(18)
قرار التقسيم وثورة 1937
في أعقاب ثورة 1936 التي استمرت أكثر من ستة أشهر بعثت برطانيا لجنة لتقصي الحقائق.
وعندما رفض زعماء اللجنة العربية العليا مقابلة اللجنة لاعتقادهم أن مثل هذه اللجان مضيعة للوقت، ضغط الحكام العرب ثانية: ورضخ قادة اللجنة العربية أيضا وقابلوا (لجنة بيل) في 6 يناير 1937م.
ومن المناسب هنا أن نثبت بعض ما جاء بالمذكرة التي تقدم بها مفتي فلسطين للجنة المذكورة، فقد يكون فيها عبرة لمن يدرسون التاريخ، قال المفتي:
لقد كان العرب يؤلفون جزءا مهما من كيان الدولة العثمانية، ومن الخطأ أن يقال إن العرب كانوا تحت نير عبودية الأتراك، وأن نهضتهم ومساعدة الحلفاء لهم في الحرب العامة إنما كانت ترمي إلى تحريرهم، فقد كانوا في الحقيقة يتمتعون بجميع أنواع الحقوق التي كان يتمتع بها الأتراك سياسية كانت أو غير سياسية، وذلك بحكم الدستور الذي وضع أساس حكم واحد لجميع البلاد والعناصر التي كان يتألف منها كيان الدولة العثمانية. وكان العرب يشاطرون الأتراك جميع المناصب المدنية والعسكرية فكان منهم وزراء ورؤساء وزارات وقواد فيالق وفرق وسفراء وولاة ومتصرفون، كما كان في مجلس النواب والأعيان العثماني عدد كبير من الأعضاء العرب وفقا للدستور. وعندما وضعت الحرب العامة أوزارها على مبادئ ولسون، ومنها مبدأ تقرير المصير لكل أمة حسب رغبتها أو اختيارها.. ومع ذلك فقد نفذت بريطانيا وعلى مدى الستة عشر سنة الماضية سياسات أضرت بالعرب والمسلمين أعظم الضرر، إذ هبطت نسبة العرب العددية من 93% في بدء الاحتلال إلى 70%، ومكّن لليهود من الاستيلاء على قسم وافر من أخصب الأراضي العربية، وتم تشريد مزارعيها، ومحو القرى العربية التي كانت آهلة فيها. وخيبت كل أمل للعرب بالاستقلال.
إن ما يؤلم العرب كثيرا أن يروا حكومة بريطانيا ممعنة في ظلمهم والإجحاف بحقوقهم وتعريض كيانهم القومي للاضمحلال، وهي تخضع للمطامع اليهودية في جميع الشؤون، وتمنح اليهود الامتيازات الخطيرة المتحكمة في شؤون البلاد.
وفي 7 يوليو 1937م نشرت الحكومة البريطانية توصيات لجنة بيل التي نصت على ضرورة تقسيم فلسطين. وأشارت إلى موافقة فيصل الأول على مثل هذا التصور الذي يسمح بقيام كيان يهودي في فلسطين.
مشروع التقسيم
نص المشروع على تقسيم فلسطين إلى:
· دولة يهودية، تمتد من الحدود اللبنانية الفلسطينية إلى جنوبي يافا. ومن العجب أن هذه الدولة التي اقترحتها اللجنة، يفوق عدد العرب فيها عدد اليهود.
وفي القسم الشمالي منها يبلغ عدد العرب 3 أضعاف عدد اليهود. كما أنهم لا يملكون سوى 27% من مساحة الأرض. وهي تشمل مدنا عربية صرفة، مثل حيفا وعكا وصفد وطبريا، وجميع السهل الساحلي من أسدود إلى الشمال (بما فيه سهل شارون ومرج ابن عامر).
· ومنطقة تقع تحت الانتداب البريطاني:
وتشمل الأماكن المقدسة: القدس، وبيت لحم، وممرا يصلها بالبحر قرب يافا مرورا باللد والرملة، ثم الناصرة وشواطئ بحيرة طبريا.
· ومنطقة عربية: وتشمل ما تبقى من فلسطين، بما فيها مدينة يافا (على أن أراضيها وبساتينها واقعة ضمن الدولة اليهودية)، ومناطق غزة، وبئر السبع، والنقب، والخليل، ونابلس، والقسم الشرقي من مناطق طولكرم، وجنين، وبيسان. على أن تضم جميعا إلى شرق الأردن.
رد فعل الشعب الفلسطيني
وكأني بالشعب الفلسطيني يجد نفسه فجأة، أمام الحقيقة المؤلمة وجها لوجه.. فلطالما خدعه زعماؤه يوم ضمّوه إلى ما سمي بالثورة العربية الكبرى، ولطالما حلموا معا بدولة عربية كبرى من أقصى بلاد العرب إلى أقصاها، ولطالما تغنوا بصداقة بريطانيا وشرف كلمتها.. وها هو الشعب يدرك اليوم أمام قرار التقسيم أن الكل خدعوه.. ورفضت اللجنة العربية العليا قرارات اللجنة البريطانية جملة وتفصيلا، وهب الشعب الفلسطيني في كافة أنحاء فلسطين يستنكر المؤامرة، ولجأ الحاج أمين الحسيني إلى الحرم المقدسي الشريف في 17 سبتمبر 1937م بعد أن شعر بأصابع الإنكليز تمتد باتجاهه لتقبض عليه فقد كانوا يحمّلونه المسؤولية عن كل ما حدث.
وصعّد الإنكليز إجراءاتهم القمعية فأصدروا بلاغا رسميا اعتبروا فيه اللجنة العربية العليا وجميع اللجان القومية الأخرى في أنحاء البلاد غير شرعية، وأقصوا المفتي من رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى ومن لجنة الأوقاف العامة التي يرأسها، واعتقلوا أعدادا كبيرة من القيادات الوطنية ونفتهم إلى جزيرة سيشل، بينما استطاع المفتي أن يتسلل من مكمنه في الحرم المقدسي إلى لبنان وكان ذلك في 14 أكتوبر 1937م.
مؤتمر بلودان
كانت ردود الفعل الشعبية العربية عنيفة ضد قرار التقسيم مما دعا زعماء العرب إلى عقد مؤتمر لهم في بلودان في سوريا في الثامن من سبتمبر 1937م. وبالرغم من أن قرارات المؤتمر كانت جيدة، ولكن متى كانت قرارات مؤتمرات القادة العرب ضعيفة؟!
أهم المقررات هي:
1- فلسطين جزء لا يتجزأ من الوطن العربي.
2- رفض ومقاومة التقسيم.
3- الإصرار على إلغاء صك الانتداب وتصريح بلفور.
4- وقف الهجرة اليهودية.
5- إصدار تشريع يمنع انتقال الأراضي لليهود.
المرحلة الثانية من ثورة عام 1937م
توقعت بريطانيا أن قمعها الجنوني لمختلف طبقات الشعب والهيئات والشخصيات الوطنية سيجبر الشعب على القبول بالتقسيم ويسلّم بالأمر الواقع.. ولكن توقعاتها كانت خاطئة خاصة بعد ظهور تقرير بلّ وما فيه من غبن لقضيتهم ونكران لحقوقهم ونفي زعاماتهم إلى جزيرة سيشل، فقد انتفض القساميون رواد الكفاح الفلسطيني فاغتالوا أندروز حاكم الجليل في 26 سبتمبر 1937م مشعلين بذلك المرحلة الثانية من الثورة كما أشعلوا مرحلتها الأولى من قبل، ومن المناسب أن نلقي بعض الضوء على القائد الشيخ فرحان السعدي الذي تولى القيادة بعد الشيخ عز الدين القسام، والذي لعب دورا حاسما في أحداث الثورة في هذه المرحلة.
الشيخ فرحان السعدي
شارك الشيخ فرحان في المؤتمرات الوطنية وفي المظاهرات ضد السلطة بصورة متواصلة، وفي ثورة 1929م ألّف عصابة من المجاهدين في قضاء جنين فقبضت عليه السلطة وسجنته ثلاثة أعوام، ولما خرج من السجن انتقل إلى حيفا وهناك انضم للشيخ عز الدين القسام.
وفي 17 أبريل 1936م هاجم الشيخ فرحان إحدى القوافل اليهودية، ثم انتقل بعد هذه الحادثة التي أشعلت ثورة 1936م مع رفاقه إلى الجبال ومنذ مقتل أندروز بثت السلطة عيونها تتعقب القساميين حتى تمكنت من القبض على الشيخ فرحان وثلاثة آخرين من رفاقه، ولما كانت السلطة تعلم أن الشيخ هو العقل المفكر للقساميين فقد حاكمته محاكمة صورية في ثلاث ساعات، وحكمت عليه بالإعدام، ونفذت الحكم في 22 نوفمبر 1937م.. ولم تبال مقدار ذرة بكون الشيخ ابن الثمانين عاما وأنه صائم في شهر رمضان.
لجنة الجهاد المركزية
تشكلت لجنة الجهاد المركزية من المفتي الحاج أمين والشيخ حسن أبو السعود ومنيف الحسيني وإسحق درويش في لبنان، ومن محمد عزة دروزة (الساعد الأيمن للمفتي) ومعين الماضي في دمشق. كانت مهمة اللجنة مساعدة وتوجيه الثورة المتصاعدة في فلسطين والتنسيق بين الثوار في المناطق المختلفة.
عبد القادر الحسيني يقود الثورة
في 2 نوفمبر 1937م بدأت الثورة بانقضاض قائدها العام، عبد القادر الحسيني، وفصائله على مراكز الجيش البريطاني وثكناته وتحشداته في لواء القدس، وبهجوم مركز على طرق المواصلات الرئيسة التي تربط القدس بالساحل.
وفي الوقت نفسه انقض المجاهدون على القوات البريطانية في سائر القطاعات في أرجاء البلاد. وهكذا انقلبت فلسطين من أقصاها إلى أقصاها إلى أتون حرب.
استمرت الثورة من خريف عام 1937م حتى نهاية عام 1938م، كان عدد المجاهدين يقدر بعشرة آلاف مجاهد وكان تجاوب الشعب مع طليعته المقاتلة في غاية الروعة.. بلغ مجموع عمليات الثوار (506) عمليات عام 1937م بينما قفز الرقم إلى (5708) عمليات في عام 1938م و(3315) عملية في عام 1939م.
قدرت خسائر البريطانيين بالأرواح أكثر من 10 آلاف قتيل عدا الجرحى، وأقل من هذا الرقم بقليل من اليهود، كما قدر عدد الشهداء الفلسطينيين بِ 12 ألفا، قَتَل البريطانيون القسم الأكبر منهم.
يقدر صبحي الياسين عدد القوات البريطانية التي شاركت في قمع الثورة بحوالي 42 ألفا بالإضافة إلى 20 ألف شرطي و18 ألفا من حراس المستعمرات يقودهم كبار القادة البريطانيين مثل (ديل) و(يفل) و(منتجمري). عدّلت الإدارة قانون الطوارئ وباتت تهمة حيازة أي قطعة من السلاح تكفي للحكم بالإعدام أو السجن المؤبد، وأصبحت كل بيارة أو عمارة عرضة للنسف لمجرد صدور النار منها.
بلغ عدد الذين أعدموا شنقا خلال هذه الفترة (146) شخصا وعدد المحكومين تجاوز ألفي شخص والمعتقلين أكثر من خمسين ألفا وعدد المنازل التي نسفت نحو خمسة آلاف منزل.
ليس ذلك فحسب.. بل لجأت بريطانيا إلى سلاحها التقليدي (فرق تسدّ) فأوحت إلى أنصارها وعملائها ممن كانوا ينفسون على الحاج أمين مكانته الرفيعة التي احتلها بمواقفه الجهادية ودعمه للثورة.. فأنشأوا ما سمي (فصائل السلام).. يقول المؤرخ عارف العارف: إن هؤلاء أسهموا في القضاء على الحركة الوطنية في البلاد وفي إخماد الثورة التي كانت ترمي إلى إنقاذ فلسطين من براثن اليهود والإنكليز.
الكتاب الأبيض أيار 1939
بدأت أجواء أوروبا تتلبد بالحرب، فقِد غِزت ألمانيا تشيكوسلوفاكيا وغزت إيطاليا ألبانيا في 17 مارس 1939. وفي لندن، أجمعت الصحف على أن الحالة الدولية تقتضي من بريطانيا مراضاة العرب، خاصة وأن مصر هي إحدى المراكز الحربية الهامة في سياق السياسة العسكرية البريطانية، لهذه الأسباب فقد أصدرت بريطانيا كتابا أبيض في 17 مايو 1939م.
تضمن الكتاب ثلاثة موضوعات رئيسة، حول الدستور والهجرة والأراضي.
(ففي باب الدستور جاء بأن الهدف الذي ترمي إليه الحكومة في النهاية هو تأليف حكومة فلسطينية مستقلة، ترتبط مع بريطانيا بمعاهدة صداقة، ويساهم العرب واليهود في حكومتها بشكل يضمن المصالح الأساسية للفريقين.
وفي باب الهجرة وانتقال الأراضي اعترف الكتاب بأن استمرارها مجحف بحقوق العرب ومهدد لكيانهم ولذلك فلن يسمح بالهجرة إلا لفترة خمسة سنوات، ولعدد لا يتجاوز خمسة وسبعين ألفا. وبالنسبة للأراضي فقد حدد الكتاب التدابير التي تحدد انتقال الأراضي العربية لليهود بحيث تضمن عدم إلحاق الضرر بالاقتصاد العربي)..
ورفضت اللجنة العربية الكتاب الأبيض، وكذلك رفضته جميع الدول العربية باستثناء شرق الأردن. كانت وجهة نظر المفتي أن ما يحققه الكتاب الأبيض من الأماني ضئيل جدا، وأن بريطانيا لن تنفذ هذا القدر الضئيل.. وأن أمر التعايش مع الحركة الصهيونية أمر مستحيل.
أما اليهود فقد رفضوا الكتاب الأبيض أيضا ودعوا إلى مؤتمر صهيوني عقد في 26 يونيو 1939 في نيويورك ترأسه الحاخام شلومو غولدمن الذي صرح (أن فلسطين لم تكن يوما عربية وإن الكتاب الأبيض لا يمكن تفسيره إلا على قاعدة اللاسامية الدولية ضد اليهود. وقد أبرق وايزمن للمؤتمر قائلا: (إن شعب اليهود قرر الوصول إلى تطبيق الفكرة بتمامها. والحركة الصهيونية ويهود العالم يجب عليهم الآن أن يشتركوا اشتراكا كاملا في المسؤولية والتضحية من أجل استمرار الهجرة إلى فلسطين واستمرار الاستعمار اليهودي فيها ومقاومة الكتاب الأبيض).
وقِِِِِف عبد القِِِِِادر الحسِِينِِِي وإخِِِِوانِِِِه جبِِِِلا شِِِامخِِِِا فِِِِي وجه المِِِؤامِِِرة الاستِِعِِمِِِاريِِِة.. ولِِقِِنِِِِوا العدو درسا في الثبات والتضحية.