الفصل السادس عشر
التصورات حول مستقبل الأمة الإسلامية
نحن نحلم أن يأتي اليوم الذي تقوم به دولة الولايات الاسلامية المتحدة التي تضم أقطار العالم الاسلامي جميعاً وأن يكون على رأس هذه الدولة الواحدة خليفة واحد هو الرئيس الأعلى لهذه الدولة. ونحن نعتقد أن قيام هذه الدولة الواحدة فريضة شرعية وأن يكون لهذه الدولة الواحدة امام واحد فتلك كذلك فريضة شرعية أخرى. ونحن نعتقد أن المسار العام للأمة الاسلامية لا بد أن يصب في هذه النتيجة، فالاخاء الاسلامي، والمصالح المشتركة، والتعاون المفروض، والتقارب اللازم، وشعور كثير من الحكومات بواجبها تجاه أخواتها، ووجود المد الاسلامي الحديث، والحركات الاسلامية الدافعة، كل ذلك لا بد في النهاية أن يدفع نحو تحقيق الفرائض الاسلامية التي منها: وحدة الأمة الاسلامية سياسياً، ووحدة القيادة في هذه الأمة متمثلة بالرأس الواحد الذي هو امام المسلمين وخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهل ستكون هذه الولايات نسخاً عن بعضها؟
مبدئياً لا بد أن يكون للأمة الاسلامية امام وعاصمة ولا بد أن يكون لها دستورها العام وقوانينها النافذة، وهذا لا ينفي أن يكون لكل ولاية دستورها وقوانينها الخاصة بها، وأن يكون لها بالتالي بعض الخصوصيات على أن تكون هذه الخصوصيات أثراً عن شورى شعب الولاية وبما لا يتعارض مع الدستور الحاكم للجميع، ولقد حدث في التاريخ الاسلامي أن قامت ولايات كان الحكم فيها وراثياً، وقامت ولايات حكمها أمراء وملوك وسلاطين وكل ذلك اذا كان منضبطاً بالضابطين المذكورين فلا حرج. إن من أعظم الوقائع الهادية في التفكير السياسي لجيل الصحابة واقعة الحوار بين وفد المسلمين وبين يزدجرد ملك الفرس قبيل وقعة القادسية، والحوار يأخذ قوته من كون المتكلم الأول من المسلمين تكلم بعد تفويض من الوفد، كما يأخذ قوته من كون ذلك التفكير قد وجد في زمن الخلافة الراشدة بعد استقرار الأحكام في عصر النبوة في هذا الحوار يقول النعمان بن مقرن ليزدجرد: "فان أجبتم الى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله، وأقمناكم عليه، على أن تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم" ذكره الطبراني، إن هذه الكلمة مهمة جداً في التفكير السياسي فالظاهر من الكلمة أن يزجرد لو قبل الدخول في الاسلام وقتذاك بالالتزام بتطبيق أحكامه فان كل شيء يبقى على حاله، يبقى هو الملك، وتبقى المملكة على حالها، ويحكمها الاسلام الذي من جملة أحكامه أن يكون على رأس الولايات الاسلامية خليفة واحد. طبق هذه المسألة على واقعنا وعلى ما ينبغي فعله في المستقبل تجد أنه لا حرج أن يكون لكل ولاية اسلامية حريتها في أن يكون لها دستورها الاسلامي وحكومتها التي يرتاح اليها شعبها، وأنه في الولايات الاسلامية الواسعة يمكن أن يوجد أكثر من نموذج للحكم.
فاذا وسع المسلمين الأوائل أن يعطوا الفرس حرية كاملة في تدبير شؤونهم اذا قبلوا الاسلام فلأن يسع ذلك المسلمين في عصرنا فذلك من باب أولى. لقد مرت على الأمة ظروف متعددة فرضت صوراً كثيرة، ونحن يسعنا في عصرنا أن نتحرك بما يناسب مرحلتنا. مرت مرحلة على الأمة الاسلامية أصبح الخليفة فيها يملك ولا يحكم فأصبح نظام الخلافة كالنظام البريطاني الحالي وذلك في المرحلة التي كان الخلفاء يفوضون السلاطين في الحكم وأبرز ما ظهر ذلك في مرحلة الخلافة العباسية في مصر وفي مثل هذه المراحل كنت تجد أمراء وسلاطين وملوكاً يخضعون خضوعاً رمزياً للخلافة حتى يشابه ذلك نظام الكومنولث البريطاني. إننا نحرص على أن تقوم دولة الولايات الاسلامية المتحدة التي يرأسها خليفة واحد ولكن للوصول الى هذه الدولة علينا أن نكون مرنين الى أقصى حدود المرونة. عارفين حدود الممكن ومنطلقين نحو الكمال من خلاله.
***
لقد تحدث الماوردي في الباب الثالث من كتابه على أنواع من الولايات، ولاية يكلف بامرتها أمير ينوب عن أمير المؤمنين وسلطانه مطلق، وولاية يؤمر عليها أمير يعطى بعض السلطات وتبقى بعض السلطات تابعة للأجهزة المركزية في دار الخلافة وولاية استيلاء وتغلب كأن يتغلب أمير على منطقة ويقره الخليفة، وقد طالب الماوردي المتغلب بسبعة أمور قال:
"والذي يتحفظ بتقليد المستولي من قوانين الشرع سبعة أشياء فيشترك في التزامها الخليفة الولي والأمير المستولي ووجوبها في جهة المستولي أغلظ: أحدها حفظ منصب الامامة في خلافة النبوة وتدبير أمور الملة ليكون ما أوجبه الشرع من اقامتها محفوظاً وما تفرع عنها من الحقوق محروساً. والثاني ظهور الطاعة الدينية التي يزول معها حكم العناد فيه وينتفي بها اثم المباينة له. والثالث اجتماع الكلمة على الألفة والتناصر ليكون للمسلمين يد على من سواهم. والرابع أن تكون عقود الولايات الدينية جائزة والأحكام والأقضية فيها نافذة لا تبطل بفساد عقودها، ولا تسقط بخلل عهودها. والخامس أن يكون استيفاء الأموال الشرعية بحق تبرأ به ذمة مؤديها ويستبيحه آخذها. والسادس أن تكون الحدود مستوفاة بحق وقائمة على مستحق، فان جنب المؤمن حمى الا من حقوق الله وحدوده. والسابع أن يقوم الأمير بحفظ الدين وأن يكون ورعاً عن محارم الله يأمر بحقه إن أطيع ويدعو الى طاعته إن عصي، فهذه سبعة قواعد في قوانين الشرع يحفظ بها حقوق الامامة وأحكام الأمة فلأجلها وجب تقليد المستولي، فان كملت شروط الاختيار كان تقليده حتماً استدعاء لطاعته ودفعاً لمشاقته ومخالفته، وصار بالأذن نافذ التصرف في حقوق الملة وأحكام الأمة وجرى على من استوزره واستنابه أحكام من استوزره الخليفة واستنابه وجاز أن يستوزر وزير تفويض ووزير تنفيذ فان لم يكمل في المستولي شروط الاختيار جاز للخليفة اظهار تقليده استدعاء لطاعته وحسماً لمخالفته ومعاندته".
دعنا نطبق ما ذكره الماوردي على موضوعنا:
خلافة وسلطة مركزية، كل من سلم لها بمعان معينة وكان نافذ السلطة يمكن الاعتراف به واجازته، واذا جازت امرة المتغلب فمن باب أولى أن نجيز امرة تنبثق عن شورى شعب أو منطقة، بل علينا أن نجعل لكل ولاية حق اختيار حكامها لقطع الطريق على النزعات الاستقلالية أو الطموحات الفردية، انه في الولايات المتحدة الأمريكية، أو في الاتحاد السوفياتي لا يستطيع متغلب أن يثب على حكم ولاية لأن طريقة الوصول الى حكم الولايات منضبطة بضوابط قانونية صارمة، وجميع الولايات بأمريكا تخضع لسلطة مركزية وجميع الجمهوريات في الاتحاد السوفياتي تخضع لسلطة مركزية، وهناك دستور عام في كلتا الدولتين، ولكل من الجمهوريات في الاتحاد السوفياتي أو الولايات في أمريكا دستورها الخاص بها، انه لا حرج علينا أن نستفيد من التجارب المعاصرة كلها لاقامة دولة الاسلام العالمية.
ولعلنا بما مر نجيب على سؤال هو:
على أي أساس تنشأ الولايات الاسلامية؟
ومع أنه قد وضح الجواب فاننا نقول:
لم يقيدنا الاسلام بقيد في هذا الشأن وعلى هذا فالمصلحة هي التي تحكم هذا الأمر، وعلى هذا فلا حرج علينا أن نراعي في الولايات أوضاعاً جغرافية، أو أوضاعاً عرقية، أو أوضاعاً لغوية، أو أوضاعاً مذهبية أو أوضاعاً واقعية. ومن خلال ما مر ندرك الجواب على السؤال.
هل من الضروري أن تتغير كل الأنظمة لتحدث الوحدة الاسلامية؟
ولزيادة الايضاح نقول:
في اعتقادنا أن هناك أنظمة تتبنى الكفر البواح فهي تكره الاسلام وتحارب أهله فهذه لا بد من تغييرها، وهناك أنظمة تتبنى الاسلام وتحب أهله فهذه نرجو أن تكون سباقة في الطريق لمزيد من التلاحم الاسلامي، وهناك أنظمة ليس عندها مانع من أن يحكم الاسلام ولكنها تضعف أمام الضغوط وهي لن تكون متخلفة عن الركب، والحركة الاسلامية عليها أن تراعي هذا كله وهي تتحرك وتحرك، متوازنة وموازنة. وهذا يوصلنا الى أن على الحركة الاسلامية في كل قطر أن يكون لها كلمتها واستراتيجيتها بما يتناسب مع وضع هذا القطر حالاً أو استقبالاً. ومن خلال ما مر نكون قد عرفنا طرفاً عن المطلوب محلياً وعالمياً من الحركات الاسلامية. فالمطلوب عالمياً أن توجد الحركة الاسلامية العالمية الواحدة، التي تحرك الأحداث بما يخدم الوصول الى الأهداف العالمية من خلال مراعاة الأوضاع المرحلية والتخطيط لكل قطر بما يناسبه، والمطلوب من الجماعات الاسلامية في كل قطر أن ترسم خطتها على ضوء دراسات واسعة لقطرها ولطبيعة النظام فيه وعلى ضوء ذلك تكون حركتها.