.. كما تمكن من الإيقاع بقوة كبيرة من الجيش المصري حاصرها في الفالوجة وظل يحاصرها حتى نهاية الحرب.
كان القائد الإخواني معروف الحضري يقود مجموعة فدائية، استطاعت اختراق خطوط العدو، وإيصال المواد الغذائية للمحاصرين وفيهم جمال عبد الناصر.
قرار حل الإخوان المسلمين واغتيال الإمام الشهيد
ومكافأة للإخوان على هذه التضحيات العظيمة التي بذلوها في ميدان الجهاد في فلسطين.. فقد قامت حكومة النقراشي بحلّ جماعة الإخوان المسلمين في مصر.. وحتى لا يفت هذا القرار في عضد الإخوان، جاءهم أمر من فضيلة المرشد أن يتركوا مصر لمن فيها وأن ينصرفوا لجهادهم وأن لا يتأثروا بالأحداث فالجهاد أولى..
أقرت الهدنة.. وعادت قوات الإخوان.. ولكن ليس إلى مصر لتستقبلهم وتضمهم إلى صدرها بما قدّموا من تضحيات.. ولكن إلى معسكرات الاعتقال في رفح والعريش!
كان المرشد العام يعدّ العدة لدخول فلسطين بجيش إسلامي كبير، فقد أعلن أنه تصدق بدماء عشرة آلاف مجاهد لتحرير فلسطين، ولكنهم عاجلوه.. وكانوا أسبق منه للأسف الشديد.
كانت خطة القيادة السياسية في القاهرة بأن يجرد الجيش الإخوان من أسلحتهم.. ولكن قيادة الجيش.. لم تر ذلك وكيف يفعلون وهم رفاق دربهم في الجهاد والمجموعة التي كانت تحمي ظهورهم في أوقات الخطر؟
استمر الإخوان في فلسطين يمارسون دورهم الجهادي المطلوب.. بالرغم من عمق المأساة وغور الجراح. وانتهت معركة الحق والباطل بأن قتلوا الإمام الشهيد وحوّلوا أبطال الإخوان المجاهدين إلى معسكرات الاعتقال.. ليكونوا عبرة لكل من تسول له نفسه بأن يرتكب جريمة الجهاد في ظل الطغاة.
الحركة الإسلامية في الضفة الغربية وقطاع غزة
كتب الكثيرون حول المحن المتلاحقة التي حلت بالإخوان المسلمين منذ أربعينات هذا القرن وحتى اليوم.. وأرجعوها في معظم أسبابها إلى موقف الإخوان من قضية فلسطين، فقد كشفوا قوتهم وصلابتهم للأعداء..
وهذا المنطق صحيح ولا شك من وجهة نظر الانتهازيين.. ولكنه منطق مرفوض عند حركة الإخوان المسلمين التي جعلت الجهاد في سبيل الله لتحرير الأوطان من أولى واجباتها.
بعد احتلال فلسطين عام 1948 أصبح إخوان الضفة الغربية جزءا من تنظيم الإخوان في الأردن.. وأصبح إخوان غزة على ارتباط مع الإخوان في مصر.
رابطة الطلبة الفلسطينيين
· الطلاب الفلسطينيون (ومعظمهم من قطاع غزة) الذين تلقوا دراستهم في الجامعات لمصرية، شكلوا رابطة الطلبة الفلسطينيين بالقاهرة والتي سيطر على مجلس إدارتها الإخوان أو أصدقاؤهم وكان من أبرز هؤلاء ياسر عرفات وسليم الزعنون وصلاح خلف وعبد الفتاح الحمود.. وقد أصبح هؤلاء المؤسسين لحركة فتح فيما بعد.
· في السنوات اللاحقة، ورغم ظروف العمل السري، شارك الإخوان في قطاع غزة بفعالية في إفشال مشروع سيناء للتوطين (وهو مشروع اتفقت عليه الحكومة المصرية ووكالة الغوث في يونيو 1953 يرمي إلى توطين اللاجئين من سكان غزة في سيناء). كما شارك الإخوان في إفشال مشروع التدويل (وهو مشروع ليستر بيرسون وزير خارجية كندا الذي تقدم به للأمم المتحدة عام 1956 يطالب بتدويل القطاع).
معسكرات الشيوخ في الأردن
كانت فلسفة التحرير عند بعض الإخوان في غزة تقوم على نظرية قيام دولة إسلامية تتولى تحرير فلسطين. بعد حرب عام 1967.. وتصاعد العمل الفدائي في الأردن.. اتخذ المكتب التنفيذي للإخوان المسلمين في البلاد العربية قرارا بإحداث معسكر في الأردن تحت مظلة فتح يقوم الإخوان فيه بتدريب عناصرهم والمشاركة في الجهاد على أرض فلسطين.
انضمت عناصر قليلة نسيا للمعسكر ،كان أكثرهم من إخوان سوريا وقليل منهم من إخوان الأردن والسودان واليمن والكويت.. .
كان قائد المعسكر الشهيد صلاح حسن.. وهو من خيرة شباب الإخوان من مصر. ولقد استطاع بنشاطه وحيويته وروحانيته، أن يحرك الخمول الذي ران على قلوب الإخوان من خلال سنين المحن والانغلاق، وإذا بمعسكر الشيوخ (كما كانوا يسمونه) يعيد الحيوية لشباب الإخوان.. وإذا بهؤلاء الشباب يسجلِون مِن جِديد علامات فارقة في عمليات مميزة أحس العدو لسعها وعمق تأثيرها.. ذكرته بعمليات إخوانهم من قبل في النقب والخليل وصور باهر عام 1948م.
يروي عبد الله عزام في كتابه حماس (الجذور التاريخية والميثاق) بعض خواطره عن هذه الفترة فيقول:
(عندما حدث الصدام بين الجيش الأردني والفدائيين، ودخل الجيش لضرب قواعدنا.. جاء الأهالي في المناطق التي كانت قواعدنا في أكنافهم وقالوا: نحورنا دون المس بهم وصدورنا دون إيذائهم، لقد عرفناهم معلمين لأبنائنا، وأئمة وخطباء لمساجدنا، وحراسا أوفياء لقرانا ومزارعنا).
كان دايان وزير الدفاع اليهودي أرسل بعض المراسلين الأجانب في جولة على الحدود مع الأردن ليثبت لهم كيف قضوا على العمل الفدائي.. وإذا بالشيوخ يخرجون من باطن الأرض ليثبتوا لديان كذب ادعائه وليوقعوا بالعدو خسائر كبيرة..
كان القائد صلاح حسن يعد لعمليِة سيد قطِب.. ورتِب الخطة وأشرف بنفسه على التجهيزات وزرع الصواريخ، ولكن قدره عاجله فسقط شهيدا.. وشيعت جنازة الشهيد بوداع مهيب في مطار عمان.. وفي مطار الكويت.. حيث دفن هناك.
وانتهت الحركة الجهادية عام 1970.. فقد صفى الجيش الأردني قواعد الفدائيين.. وتعقبهم إلى جرش في آخر حصونهم.. بينما انسحب الإخوان ولم يروا مقاتلة الجيش الأردني..
الصحوة الإسلامية في فلسطين
إن حرب عام 1967 واحتلال كامل فلسطين ومعها القدس الشريف، ومحاولة تهويدها وإحراق مسجدها الأقصى، وحرب عام 1973، وانكشاف أمر حكام العرب الذين أمضوا أكثر من عشرين سنة يتاجرون بفلسطين وبتحريرها، وسقوط الأحزاب العلمانية والقومية والاشتراكية والليبيرالية التي ملأت الساحة ضجيجا فارغا، كل هذه الأسباب.. وغيرها كانت من العوامل التي أيقظت الشعور الديني وأشعلت الصحوة الإسلامية في المنطقة العربية والإسلامية وفلسطين بصورة خاصة.
وإذا كان للعوامل الخارجية والإقليمية وانتشار الصحوة الإسلامية في معظم الأقطار الإسلامية دور بارز في تنمية الوعي الإسلامي في فلسطين.. إلا أن هناك مجموعة من العوامل الداخلية التي أحدثت آثارا لا تقل أهمية عن العوامل الخارجية:
· فبروز التيارات الصهيونية المتعصبة في فلسطين المحتلة، وسياسات القمع والملاحقة والاعتقال الإداري ومصادرة الأراضي وإقامة المستوطنات،
· ومحاولة تهويد البلد وإقامة الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى وتحدي المسلمين في مشاعرهم ومقدساتهم ومصالحهم،
· وفشل حركة المقاومة الفلسطينية، واعتمادها الحلول السلمية على حساب سياسة الكفاح المسلح،
كل ذلك ساهم في زيادة الوعي الإسلامي.. ولجوء الفلسطينيين إلى الإسلام كملاذ للخلاص. ولقد قامت خلال هذه الفترة عدة مؤسسات إسلامية مثل:
· الجمعيات الخيرية التي تشرف على المدارس الدينية ورياض الأطفال والمكتبات والنوادي الرياضية.
· لجان الزكاة التي بدأت تنتشر في أرجاء فلسطين يمولها أغنياء الفلسطينيين في الخارج والجمعيات الإسلامية في الكويت خاصة وبقية مناطق الخليج الأخرى.
· الجامعات في الخليل ونابلس وبير زيت والجامعة الإسلامية في غزة كانت من المنابر الهامة في إبراز رسالة الطالب المسلم الفلسطيني.
· زيادة عدد المساجد وتحويلها إلى قاعات للتربية والتعليم.
لهذه الأسباب الداخلية والخارجية قامت مجموعات من الحركات الجهادية في فلسطين.
روى (الإخِِوان المسلمِِِون) تِِراب فلسطين بدمائهِِِِِم، وكادوا - لولا المؤامِِِِِِرة- أن يجهِِضوا المخطِِِِط الصهيوني.. ودفعوا ثمن ذلك باهظا: قتل مرشِِِِِدهم (حسِِِِِن البنا) والزج بهم في السجون والمعتقلات.