ان حل الاخوان المسلمين أنفسهم بسبب الوحدة بين سورية ومصر جعلنا نستغرق في الحياة الصوفية، فعشنا في هذه الحياة القائمة على الأوراد والأذكار فترة من الزمن. ولكنا مع اخوان الطريق في حماه أحيينا فكرة التعليم والدعوة في التصوف، فأصبح جونا جوا علميا تربويا روحيا دعويا، وكان لنا في الابتداء أكثر من غرفة في مسجد نأوي إليها، ثم استأجرنا دارا سميناها دار الفقراء، كانت مركزا لنشاطاتنا، وقد كانت هذه الدار نموذجا للمركز الاسلامي الذي يناسب الحال، ومركز اشعاع روحي وفكري وعلمي ودعوي، كان كل من يأتي الى الدار يقيم أوراده الشخصية بين المغرب والعشاء، ثم بعد ذلك تقام حلقة ذكر وانشاد، وكان لأهل الدار حلقة ذكر أسبوعية في مسجد من المساجد، وكانوا يشاركون في كل حلقة ذكر، وكان في حماه مجلس اسبوعي للصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا هم عماده، وكان للقائمين على الدار دروس منتظمة في بعض المساجد، وكان كل من يرتبط بالدار يرتبط بحلقة علمية، وكان للقائمين على الدار جلسة أسبوعية يجتمع فيها الانشاد والارشاد، وكان أدب الداخلين الى الدار اما أن يكون في ذكر أو مذاكرة، فتجد في كل حين أناسا عاكفين على الذكر بيدهم مسابحهم، يقيمون أورادهم، أو تجد انسانا يسأل وآخر يجيب، وحلقة تتعلم.
كان القائمون على الدار على وعي وعلى حكمة يظهران في كل شيء، فلم تكن تفوتهم حركة مريبة، ولم يكونوا يعجزون عن التصرف بحكمة في اقامة واجباتهم العامة، وكانوا في الوقت نفسه حريصين على ألا يتصرفوا تصرفا يخل بالقانون أو بالنظام، بل كانوا حريصين على ألا يكونوا محل ريبة أو شك أمام أحد، فاستطاعوا أن يشعروا كل انسان أنهم ليس لهم هدف دنيوي، فتاب على أيديهم خلق كثير، وانصهر فيهم أصناف من الناس، وعاد الى الاسلام كثير من أصحاب الاتجاهات المنحرفة فكريا أو سلوكيا. وقد دامت دار الفقراء فترة طويلة من الزمن استغرقت قسما من حياتنا الجامعية وبعد الحياة الجامعية عندما نكون في حماه.